موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالكريم عبداللاوي

 

 

السي أحمد الحكواتي

 

بقلم ذ. عبدالكريم عبداللوي

 

 

 

هو رجل طويل القامة معقوف الظهر، يتخذ من عصاه متکأ يحمل کيسا يحرص عليه کثيرا ،لا يسلمه لأحد مهما کانت الأسباب، يمشي بخطوات طويلة متسارعة لا يقدر أحد علی مجاراته في المشي٠

نتذکر يوما رافقه إلی حينا أحد أصدقاٸه يسمی هو کذلک السي أحمد، قصير القامة يجد صعوبة کبيرة للحاق به٠فيبدو منظرهما غريبا واحد يمشي والآخر يجري٠

لم ندر کيف تسلل هذا الرجل الغريب إلی قلب حينا المحصن والذي لا يستطيع أحد الاقتراب من حدوده ، فقد کان اسم بشاح يخيف القاصي والداني وهو المعروف بدقة تصويبه للحجارة فيصيب هدفه سواء کان قريباً أو بعيدا ومن مختلف الزوايا٠

في بداية الأمر ، کان شباب الحي يتحلقون حوله ,أما نحن الصغار فكان الخوف يمنعنا من الاقتراب منهم، فنتساءل عن سر قهقهاتهم القوية واللامتناهية و التي تملأ أرجاء المکان، کانت تنتابنا الريبة من مظهره والتوجس من حرکاته ونظراته الثاقبة٠

لم يدم الوضع طويلا، فقد صار من بيننا أطفال شجعان يحاولون التقرب منه بين الفينة و الأخری٠

يفترش المسکين الأرض في مدخل الدرب،هذا المکان الذي يمر منه الجميع، لقد کنا نتحرک بکل حرية ونشاط نمارس ألعابنا بعفوية و طلاقة ،لکن عندما احتل هذا الغريب المکان جثم علی أنفاسنا وکدنا نختنق ٠ کنا نتنفس الصعداء عندما يقصد حي لبني جديد أحيانا ويحل معززا مکرما عند أسرة الشلالي المعروفة بالجود والکرم٠

وأخيرا اهتدينا إلی حل سينقذنا من هذا الکابوس الجاثم علی صدورنا( أقرب طريق إلی الإنسان هو بطنه) فقد کنا نتسلل إلی المطبخ و نسترق فواکه متنوعة وطماطم ونسلمها له وأجسادنا الصغيرةترتعد من شدة الخوف مقابل ابتسامة منه ،تفسح لنا المجال لنعود لسابق عهدنا ونملأ أزقة الحي الضيقة ضجيجا و صراخا٠

٠

مرت الشهور تلو الشهور فصرنا لا نبرح مجلسه ، خاصة أيام الجمع والآحاد، بل صرنا لا نفارقه، أينما حل وارتحل٠

السي أحمد الحکواتي عرف بذکاٸه الملفت، خصوصاً عندما يشتد به الجوع فقد کان أکولا نهما ، لا يعرف الشبع إلی بطنه طريقا٠ ينتظر شهر رمضان شهر الکرم والجود بفارغ الصبر ، فيتناول أطباقا شتی وزليفات متعددة من الحريرة الشهية خاصة إذا تزامنت مع موعد نشرة الأخبار المقدمة من طرف لطيفة القاضي والذي کان من المعجبين بصوتها الرنان، المنبعث من تلفاز عمي الحاج بولنوار بدرب الحاج علي من قبيلة بني ميمون (ناس الجود والکرم)٠

تری ماذا يحمل صاحبنا داخل الکيس ؟و الذي لا يفارقه قيد أنملة ويحرص عليه حرصا شديدا، وکثيرا ما يغضب إذا حاول أحد الشباب انتزاعه منه لاقتناص لحظات مزحة فقط، حينها ينکمش جسمه النحيف و يدخل رأسه بين کتفيه معلنا عن حالة صوم عن الحرکة والکلام، حينها يتضبب السي أحمد ، فندرک أنّ الحل هو توفير وجبة غذاٸية في الحين لتدبير الأمر٠ وأثناء تناوله للطعام يتعمد أحدنا مشارکته و قد يستشيط غضبا وهو المعروف عندنا برفضه القاطع بأن يشارکه أحد وجبته، إما أن تکون من نصيبه هو فقط أو يترکها متذمرا ٠

ذات يوم أصبحت الحرکة في حينا غير عادية ، منبهات سيارات وزغاريد نسوة لاتنقطع،إنه موعد حفل زفاف الشاب جمال المعروف بطيبة قلبه وتفانيه في عمله ، في مثل هذه المناسبات يشعر السي أحمد بسعادة لا توصف ،وکأنه هو العريس لما سيحظی به من أکل وشرب طيلةأيام الزفاف فيکرمه أهل الوليمة إکراما کبيرا٠

بعد تناوله هذه الوجبة الدسمة تحلقنا حول السي أحمد تحت ظلال الزبوجة ٠ و فجأة فتح کيسه الغامض ،الذي لم ير النور منذ زمن بعيد ، ولکم کانت دهشتنا کبيرة عندما أخرج منه بعض الکتب التي تتضمن قصصا وروايات تاريخية فبدأ يحکي لنا تفاصيل أحداثها بأسلوب سلس وطريقة مشوقة ونحن کلنا آذان صاغية، نتتبع تسلسلها مشدوهين بلسان السي أحمد الذي کنا نعتبره أميا حتی أتانا الخبر اليقين ٠

في المساء و عندما تقترب الشمس من المغيب،نستند إلی جدران مسبحنا الأولمبي في القبوز وهو عبارة عن کدية تطل علی أرجاء المدينة البرتقالية الفتية ،و يتطوع أحدنا بإعداد إبريق شاي شريطة أنّ يکون بالشهيبة إرضاء لرغبة السي أحمد الحکواتي،وبعد الإلحاح الشديد واستعمال طرق شتی يرضخ أخيرا لرغبتنا ويأخذ عصاه العجيبة فيبدأ عملية نفخ راٸعة وکأني بالعصا آلة موسيقية من طراز رفيع، فجأة يتوقف العزف ويشرع في أداء مواويل لکبار شيوخ المنطقة والتي غالبا ما تدور مواضيعها حول الغربة ومعاناتها أو بر الوالدين أو تعبيرا عن حالات اجتماعية تشد إليها الناظر والمستمع شدا٠

لقد استمر هذا الجو البهيج لسنين طويلة، وبدأت تتغير ملامح الزمان والمکان و ظهرت المجموعة الغناٸية العشران بقيادة الإخوة عمر و الفداوي والزنبي ورابح وبولعيون في حي سالم العتيق بحيث کانت الفرقة مکونة من شباب الحي الأفذاذ ، ذاع صيتها في کل مکان ،٠ أما نحن فقدت انشغلنا بالدراسة أکثر،واستخلفنا جيل جديدٌ لم يستطع صاحبنا التأقلم معه، مرت شهور وأحسسنا بفراغ کبير في حينا، لقد اختفی السي أحمد الحکواتي عن أنظارنا إلی يومنا ھذا ، لکن أبدا لن تنساه قلوبنا،سيعيش دوماً في ذاکرتنا ،فإن عاد يوماً سنقيم له عرسا بهيجا في نادينا

                                                                                                                                     عبداللوي عبدالكريم

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription