بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                          

 

محمد موح

                                 

صفحة الأخ محمد موح على الفيسبوك

 

القصة الأولى : محنة المحفظة مع سقاية مولاي الطيب

القصة الثانية : الكوراط والرابول

 

....................محنة المحفظة مع سقاية مولاي الطيب  ......................

.............. مستقاة من قصة حية..............

.....................القصة كاملة..........................

بقلم : محمد موح

 

طلب مني الأخ Najem Cherifi حفظه الله تطوير قصة طريفة حدثت لي- وأنا لا زلت طفلا صغيرا - مع سقاية البايلك المسماة آنذاك : " سقاية مولاي الطيب " السفلى، التي كانت مغروسة أمام مدخل المقبرة القديمة بحي سالم، مدينة أبركان (بركان).

جاء هذا الطلب بعد أن لمحت إلى القصة في إحدى تعليقاتي على منشور من منشورات الأخ الكريم.

وتلبية لطلبه، سأسرد القصة بالتفاصيل التي لا زالت أطيافها تتابعني إلى الآن وقد علا الشيب رأسي، محاولا قدر الإمكان أن أصيغها في قالب قصصي فني، أدخل عليه بعض المحسنات البلاغية والاقتباسات المأخوذة من القرآن الكريم والأمثال والحكم وغير ذلك من الصور الفنية التي قد تثير بعض التساؤلات المشروعة عند القراء.

أشكر الأخ عبد الحق مهداوي الذي تنبه في إحدى تعليقاته على هذه القصة إلى أحد العناصر الفنية المستعملة في الكتابة القصصية، وهو عنصر التشويق " الهيتشكوكي " كما سماه، وفعلا، لقد وضعته في حسباني قبل مباشرة كتابة القصة والتزمت به أثناءها... قراءة ممتعة :

 

........................ القصة .......................

صورة تذكارية لتلامذة مدرسة الإمام علي سنة  1970 - 1971

على اليمين المرحوم الأستاذ القدير عمرو الوشكرادي وعلى اليسار الأستاذ محمد السباعي

.... يوم المحنة الأولى :

1 - الحادثة :

حدثت المحنة بعد عودتي من مدرسة الإمام علي في يوم من أيام بداية السبعينيات، حيث وضعت محفظتي التي لم تكن تحتوي على سحَّاب ولا على زر إغلاق، على حائط الصهريج الأعلى لسقاية مولاي الطيب السفلى، التي كان ماؤها سائغا للشراب، ولرش القبور وسقي البهائم والدواب.

فبينما أنا اشرب من الصنبور، انزلقت كل محتويات المحفظة فسقطت في الصهريج الذي كان مليئا بالمياه، وما بقي فوق الحائط إلا المحفظة فارغة تشهد على عملية الغرق، تئن وتندب الغرقى وتبكيهم.

كان قعر الصهريج عميقا على قد نصف قامتي وأنا طفل في العاشرة من عمري، أو يتعداها ببعض الشهور.

- فماذا حصل بعد ذلك ؟

كنت لوحدي، فخلعت نَعْلي دون ملابسي ودخلت في الصهريج لإنقاذ الغرقى، لكن الدفاتر كانت قد شَرِقت فغمرها الماء، ونفذ إلى كل الصفحات، فامتص روحها، ثم هلكت، كل ما كان مكتوبا بمداد المحبرة تحلل وذاب وغاب.

كانت دفاتر ذلك الزمان من النوع الركيك، ورقها يمتص الحِبْر بسرعة، كالمِنْشَفَة التي إذا سال عليها سائل تمددت بقعه، وتوسعت على الورق مساحته، أما إذا سال عليها الماء أزال البقع كلها، فكيف لخطوط الريشة المحررة بحبر " الدواية " ألا تزول ؟!

2 - قصتي مع محتويات المحفظة : 

لما أخرجتها ووجدتها على الحالة المذكورة، لم أدخل إلى البيت في الوقت كعادتي، بل لملمت كل شيء على حاله وتوجهت إلى مكان معزول، بعيدا عن مَرْأى الجميع لأتثبت من حالة كل محتوى على حدة، كانت الكتب مبللة ولم يصبها أذى خطير، كان علي فقط أن أقوم بتجفيفها، لتعود المياه إلى مجاريها،

أما محتوى المقلمة وتلك الأدوات البلاستيكية، فلم أعِرْ إليه اهتماما كبيرا، لأنه كان منيعا لم يتأثر بفعل الماء كثيرا.

يبقى مشكل الدفاتر، التي لم يكن يجدي معها أي إصلاح أو ترميم أو تجفيف، كل الدروس والتمارين كان قد شربها الماء، ولم يبق منها إلا تلك الخطوط الخضراء والحمراء، التي كانت تسطِّر التواريخ والعناوين، وتلك الكلمات المكتوبة بأقلام ملونة جافة.

فلم يكن لدي إذ ذاك إلا اختياران أواجه بهما والدتي ومعلميَ كل في وقته، أما والدي حفظه الله، فكان في بلاد المهجر في آونته :

- إما الحقيقة المرة وأروي لهم قصتي، وإما اصطناع حادثة أعتق بها رقبتي، لكن كيف يمكن لتلميذ صغير استحوذ عليه الخوف وشدته الحِيرَة، أن تخطر على باله فكرة عجيبة، أو يبتدع أكذوبة تناسب حجم المصيبة.

مر بعض الوقت على تجفيف ثيابي وكتبي، تخللته لحظات هَجْس نفسيّ، مصحوب بعبرات بكاء خفي، ولما أشرفت الشمس على الغروب، هزني التفكير في والدتي وخفت أن تقلق أو تكترث من غيابي، فجمعت حوائجي وأنا في حالة حزن واكتئاب.

 

 3 - في البيت :

 دخلت البيت و تفاجأت والدتي، ولما تَنَفَّسَت الصَّعْداءَ لرؤيتي، اعتبرتُ ذلك علامة على سلامتي؛ نهرتني قليلا كما تنهر كل أم ابنها، لكن من أين أبدأ لأحكي قصتي لها؛ لم أتمالك نفسي أمامها، فخررت باكيا بين يديها، أترجى شفقتها ورأفتها، فالإبن لم يكن مذنبا كما تعلمون، لكن الأم عادة ما تظن بابنها الظنون.

- ماذا حصل ؟ همت قائلة، وهنا رويت لها القصة كاملة، فظنت بذلك أن العلم كله قد ضاع مني، فحاولت أن تسترجع ما تبقى منه بتسخين الكتب المبللة، على نار الفرن الخفيفة، وأنا من جهة على الفرن الآخر، كتابا.. كتابا إلى أن تأكدتْ من ظهور بصيص من الأمل فتوقفت عن التسخين، ثم أَخْرَجَت الكتب ونشرتها بطريقتها الخاصة على سطح المنزل، ولما أصبح اليوم الثاني تأكدتُ من خبرة الأمهات في " نشر الكتب " المبللة، فمن شدة اليبس قد تحولت إلى كأنها " كتب مجلدة ".

 

..... يوم المحنة الثانية :

 

1 - عطف وحنين : 

رباه !! لم أطق تحمل هذا الوزر الذي أرَّقَني ليلة بأكملها، فبت أفكر طيلتها في كيفية مواجهة المعلم بما سلف، وفي استعادة ما ضاع مني وما تلف.

أصبحت وأصبح الملك لله، أيقظتني والدتي (حفظها الله) بعدما أعدت الفطور، ووضعت بجانبه ما كنا قد سخناه بالأمس ثم يبسناه، وكأني منها كانت تحب أن أراه، حتى يخف عني الضَّنَى.. فما أضناه ! فنادتني بصوت رقيق، وقالت لي كلاما يبعث على الارتياح، وتنشرح له الصدور وترتاح، كلاما لا يعتبره إلا أولي الأبصار، أي بكل بساطة واختصار : إحك للمعلم كل ما صار، والتزم في ذلك الهدوء والوقار، فإن ما حصل قد حصل، وكل شيء في هذه الدنيا بأجل.

فنِعْمَ الأم التي تقف بجانب ابنها، وتخفف عنه سوء الحال بعطفها، ولا تدفعه عنها أبدا حتى ولو عاقها؛ ولِمَ لا نعمة الأم ! ورب العباد قال فيها : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، (و) لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها.

(اللهم بارك لأمهاتنا في عُمرهن، وألبسهن ببركتك ثوب العافية في روحهن وجسدهن، واغنهن من فضلك في ذهابهن وإيابهن، وأطل في عمرهن مع العافية في صحتهن ودينهن، واجعل آخر كلامهن من الدنيا : لا إله إلا الله محمد رسول الله). آمين.

 

نصيحة لكل من فقد أمه : أكثر لها الدعاء بالرحمة، واسأل الله أن يحشرك معها في الجنة.

أعود فأقول :

ثم توكلت على الله في تلك الصبيحة وتوجهت إلى المدرسة، فكان لا بد في طريقي أن أمر بالسقاية " الملعونة "، التي ذللتني وجعلتني أضحوكة، أضحوكة ما أدراكها أضحوكة، حتى صرت أنظر إليها كأنها إنسان حي، فالتقطت حجرا من الأرض ورجمتها، انتقاما لي ولمحتويات محفظتي من فعلتها.

 

عجبا ! ها قد تغيرت الظروف والأحوال، ومضت السنون وتبدلت الأجيال، فلم يبق لهذه السقاية وجود ولا أثر، لا أحد يحكي عنها، أو يروي لنا قصة حية تُذكر؛ يكاد الزمان يمحيها من ذاكرة الإنسان، ويُنْسيها له إلى أبد الدَّهَر.

كم صرت اليوم أشتاق لرؤيتها، وأحن إلى شربة ماء من صنبورها، أما إن مررت بمكان موقعها، أحسبني امرؤ القيس يحن إلى الديار بالوقوف على أطلالها.

فكل شيء من هذه السقاية قد ذهب، شأنها في ذلك شأن الصومعة التي نصفها ذهب(1)، فرغما عني وبحكم سني، لم يبق لي إلا التسليم بكلام واقعي، جاء على لسان تابع شافعي : اتْرُك التشوق للمفقود، وتمسك بما هو موجود(2)، فالموجود هو هذه الحكاية، والمفقود هو تلك السقاية.

لكن أخي الفاضل، لقد نسيت قصتك !؟

2 - عفوا !! في المدرسة :

 

ثم دخلت القسم وأنا أشعر بانقباض في المَعِد، وكل أعضاء جسمي من شدة الخوف تَرتعد، سألني المعلم عن سر هذا الانقباض الذي تَمَلَّكَني، ولم أستطع الرد لأن الخوف أبكمني، قصدني إلى مقعدي يهمهم بكلام لا يُفهم معناه، وكل الأنظار من حولي متوجهة إلى نفس الاتجاه. ثم أخذ يمسح بيده على رأسي بلطف كما يفعل الآباء لأبنائهم، ليهدأوا من رعب انفعالهم، وينبسطوا من جرَّاءِ خوفهم وانقباضهم، ثم قال مشيرا إلى تلاميذ القسم :

- إن لم يكن أحد من هؤلاء قد ضايقك، فلا شك أن أمك هي التي تكون قد صانتك ( 3 ).

فاستطار القسم ضحكا بسماع هذا الكلام، وهنا بدأت الأضحوكة التي كنت قد توقعتها، والتي سيندم عليها المعلم والجماعة كلها، ويحولها رحمه الله من بَعْد إلى أعجوبة خَلَّدتها.

3 - زفرة الفرج :

عمت القاعةَ ضَوْضَاءُ تخللتها بعض الإيماءات المعبرة، هذا يَهمِز وذاك يَلْمِز والآخر يَغمِز، فأثار هذا السلوك السيئ حافظة المعلم، وكلمة حق وصدق تقال فيه والله أعلم : كان طيب السريرة، ظاهره لم يكن يخالف ضميره.

لقد أنَّبَهُ قلبه عما تَلَفَّظَ به، وأراد أن يكفِّر عن ذنبه،

فصاح في وجه التلاميذ قائلا : هدوء .. هدوء تام !! وفجأة هدأ الضجيج كأنه ما قام، ثم عاد إلى مداراتي مرة أخرى، وهاجسني بكلام في أذني اليسرى : ما لك يا بني ؟! قل لي ماذا جرى لك ؟! هل حدث لك مكروه ؟! أنا هنا لأساعدك !

انهار الدمع من عينيَّ وكَفْكَفْتُه، وانشرح صدري لِمَا سمعته، تذكرت نصيحة أمي فصارحته، ثم أخرجت جثث الدفاتر ونشرتها أمامه، كانت بعض صفحاتها قد التصقت، أراد أن يفْرُق بينها فتقطعت، حاول مرة أخرى، ثم أخرى، وتَوَقَّفـ (ـا)، ثم غادر القاعة دون أن نعْلَمَ أين اختفى.

وبعد فترة قصيرة، عاد وخلفه معلم اللغة الفرنسية، وكعادتنا، عندما يدخل الضيف يقف القسم للتحية، اقترب مني الإثنان لتفحص الوضعية، ثم دارت بينهما مشاورة سرية، حُسِم الأمر بعدها وانتهت القضية.

نعم، انتهت القضية في الحال، إذ بقَدْر الرأي تُعتَبَر الرجال : لقد اتفق المعلمان رحمهما خالق الأرض والسماء، على تعيين بعض التلاميذ النجباء، ذوي الخط الواضح الجميل، الذين يتميزون بالسرعة في الكتابة، ثم أُمِرتُ بشراء دفاتر جديدة، ذات الثماني والأربعين صفحة، وجئت بذلك في اليوم الموالي، فقام المعلم بخلع الدبابيس أو المشابك، التي تمسكها من الوسط لتبقى الأوراق مزدوجة، كما قام بكتابة عناوين الدروس والتمارين في رأس كل صفحة، معتمدا في ذلك على دفاتر بعض التلامذة " العباقر "، المتفوقين في كل شيء حتى في العناية بالدفاتر، ووزع الأوراق على التلاميذ الذين اختارهم للمساعدة، ووضح لهم التعليمات والتوجيهات اللازمة، التي يجب اتباعها حتى تكون عملية النسخ مُحْكَمة، وطلب منهم أن يستعينوا بدفاترهم في إنجاز هذه المهمة.

ونفس العملية قام بها أستاذ الفرنسية مع تلاميذ آخرين، بعضهم كان من قسمي وبعضهم من القسم الآخر، وفي ظرف أقل من أسبوع، كان كل شيء قد تم وانتهى، ثم أعاد المعلم الأوراق مكانَها.

لم نكن متعودين على النطق بكلمة شكر بأفواهنا، لكن خَصْلَة الاحترام والتبجيل، والاعتراف بالجميل، كانت دائمة الحضور في قلوبنا؛ فلم نبخل أبدا على الكبار بقدرهم، ولم نبْخَس الصغار أشْياءهُمْ، فلَيْتَ شِعْرِي لو تعود ذكريات ذلك الزمان، ويُشارُ إليها اليوم بالبَنان، فيها ما فيها من العِبَر والدروس، التي قد يعجز عن وصفها اللسان.

تذكير : لم يكن لآلة التصوير في ذلك الوقت وجود، وإلا لخَفَّفت من حدة الأمر، ولَمَا بُذِلت كل هذه الجهود، لكن التكافل والتضامن بين الكبير والصغير، كانا حالة فطرية تنبع من أعماق قلب الكثير، فكلما وُجِدَ المرء في الضيق أعْزَلا، جاءه البُشْر بالعون مُهلِّلا، وهرع الكل لتقديم يد المساعدة؛ هذا ما حصل لي مع المعلم والزملاء في تلك الآونة.

 

 انتهت القصة.

أسْتودِعكُم الله.

محمد موح

------------------------

(1) - إشارة إلى صومعة حسان بالرباط، التي ذهب نصفها الأعلى وليس كونه من الذهب.

(2) - اقتباس لقولة أبي عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، في تعريف القناعة. انظر كتاب : مسلك الأتقياء ومنهج الأصفياء في شرح هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء/ عبد العزيز بن حفيد زين الدين المليباري، ص : 98.

(3) - صان الشيء إذا حافظ عليه، ويقال للإنسان إذا ارتكب ذنبا أو خطأ فعوقب عليه.

وحتى لا ننسى مدارسنا ومعلمينا

إليكم إخوتي الكرام هذه الباقة من الصور الجماعية لتلامذة مدرسة الإمام علي بداية فترة السبعينات

 

 

 

 

 

 

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط  هنا

.........................................

 هذا القصة نشرت على صفحت الفيسبوك للأخ محمد موح بتاريخ 14 مارس 2018 وهذه بعض الردود التي تفاعلت معها:

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 


......................... الكوراط والرابول.......................

بقلم : محمد موح

ذهبت يوماً إلى الجماعة القروية (البلدية حاليا) باكليم لطلب شهادة السكنى المحلية التي سأقدمها من بعد إلى قسم الشرطة بمدينة ابركان من اجل الحصول على شهادة سكنى ثانية (بوليسية). 
كنت في تلك الفترة أهيىء ملف طلب بطاقة التعريف الوطنية وكانت هي المرة الأولى التي ستطأ فيها قدمي إدارة مغربية لمهمة تخصني.

(تذكير : لكي تحصل على شهادة السكنى الأولى كان عليك في السبعينات أن تتوجه أولاً إلى مكتب شيخ الدوار (الكوراط) ليشهد كتابة على صحة إقامتك بعنوانك الرسمي، كان ذلك بداية المشوار وتليها زيارة قسم الشرطة بالمدينة للحصول على شهادة سكنى أخرى، ثم عملية الذهاب والإياب الشاقة بين مدينتك والمدينة التي توجد فيها العمالة، لتدفع ملفك من أجل الحصول على بطاقتك الوطنية).

ولما كان مسقط رأسي وعنواني آنذاك بقرية شراعة التابعة للجماعة القروية بأكليم، ذهبت إذا إلى مكتب الكوراط بهذه الجماعة التي تبعد عن مدينة أبركان بحوالي عشرين كيلومترا لمن لا يعرف المنطقة، لكن هذا الأخير كان غائبا فسألت عنه أحد " الموظفين " إلا أنني ندمت على ذلك في الأخير، إذ بعدما وجهت إليه السؤال نظر إلي بشرود نظرة احتقار واستكبار، ورد علي بترفع وغطرسة مشيراً إلي بسبابة يده اليسرى وهو يهز فيها قائلا : ها هو ف جيبي.. هاه..!! مجتسا في نفس الوقت بيده اليمنى على جيبه، ثم توقف قليلا وأضاف بصوت فخم : أسييير قلب اعليه اراسك.. آ بنادم !!، ومضيت في حالي تائها دون أن أسأل غيره.

وبينما أنا على هذه الحال، رق قلب أحد المواطنين لحالي فاقترب مني وكان يظهر عليه نوع من الانزعاج بسبب تصرف هذا الموظف، فقال لي : احرام اعليه.. ربي ايخلصو !
كادت دموعي تترقرق في عيني من شدة لطف هذا الشاب الذي أحس بألمي، فعانقني بأنس ليواسيني ويخفف عني وعكة القهر والاحتقار، وأخبرني أنه من عادة الكوراط مغادرة مكتبه والتوجه إلى السوق، نعم إلى السوق الذي لا زال موقعه على هامش الطريق الرئيسية، ليجلس في إحدى المقاهي يبيع ويشتري كل ما يقع بين يديه، أو يهتم بأشياء وأمور أخرى يحسم فيها في الخفاء.
شكرت المواطن على حسن تعامله وطيب أخلاقه، ثم توجهت إلى السوق.

ما كنت أعرف " الكوراط " من قبل وما سمعت باسمه ولم يسبق لي أبدا أن رأيت وجهه، الفضل يعود إلى هذا المواطن الرؤوف الذي أفادني ببعض المعلومات عنه ودلني على مكانه وزودني باسمه الذي هو : لمقدم حماد.

وصلت إلى السوق وسألت أحدهم عن لمقدم حماد، فأرانيه جالساً مع شخصين آخرين حول طاولة " براد اصفير " في المقهى المقابل للسوق من جهته الشرقية آنذاك. أقول " آنذاك " لأن كل شيء قد تغير الآن.

لم تكن هيئة لمقدم ولا هندامه يدلان على أنه شخصية إدارية؛ كان رجلا خشنا سمينا يناهز الستين، وله شارب غليظ يكاد يغطي شفته العليا بأكملها، وكان يرتدي جلبابا غليظا من الصوف البني، له صلعة ناصعة رأيتها مرة واحدة عندما خلع قلنسوته المغربية وحطها أمامه فوق الطاولة قبل أن يضعها من جديد على صلعته.

دنوت من المجلس بكل أدب واحترام، وتلوت على أهله السلام، ولما لم يرد علي أحدهم فهمت أنهم غارقون في حديث مهم استرقت منه بعض الأطراف خفية : كان يدور حول أمور مادية، مثله مثل الأحاديث المتداولة في سائر الاسواق المغربية، أمور لم تكن تهمني بحكم سني ومهنتي، إذ كنت إذ ذاك في الثامنة عشرة من عمري، تلميذا أو - إن شئت سميني - طالبا في السنة الأولى ثانوي. قلت : كان الحديث مهما لأنه كان يتعلق ب " مادة " لم أكن أتقنها، هي مادة تجارة البذور بيعها وشرائها في سوق الجملة.

