بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                          

 

محمد موح

                                 

 

نطق همزة التعريف " أَ ، أُ ، إِ " لدى بني يزناسن

 

 لـــــغـــــويــــــات

خمسة دروس

محنة المحفظة مع سقاية مولاي الطيب

 


......................... الكوراط والرابول.......................

بقلم : محمد موح

ذهبت يوماً إلى الجماعة القروية (البلدية حاليا) باكليم لطلب شهادة السكنى المحلية التي سأقدمها من بعد إلى قسم الشرطة بمدينة ابركان من اجل الحصول على شهادة سكنى ثانية (بوليسية). 
كنت في تلك الفترة أهيىء ملف طلب بطاقة التعريف الوطنية وكانت هي المرة الأولى التي ستطأ فيها قدمي إدارة مغربية لمهمة تخصني.

(تذكير : لكي تحصل على شهادة السكنى الأولى كان عليك في السبعينات أن تتوجه أولاً إلى مكتب شيخ الدوار (الكوراط) ليشهد كتابة على صحة إقامتك بعنوانك الرسمي، كان ذلك بداية المشوار وتليها زيارة قسم الشرطة بالمدينة للحصول على شهادة سكنى أخرى، ثم عملية الذهاب والإياب الشاقة بين مدينتك والمدينة التي توجد فيها العمالة، لتدفع ملفك من أجل الحصول على بطاقتك الوطنية).

ولما كان مسقط رأسي وعنواني آنذاك بقرية شراعة التابعة للجماعة القروية بأكليم، ذهبت إذا إلى مكتب الكوراط بهذه الجماعة التي تبعد عن مدينة أبركان بحوالي عشرين كيلومترا لمن لا يعرف المنطقة، لكن هذا الأخير كان غائبا فسألت عنه أحد " الموظفين " إلا أنني ندمت على ذلك في الأخير، إذ بعدما وجهت إليه السؤال نظر إلي بشرود نظرة احتقار واستكبار، ورد علي بترفع وغطرسة مشيراً إلي بسبابة يده اليسرى وهو يهز فيها قائلا : ها هو ف جيبي.. هاه..!! مجتسا في نفس الوقت بيده اليمنى على جيبه، ثم توقف قليلا وأضاف بصوت فخم : أسييير قلب اعليه اراسك.. آ بنادم !!، ومضيت في حالي تائها دون أن أسأل غيره.

وبينما أنا على هذه الحال، رق قلب أحد المواطنين لحالي فاقترب مني وكان يظهر عليه نوع من الانزعاج بسبب تصرف هذا الموظف، فقال لي : احرام اعليه.. ربي ايخلصو !
كادت دموعي تترقرق في عيني من شدة لطف هذا الشاب الذي أحس بألمي، فعانقني بأنس ليواسيني ويخفف عني وعكة القهر والاحتقار، وأخبرني أنه من عادة الكوراط مغادرة مكتبه والتوجه إلى السوق، نعم إلى السوق الذي لا زال موقعه على هامش الطريق الرئيسية، ليجلس في إحدى المقاهي يبيع ويشتري كل ما يقع بين يديه، أو يهتم بأشياء وأمور أخرى يحسم فيها في الخفاء.
شكرت المواطن على حسن تعامله وطيب أخلاقه، ثم توجهت إلى السوق.

ما كنت أعرف " الكوراط " من قبل وما سمعت باسمه ولم يسبق لي أبدا أن رأيت وجهه، الفضل يعود إلى هذا المواطن الرؤوف الذي أفادني ببعض المعلومات عنه ودلني على مكانه وزودني باسمه الذي هو : لمقدم حماد.

وصلت إلى السوق وسألت أحدهم عن لمقدم حماد، فأرانيه جالساً مع شخصين آخرين حول طاولة " براد اصفير " في المقهى المقابل للسوق من جهته الشرقية آنذاك. أقول " آنذاك " لأن كل شيء قد تغير الآن.

لم تكن هيئة لمقدم ولا هندامه يدلان على أنه شخصية إدارية؛ كان رجلا خشنا سمينا يناهز الستين، وله شارب غليظ يكاد يغطي شفته العليا بأكملها، وكان يرتدي جلبابا غليظا من الصوف البني، له صلعة ناصعة رأيتها مرة واحدة عندما خلع قلنسوته المغربية وحطها أمامه فوق الطاولة قبل أن يضعها من جديد على صلعته.

