بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                          

 

محمد موح

                                 

صفحة الأخ محمد موح على الفيسبوك

 

 

....................محنة المحفظة مع سقاية مولاي الطيب  ......................

.............. مستقاة من قصة حية..............

.....................القصة كاملة..........................

بقلم : محمد موح

 

طلب مني الأخ Najem Cherifi حفظه الله تطوير قصة طريفة حدثت لي- وأنا لا زلت طفلا صغيرا - مع سقاية البايلك المسماة آنذاك : " سقاية مولاي الطيب " السفلى، التي كانت مغروسة أمام مدخل المقبرة القديمة بحي سالم، مدينة أبركان (بركان).

جاء هذا الطلب بعد أن لمحت إلى القصة في إحدى تعليقاتي على منشور من منشورات الأخ الكريم.

وتلبية لطلبه، سأسرد القصة بالتفاصيل التي لا زالت أطيافها تتابعني إلى الآن وقد علا الشيب رأسي، محاولا قدر الإمكان أن أصيغها في قالب قصصي فني، أدخل عليه بعض المحسنات البلاغية والاقتباسات المأخوذة من القرآن الكريم والأمثال والحكم وغير ذلك من الصور الفنية التي قد تثير بعض التساؤلات المشروعة عند القراء.

أشكر الأخ عبد الحق مهداوي الذي تنبه في إحدى تعليقاته على هذه القصة إلى أحد العناصر الفنية المستعملة في الكتابة القصصية، وهو عنصر التشويق " الهيتشكوكي " كما سماه، وفعلا، لقد وضعته في حسباني قبل مباشرة كتابة القصة والتزمت به أثناءها... قراءة ممتعة :

 

........................ القصة .......................

صورة تذكارية لتلامذة مدرسة الإمام علي سنة  1970 - 1971

على اليمين المرحوم الأستاذ القدير عمرو الوشكرادي وعلى اليسار الأستاذ محمد السباعي

.... يوم المحنة الأولى :

1 - الحادثة :

حدثت المحنة بعد عودتي من مدرسة الإمام علي في يوم من أيام بداية السبعينيات، حيث وضعت محفظتي التي لم تكن تحتوي على سحَّاب ولا على زر إغلاق، على حائط الصهريج الأعلى لسقاية مولاي الطيب السفلى، التي كان ماؤها سائغا للشراب، ولرش القبور وسقي البهائم والدواب.

فبينما أنا اشرب من الصنبور، انزلقت كل محتويات المحفظة فسقطت في الصهريج الذي كان مليئا بالمياه، وما بقي فوق الحائط إلا المحفظة فارغة تشهد على عملية الغرق، تئن وتندب الغرقى وتبكيهم.

كان قعر الصهريج عميقا على قد نصف قامتي وأنا طفل في العاشرة من عمري، أو يتعداها ببعض الشهور.

- فماذا حصل بعد ذلك ؟

كنت لوحدي، فخلعت نَعْلي دون ملابسي ودخلت في الصهريج لإنقاذ الغرقى، لكن الدفاتر كانت قد شَرِقت فغمرها الماء، ونفذ إلى كل الصفحات، فامتص روحها، ثم هلكت، كل ما كان مكتوبا بمداد المحبرة تحلل وذاب وغاب.

كانت دفاتر ذلك الزمان من النوع الركيك، ورقها يمتص الحِبْر بسرعة، كالمِنْشَفَة التي إذا سال عليها سائل تمددت بقعه، وتوسعت على الورق مساحته، أما إذا سال عليها الماء أزال البقع كلها، فكيف لخطوط الريشة المحررة بحبر " الدواية " ألا تزول ؟!

2 - قصتي مع محتويات المحفظة : 

لما أخرجتها ووجدتها على الحالة المذكورة، لم أدخل إلى البيت في الوقت كعادتي، بل لملمت كل شيء على حاله وتوجهت إلى مكان معزول، بعيدا عن مَرْأى الجميع لأتثبت من حالة كل محتوى على حدة، كانت الكتب مبللة ولم يصبها أذى خطير، كان علي فقط أن أقوم بتجفيفها، لتعود المياه إلى مجاريها،

أما محتوى المقلمة وتلك الأدوات البلاستيكية، فلم أعِرْ إليه اهتماما كبيرا، لأنه كان منيعا لم يتأثر بفعل الماء كثيرا.

يبقى مشكل الدفاتر، التي لم يكن يجدي معها أي إصلاح أو ترميم أو تجفيف، كل الدروس والتمارين كان قد شربها الماء، ولم يبق منها إلا تلك الخطوط الخضراء والحمراء، التي كانت تسطِّر التواريخ والعناوين، وتلك الكلمات المكتوبة بأقلام ملونة جافة.

فلم يكن لدي إذ ذاك إلا اختياران أواجه بهما والدتي ومعلميَ كل في وقته، أما والدي حفظه الله، فكان في بلاد المهجر في آونته :

- إما الحقيقة المرة وأروي لهم قصتي، وإما اصطناع حادثة أعتق بها رقبتي، لكن كيف يمكن لتلميذ صغير استحوذ عليه الخوف وشدته الحِيرَة، أن تخطر على باله فكرة عجيبة، أو يبتدع أكذوبة تناسب حجم المصيبة.

مر بعض الوقت على تجفيف ثيابي وكتبي، تخللته لحظات هَجْس نفسيّ، مصحوب بعبرات بكاء خفي، ولما أشرفت الشمس على الغروب، هزني التفكير في والدتي وخفت أن تقلق أو تكترث من غيابي، فجمعت حوائجي وأنا في حالة حزن واكتئاب.

 

 3 - في البيت :

 دخلت البيت و تفاجأت والدتي، ولما تَنَفَّسَت الصَّعْداءَ لرؤيتي، اعتبرتُ ذلك علامة على سلامتي؛ نهرتني قليلا كما تنهر كل أم ابنها، لكن من أين أبدأ لأحكي قصتي لها؛ لم أتمالك نفسي أمامها، فخررت باكيا بين يديها، أترجى شفقتها ورأفتها، فالإبن لم يكن مذنبا كما تعلمون، لكن الأم عادة ما تظن بابنها الظنون.

- ماذا حصل ؟ همت قائلة، وهنا رويت لها القصة كاملة، فظنت بذلك أن العلم كله قد ضاع مني، فحاولت أن تسترجع ما تبقى منه بتسخين الكتب المبللة، على نار الفرن الخفيفة، وأنا من جهة على الفرن الآخر، كتابا.. كتابا إلى أن تأكدتْ من ظهور بصيص من الأمل فتوقفت عن التسخين، ثم أَخْرَجَت الكتب ونشرتها بطريقتها الخاصة على سطح المنزل، ولما أصبح اليوم الثاني تأكدتُ من خبرة الأمهات في " نشر الكتب " المبللة، فمن شدة اليبس قد تحولت إلى كأنها " كتب مجلدة ".

 

..... يوم المحنة الثانية :

 

1 - عطف وحنين : 

رباه !! لم أطق تحمل هذا الوزر الذي أرَّقَني ليلة بأكملها، فبت أفكر طيلتها في كيفية مواجهة المعلم بما سلف، وفي استعادة ما ضاع مني وما تلف.

أصبحت وأصبح الملك لله، أيقظتني والدتي (حفظها الله) بعدما أعدت الفطور، ووضعت بجانبه ما كنا قد سخناه بالأمس ثم يبسناه، وكأني منها كانت تحب أن أراه، حتى يخف عني الضَّنَى.. فما أضناه ! فنادتني بصوت رقيق، وقالت لي كلاما يبعث على الارتياح، وتنشرح له الصدور وترتاح، كلاما لا يعتبره إلا أولي الأبصار، أي بكل بساطة واختصار : إحك للمعلم كل ما صار، والتزم في ذلك الهدوء والوقار، فإن ما حصل قد حصل، وكل شيء في هذه الدنيا بأجل.

فنِعْمَ الأم التي تقف بجانب ابنها، وتخفف عنه سوء الحال بعطفها، ولا تدفعه عنها أبدا حتى ولو عاقها؛ ولِمَ لا نعمة الأم ! ورب العباد قال فيها : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، (و) لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها.

(اللهم بارك لأمهاتنا في عُمرهن، وألبسهن ببركتك ثوب العافية في روحهن وجسدهن، واغنهن من فضلك في ذهابهن وإيابهن، وأطل في عمرهن مع العافية في صحتهن ودينهن، واجعل آخر كلامهن من الدنيا : لا إله إلا الله محمد رسول الله). آمين.

 

نصيحة لكل من فقد أمه : أكثر لها الدعاء بالرحمة، واسأل الله أن يحشرك معها في الجنة.

أعود فأقول :

ثم توكلت على الله في تلك الصبيحة وتوجهت إلى المدرسة، فكان لا بد في طريقي أن أمر بالسقاية " الملعونة "، التي ذللتني وجعلتني أضحوكة، أضحوكة ما أدراكها أضحوكة، حتى صرت أنظر إليها كأنها إنسان حي، فالتقطت حجرا من الأرض ورجمتها، انتقاما لي ولمحتويات محفظتي من فعلتها.

 

عجبا ! ها قد تغيرت الظروف والأحوال، ومضت السنون وتبدلت الأجيال، فلم يبق لهذه السقاية وجود ولا أثر، لا أحد يحكي عنها، أو يروي لنا قصة حية تُذكر؛ يكاد الزمان يمحيها من ذاكرة الإنسان، ويُنْسيها له إلى أبد الدَّهَر.

كم صرت اليوم أشتاق لرؤيتها، وأحن إلى شربة ماء من صنبورها، أما إن مررت بمكان موقعها، أحسبني امرؤ القيس يحن إلى الديار بالوقوف على أطلالها.

فكل شيء من هذه السقاية قد ذهب، شأنها في ذلك شأن الصومعة التي نصفها ذهب(1)، فرغما عني وبحكم سني، لم يبق لي إلا التسليم بكلام واقعي، جاء على لسان تابع شافعي : اتْرُك التشوق للمفقود، وتمسك بما هو موجود(2)، فالموجود هو هذه الحكاية، والمفقود هو تلك السقاية.

لكن أخي الفاضل، لقد نسيت قصتك !؟

2 - عفوا !! في المدرسة :

 

ثم دخلت القسم وأنا أشعر بانقباض في المَعِد، وكل أعضاء جسمي من شدة الخوف تَرتعد، سألني المعلم عن سر هذا الانقباض الذي تَمَلَّكَني، ولم أستطع الرد لأن الخوف أبكمني، قصدني إلى مقعدي يهمهم بكلام لا يُفهم معناه، وكل الأنظار من حولي متوجهة إلى نفس الاتجاه. ثم أخذ يمسح بيده على رأسي بلطف كما يفعل الآباء لأبنائهم، ليهدأوا من رعب انفعالهم، وينبسطوا من جرَّاءِ خوفهم وانقباضهم، ثم قال مشيرا إلى تلاميذ القسم :

- إن لم يكن أحد من هؤلاء قد ضايقك، فلا شك أن أمك هي التي تكون قد صانتك ( 3 ).

فاستطار القسم ضحكا بسماع هذا الكلام، وهنا بدأت الأضحوكة التي كنت قد توقعتها، والتي سيندم عليها المعلم والجماعة كلها، ويحولها رحمه الله من بَعْد إلى أعجوبة خَلَّدتها.

3 - زفرة الفرج :

عمت القاعةَ ضَوْضَاءُ تخللتها بعض الإيماءات المعبرة، هذا يَهمِز وذاك يَلْمِز والآخر يَغمِز، فأثار هذا السلوك السيئ حافظة المعلم، وكلمة حق وصدق تقال فيه والله أعلم : كان طيب السريرة، ظاهره لم يكن يخالف ضميره.

لقد أنَّبَهُ قلبه عما تَلَفَّظَ به، وأراد أن يكفِّر عن ذنبه،

فصاح في وجه التلاميذ قائلا : هدوء .. هدوء تام !! وفجأة هدأ الضجيج كأنه ما قام، ثم عاد إلى مداراتي مرة أخرى، وهاجسني بكلام في أذني اليسرى : ما لك يا بني ؟! قل لي ماذا جرى لك ؟! هل حدث لك مكروه ؟! أنا هنا لأساعدك !

انهار الدمع من عينيَّ وكَفْكَفْتُه، وانشرح صدري لِمَا سمعته، تذكرت نصيحة أمي فصارحته، ثم أخرجت جثث الدفاتر ونشرتها أمامه، كانت بعض صفحاتها قد التصقت، أراد أن يفْرُق بينها فتقطعت، حاول مرة أخرى، ثم أخرى، وتَوَقَّفـ (ـا)، ثم غادر القاعة دون أن نعْلَمَ أين اختفى.