بل لم ينتبه أحد منهم إلى وجودي على مقربتهم ولم يبد عليهم أي انشغال بما يجري أو يدور حولهم. تراجعت قليلاً إلى الوراء حتى لا أزعجهم أو أقاطع حديثهم، فجلست على حافة الرصيف غير قادر على فعل شيء سوى الانتظار أسائل نفسي وأهاجسها : سبحان الله، ما هذه اللامبالاة ؟ ولم كل هذا التقصير من طرف لمقدم حماد في أداء واجبه الإداري ؟ أيعقل أن يغادر مكتبه دون أي حرج أو خشية من القايد أو من غيره من الأكباش القرنة ؟

بعد بضع دقائق، اقتربت من المجلس بخطوات أترصد نهاية الحديث لأنقض على الكوراط، لكنه طال ثم طال قرابة ساعة كاملة دون أن يظهر أحدهم علامة او حركة تنبئ باقتراب نهاية الجلسة، كنت أتمنى أن ينهض أحدهم من مكانه فأكلمه على انفراد، عله يتدخل لي عند لمقدم حماد.

أخيراً، نهض لمقدم نفسه وتقدمت إليه مهرولاً
- السلام عليكم السي حماد.
فبدل أن يرد السلام، صاح في وجهي بصوت فض غليظ ومخيف
- واش ابغيت أنت عاود ؟ 
- الله أكبر.. قلت له : من فضلك السي حماد، قصدتك لأنني في حاجة إلى شهادة سكنى.
- سير اللجماعة القروية !
- ولكن أنت موجود هنا ماشي في الجماعة !
- شهادة السكنى اتعطى في الإدارة ماشي فالسوق اسمعت ولا !؟ أوماشي أنا اللي نعطيها كاع أسيدي يالله !
- ولكنك الآن في السوق لا في الإدارة !
- إذهب وانتظرني هناك، قلت ليك
- لقد انتظرتك هناك، ولما لم تأت أتيت بنفسي أبحث عنك في السوق، وها أنذا الآن وجدتك !
- أنت فيك لفهامات.. قلت لك : سير اللإدارة واستناني، واحد الشوية راني جاي !

ثم تركني لوحدي وذهب إلى مكان آخر كان به شاحنة كبيرة مليئة بأكياس من الشعير، وبدأ يتحدث مع الأشخاص الذين كانوا يعملون على تفريغها على متن ظهورهم.. قنطارا تلو قنطار.

وبينما أنا واقف في مكاني بجانب الطاولة، كلمني أحد الشخصين اللذين كان لمقدم حماد يحادثهما، والشخص كان يبدو من خلال كلامه أنه إنسان لطيف وطيب
- واشت ابغيت اللمقدم أ ولدي ؟ 
- أبغيت يعطيني شهادة السكنى.
- آاه اعرفت .. ابغيت إذاً " الرابول " ؟
- لا يا عمي، ابغيت شهادة السكنى.
- نعم.. نعم، فهمت.. ولكن، لا بد أن يعطيك لمقدم " الرابول " كخطوة أولى، وتدفعه إلى مكتب الشواهد الإدارية في الجماعة القروية مرفوقا بنسخة من عقد الازدياد، ثم تدفع ثمن التمبر (درهم واحد)، وبعد ذلك تحصل على شهادة السكنى التى تتكلم عنها.
- ماذا يعني الرابول من فضلك ؟ 
- الرابول هو عبارة عن ورقة (وثيقة) يكتب اعليها لمقدم بأنك فلان بن فلان زايد ف هاذ المكان ولا ذاك المكان او عندك فيه عنوان، أو تسكن بالعنوان الفولاني.
وهنا فهمت بأنه يتحدث عن تلك الشهادة التي أشرت إليها في العنوان والتي لم أكن اعرفها من قبل، وهي من اختصاص الكوراط فقط، إنها " الرابول ".
- طيب سيدي.. لكن ماذا يفعل لمقدم هنا إذا كان هو الذي يعطي الرابول في الجماعة القروية ؟ 
ورد قائلاً : هي هاذي المهمة اديال لمقدم، إلى ما صبتوش فالإدارة اعرف بلي راه يسرح من دار لدار، ايطالع على أحوال الدوار، ويسجل فراسو كل ما اتوصل ليه من أخبار، يعرف جميع الأسرار، ويفرق ما بين القار والمار، والضيف والجار، ويميز بين التقي والشقي والشفار.