دنوت من المجلس بكل أدب واحترام، وتلوت على أهله السلام، ولما لم يرد علي أحدهم فهمت أنهم غارقون في حديث مهم استرقت منه بعض الأطراف خفية : كان يدور حول أمور مادية، مثله مثل الأحاديث المتداولة في سائر الاسواق المغربية، أمور لم تكن تهمني بحكم سني ومهنتي، إذ كنت إذ ذاك في الثامنة عشرة من عمري، تلميذا أو - إن شئت سميني - طالبا في السنة الأولى ثانوي. قلت : كان الحديث مهما لأنه كان يتعلق ب " مادة " لم أكن أتقنها، هي مادة تجارة البذور بيعها وشرائها في سوق الجملة.

بل لم ينتبه أحد منهم إلى وجودي على مقربتهم ولم يبد عليهم أي انشغال بما يجري أو يدور حولهم. تراجعت قليلاً إلى الوراء حتى لا أزعجهم أو أقاطع حديثهم، فجلست على حافة الرصيف غير قادر على فعل شيء سوى الانتظار أسائل نفسي وأهاجسها : سبحان الله، ما هذه اللامبالاة ؟ ولم كل هذا التقصير من طرف لمقدم حماد في أداء واجبه الإداري ؟ أيعقل أن يغادر مكتبه دون أي حرج أو خشية من القايد أو من غيره من الأكباش القرنة ؟

بعد بضع دقائق، اقتربت من المجلس بخطوات أترصد نهاية الحديث لأنقض على الكوراط، لكنه طال ثم طال قرابة ساعة كاملة دون أن يظهر أحدهم علامة او حركة تنبئ باقتراب نهاية الجلسة، كنت أتمنى أن ينهض أحدهم من مكانه فأكلمه على انفراد، عله يتدخل لي عند لمقدم حماد.

أخيراً، نهض لمقدم نفسه وتقدمت إليه مهرولاً
- السلام عليكم السي حماد.
فبدل أن يرد السلام، صاح في وجهي بصوت فض غليظ ومخيف
- واش ابغيت أنت عاود ؟ 
- الله أكبر.. قلت له : من فضلك السي حماد، قصدتك لأنني في حاجة إلى شهادة سكنى.
- سير اللجماعة القروية !
- ولكن أنت موجود هنا ماشي في الجماعة !
- شهادة السكنى اتعطى في الإدارة ماشي فالسوق اسمعت ولا !؟ أوماشي أنا اللي نعطيها كاع أسيدي يالله !
- ولكنك الآن في السوق لا في الإدارة !
- إذهب وانتظرني هناك، قلت ليك
- لقد انتظرتك هناك، ولما لم تأت أتيت بنفسي أبحث عنك في السوق، وها أنذا الآن وجدتك !
- أنت فيك لفهامات.. قلت لك : سير اللإدارة واستناني، واحد الشوية راني جاي !

ثم تركني لوحدي وذهب إلى مكان آخر كان به شاحنة كبيرة مليئة بأكياس من الشعير، وبدأ يتحدث مع الأشخاص الذين كانوا يعملون على تفريغها على متن ظهورهم.. قنطارا تلو قنطار.

وبينما أنا واقف في مكاني بجانب الطاولة، كلمني أحد الشخصين اللذين كان لمقدم حماد يحادثهما، والشخص كان يبدو من خلال كلامه أنه إنسان لطيف وطيب
- واشت ابغيت اللمقدم أ ولدي ؟ 
- أبغيت يعطيني شهادة السكنى.
- آاه اعرفت .. ابغيت إذاً " الرابول " ؟
- لا يا عمي، ابغيت شهادة السكنى.
- نعم.. نعم، فهمت.. ولكن، لا بد أن يعطيك لمقدم " الرابول " كخطوة أولى، وتدفعه إلى مكتب الشواهد الإدارية في الجماعة القروية مرفوقا بنسخة من عقد الازدياد، ثم تدفع ثمن التمبر (درهم واحد)، وبعد ذلك تحصل على شهادة السكنى التى تتكلم عنها.
- ماذا يعني الرابول من فضلك ؟ 
- الرابول هو عبارة عن ورقة (وثيقة) يكتب اعليها لمقدم بأنك فلان بن فلان زايد ف هاذ المكان ولا ذاك المكان او عندك فيه عنوان، أو تسكن بالعنوان الفولاني.
وهنا فهمت بأنه يتحدث عن تلك الشهادة التي أشرت إليها في العنوان والتي لم أكن اعرفها من قبل، وهي من اختصاص الكوراط فقط، إنها " الرابول ".
- طيب سيدي.. لكن ماذا يفعل لمقدم هنا إذا كان هو الذي يعطي الرابول في الجماعة القروية ؟ 
ورد قائلاً : هي هاذي المهمة اديال لمقدم، إلى ما صبتوش فالإدارة اعرف بلي راه يسرح من دار لدار، ايطالع على أحوال الدوار، ويسجل فراسو كل ما اتوصل ليه من أخبار، يعرف جميع الأسرار، ويفرق ما بين القار والمار، والضيف والجار، ويميز بين التقي والشقي والشفار.