وبعد فترة قصيرة، عاد وخلفه معلم اللغة الفرنسية، وكعادتنا، عندما يدخل الضيف يقف القسم للتحية، اقترب مني الإثنان لتفحص الوضعية، ثم دارت بينهما مشاورة سرية، حُسِم الأمر بعدها وانتهت القضية.

نعم، انتهت القضية في الحال، إذ بقَدْر الرأي تُعتَبَر الرجال : لقد اتفق المعلمان رحمهما خالق الأرض والسماء، على تعيين بعض التلاميذ النجباء، ذوي الخط الواضح الجميل، الذين يتميزون بالسرعة في الكتابة، ثم أُمِرتُ بشراء دفاتر جديدة، ذات الثماني والأربعين صفحة، وجئت بذلك في اليوم الموالي، فقام المعلم بخلع الدبابيس أو المشابك، التي تمسكها من الوسط لتبقى الأوراق مزدوجة، كما قام بكتابة عناوين الدروس والتمارين في رأس كل صفحة، معتمدا في ذلك على دفاتر بعض التلامذة " العباقر "، المتفوقين في كل شيء حتى في العناية بالدفاتر، ووزع الأوراق على التلاميذ الذين اختارهم للمساعدة، ووضح لهم التعليمات والتوجيهات اللازمة، التي يجب اتباعها حتى تكون عملية النسخ مُحْكَمة، وطلب منهم أن يستعينوا بدفاترهم في إنجاز هذه المهمة.

ونفس العملية قام بها أستاذ الفرنسية مع تلاميذ آخرين، بعضهم كان من قسمي وبعضهم من القسم الآخر، وفي ظرف أقل من أسبوع، كان كل شيء قد تم وانتهى، ثم أعاد المعلم الأوراق مكانَها.

لم نكن متعودين على النطق بكلمة شكر بأفواهنا، لكن خَصْلَة الاحترام والتبجيل، والاعتراف بالجميل، كانت دائمة الحضور في قلوبنا؛ فلم نبخل أبدا على الكبار بقدرهم، ولم نبْخَس الصغار أشْياءهُمْ، فلَيْتَ شِعْرِي لو تعود ذكريات ذلك الزمان، ويُشارُ إليها اليوم بالبَنان، فيها ما فيها من العِبَر والدروس، التي قد يعجز عن وصفها اللسان.

تذكير : لم يكن لآلة التصوير في ذلك الوقت وجود، وإلا لخَفَّفت من حدة الأمر، ولَمَا بُذِلت كل هذه الجهود، لكن التكافل والتضامن بين الكبير والصغير، كانا حالة فطرية تنبع من أعماق قلب الكثير، فكلما وُجِدَ المرء في الضيق أعْزَلا، جاءه البُشْر بالعون مُهلِّلا، وهرع الكل لتقديم يد المساعدة؛ هذا ما حصل لي مع المعلم والزملاء في تلك الآونة.

 

 انتهت القصة.

أسْتودِعكُم الله.

محمد موح

------------------------

(1) - إشارة إلى صومعة حسان بالرباط، التي ذهب نصفها الأعلى وليس كونه من الذهب.

(2) - اقتباس لقولة أبي عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، في تعريف القناعة. انظر كتاب : مسلك الأتقياء ومنهج الأصفياء في شرح هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء/ عبد العزيز بن حفيد زين الدين المليباري، ص : 98.

(3) - صان الشيء إذا حافظ عليه، ويقال للإنسان إذا ارتكب ذنبا أو خطأ فعوقب عليه.

وحتى لا ننسى مدارسنا ومعلمينا

إليكم إخوتي الكرام هذه الباقة من الصور الجماعية لتلامذة مدرسة الإمام علي بداية فترة السبعينات

 

 

 

 

 

 

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط  هنا

.........................................

 هذا القصة نشرت على صفحت الفيسبوك للأخ محمد موح بتاريخ 14 مارس 2018 وهذه بعض الردود التي تفاعلت معها:

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

فضاء الشعر والزجل والقصص

Compteur Global gratuit sans inscription