وبينما نحن على هذه الحال، رجع الكوراط إلى الطاولة فأقنعه الرجل المحترم بأن يهتم بشأني، ثم ناداني فأتيت إليه مهرولا.
- عندك شي ورقة واستيلو؟ 
- انعام أسيدي.
أخرجت دفترا مدرسيا بمربعات كبيرة، قطعت منه ورقة وقدمتها له مع القلم.
سألني عمن أكون وأين أسكن وماذا أعمل... إلى غير ذلك من الأسئلة المخزنية الجاهزة، لكنه لم يدون حرفا واحدا من كل هذا، لماذا ؟
لأنه لم يكن يعرف الكتابة ولا القراءة ! فنادى على " كاتب " شخص من عامة الناس يعرفه، قام مقامه وحرر انعام أسيدي ذاك " الرالبول " Ras-le-bol. 
كان هذا الشخص متدربا ومعتادا على القيام بهذه المهمة فيما بدا لي، لأنه حرر الرابول بسرعة فائقة بعد أن طلب مني كتابة اسمي وعنواني ومعلومات أخرى على ورقة ثانية يستند إليها، ولما انتهى من التحرير قدم الرابول إلى لمقدم ليوقعه.

الله أكبر.. ! أخرج لمقدم حماد ختم الجماعة الرسمي (tampon) من قب جلابته فنفخ عليه بفيه، ثم طلى بيده على بقايا الشاي في الصينية وحط عليها الختم وضربه بعد ذلك على الرابول، وانتظر قليلا حتى جف الشاي من على الورقة، ثم أخذ القلم وشطب على الختم فكان هذا الشطب بمثابة توقيع.
كانت تلك هي طريقة لمقدم السي حماد في تحرير الرابولات وختمها وتوقيعها. بعد ذلك مد إلي الرابول بمهنية مصطنعة، مصحوبة بحركات وتعابير تدل على فخره بنفسه، وقال لي : هاك انعام أسيدي أدي هاذ الورقة للقروية أو غادي يعطيو ليك بها شهادة السكنى.

وهكذا حصلت بحمد لله على وثيقة إدارية في مقهى القرية، كتبها بقلمي مواطن عادي بالمجان على ورقة خلعتها من دفتري، وختمها ثم وقعها موظف رسمي لم يكن يتوفر على لوازمه الأساسية، كل ما كان لديه هو ختم مؤسسة إدارية مخبأ في قِبّ الجلابية يصحبه أينما حل وارحتل.

عدت بعد ذلك إلى الجماعة القروية لطلب شهادة السكنى المحلية، فحصلت عليها وانتهت القضية. ثم أقلت طاكسي اكبير عائدا إلى مدينة ابركان لطلب شهادة السكنى الذهبية من الكوميسيرية، ذلك المكان الذي كان الكل يخشى المرور بجانبه، فكيف بالأحرى الدخول إليه.. أما أنا فقد دخلته في ذلك اليوم وللمرة الأولى كالفاتح المنتصر.

وفي اليوم الموالي كانت الشهادة جاهزة، سحبتها وتوجهت بالملف كاملا إلى مدينة وجدة، إلى مكتب تابع للعمالة، متواجد على مسافة قريبة من ساحة المغرب قرب محطة الحافلات القديمة، وهناك دفعت ملفي وأمضيته بأن وضعت لأول مرة في حياتي بصمات يدي اليمنى في المكان المخصص لها، وبعد شهر أو أكثر بقليل أصبحت والحمد لله مواطناً رسمياً حاملاً لبطاقة وطنية مغربية... انتهت القصة.

إلا أن ثمة تساؤلات عديدة منها : من أين جاءت تسميتا الكوراط والرابول ؟ وهل استعمال أسلوب القمع والترهيب الصادر من بعض الموظفين المغاربة، والذي لا زالت آثاره قائمة للآن، كانت تمليه خطوات سياسية ومخزنية مبرمجة أم كان ذلك أمرا طبيعيا نابعا من ثقافة العباد في هذه البلاد ؟

 

 

 

فضاء الشعر والزجل والقصص

Compteur Global gratuit sans inscription