وبينما نحن على هذه الحال، رجع الكوراط إلى الطاولة فأقنعه الرجل المحترم بأن يهتم بشأني، ثم ناداني فأتيت إليه مهرولا.
- عندك شي ورقة واستيلو؟ 
- انعام أسيدي.
أخرجت دفترا مدرسيا بمربعات كبيرة، قطعت منه ورقة وقدمتها له مع القلم.
سألني عمن أكون وأين أسكن وماذا أعمل... إلى غير ذلك من الأسئلة المخزنية الجاهزة، لكنه لم يدون حرفا واحدا من كل هذا، لماذا ؟
لأنه لم يكن يعرف الكتابة ولا القراءة ! فنادى على " كاتب " شخص من عامة الناس يعرفه، قام مقامه وحرر انعام أسيدي ذاك " الرالبول " Ras-le-bol. 
كان هذا الشخص متدربا ومعتادا على القيام بهذه المهمة فيما بدا لي، لأنه حرر الرابول بسرعة فائقة بعد أن طلب مني كتابة اسمي وعنواني ومعلومات أخرى على ورقة ثانية يستند إليها، ولما انتهى من التحرير قدم الرابول إلى لمقدم ليوقعه.

الله أكبر.. ! أخرج لمقدم حماد ختم الجماعة الرسمي (tampon) من قب جلابته فنفخ عليه بفيه، ثم طلى بيده على بقايا الشاي في الصينية وحط عليها الختم وضربه بعد ذلك على الرابول، وانتظر قليلا حتى جف الشاي من على الورقة، ثم أخذ القلم وشطب على الختم فكان هذا الشطب بمثابة توقيع.
كانت تلك هي طريقة لمقدم السي حماد في تحرير الرابولات وختمها وتوقيعها. بعد ذلك مد إلي الرابول بمهنية مصطنعة، مصحوبة بحركات وتعابير تدل على فخره بنفسه، وقال لي : هاك انعام أسيدي أدي هاذ الورقة للقروية أو غادي يعطيو ليك بها شهادة السكنى.

وهكذا حصلت بحمد لله على وثيقة إدارية في مقهى القرية، كتبها بقلمي مواطن عادي بالمجان على ورقة خلعتها من دفتري، وختمها ثم وقعها موظف رسمي لم يكن يتوفر على لوازمه الأساسية، كل ما كان لديه هو ختم مؤسسة إدارية مخبأ في قِبّ الجلابية يصحبه أينما حل وارحتل.

عدت بعد ذلك إلى الجماعة القروية لطلب شهادة السكنى المحلية، فحصلت عليها وانتهت القضية. ثم أقلت طاكسي اكبير عائدا إلى مدينة ابركان لطلب شهادة السكنى الذهبية من الكوميسيرية، ذلك المكان الذي كان الكل يخشى المرور بجانبه، فكيف بالأحرى الدخول إليه.. أما أنا فقد دخلته في ذلك اليوم وللمرة الأولى كالفاتح المنتصر.

وفي اليوم الموالي كانت الشهادة جاهزة، سحبتها وتوجهت بالملف كاملا إلى مدينة وجدة، إلى مكتب تابع للعمالة، متواجد على مسافة قريبة من ساحة المغرب قرب محطة الحافلات القديمة، وهناك دفعت ملفي وأمضيته بأن وضعت لأول مرة في حياتي بصمات يدي اليمنى في المكان المخصص لها، وبعد شهر أو أكثر بقليل أصبحت والحمد لله مواطناً رسمياً حاملاً لبطاقة وطنية مغربية... انتهت القصة.

إلا أن ثمة تساؤلات عديدة منها : من أين جاءت تسميتا الكوراط والرابول ؟ وهل استعمال أسلوب القمع والترهيب الصادر من بعض الموظفين المغاربة، والذي لا زالت آثاره قائمة للآن، كانت تمليه خطوات سياسية ومخزنية مبرمجة أم كان ذلك أمرا طبيعيا نابعا من ثقافة العباد في هذه البلاد ؟

 

 

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط  هنا

.........................................

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

 

فضاء الشعر والزجل والقصص

Compteur Global gratuit sans inscription