موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالكريم عبداللاوي

 

 

حين ينطق المعلم

 

بقلم ذ. عبدالكريم عبداللوي

كان عمي العيد رجلا أنيق الملبس، معروفا بتسريحة شعره الجذابة ، مكافحا و مثقفا ونشيطا. له أسرة صغيرة مكونة من زوجة و بنتان وثلاثة أولاد، يشتغل في المدينة  ، أما أسرته فظلت تستقر  في البادية٠ يقصد مقر عمله  في الصباح الباکر علی متن دراجته النارية غير آبه لا بقساوة الطقس من برودة شديدة وأمطار غزيرة ورياح قوية ولا بشدة حرارة الصيف القاٸظة٠ يمتطي دراجته  وهو يوصي أبناءه بالجد والاجتهاد و التزام الهدوء ومساعدة أمهم عند الحاجةٍ٠

عندما يصل  إلی محله الموجود في حي تجاري  ينبض بالحرکة منذ الساعات الأولی من الصباح، يرکن دراجته جانبا ويحکم إغلاقها وهو الحريص  علی  ضبط کل  أموره الصغيرة    منها  و الکبيرة ، فهو أثناء  حديثه يميل دوماً إلی تقديم النصاٸح والمواعظ وکأنه خلق لتأدية رسالةٍ سامية هدفها إسعاد الناس ولو بكلمة  وابتسامة خفيفة٠

رجع الطفل الصغير إلی منزله المتواضع المحاط بأنواع شتی من الأشجار المثمرة،  مرهقا من شدة التعب  والعياء، کان عليه أن  يقطع کل يوم مسافة طويلة للوصول إلی المدرسة .

 من عادة عمي العيد  أن يعود إلی منزله قبل غروب الشمس ، اللهم إذا أرغمه بعض زبناٸه علی إتمام عمله فيضطر إلی تلبية رغباتهم من شدة الحياء٠

يتجمع الصغار بجانب المنزل وهم ينتظرون أباهم، وسرعان ما يتسابقون لملاقاته، عندما يرون ذلک الضوء الخافت يقترب شيٸا فشيٸا  ، وصوت محرک الدراجة النارية يکسر هدوء وسکينة المکان٠يشعر الأطفال بفرحة لا توصف وهم يعانقون ويقبلون أباهم ، و يحملون الأکياس الصغيرة  ويدلفون إلی المنزل،  وعمي العيد يمشي بخطوات ثابتة  محبورا  سعيدا٠

اجتمعت الأسرة حول الماٸدة لتناول طعام العشاء، بدأ الجميع يأکل إلا محمد ،  ليس من عادته، فهو أکبر إخوته، داٸم البشاشة والمرح ، وقد تعتمد عليه الأسرة لقضاء مآرب کثيرة رغم صغر سنه لنباهته وذکاٸه٠ الأمر الذي أثار انتباه أبيه، فرغم شدة جوعه لم يستطع مواصلة الأكل ، و فجأة ، سأل ابنه قاٸلا بلهجة حزينة: ماذا حدث يا صغيري  لماذا لا تشارکنا الطعام؟ أيؤلمک شيء؟  أأنت مريض؟

في تلک اللحظة أجاب محمد أباه ، لقد  طلب  المعلم منک الحضور غدا  إلی المدرسة، شغلت تساؤلات کثيرة بال الأب الطيب لم يهتد بتاتا للإجابة عليها وهو يحاول أن يسترق سويعات من النوم ليريح جسمه النحيف  المرهق ويستعد لآخر أتعب منه٠

 لاح الصبح وأشرقت الشمس  وسطع ضياٶها، فرح محمد وهو يرکب الدراجة لأنه سوف لن يحس بالتعب والعياء هذه المرة ، فرغم برودة الطقس شعر بسعادة کبری وهو  يتمتع  بجمال الطبيعة وکأنه في نزهة ربيعية٠ توقف محرک الطفطافة ،معلنا انتهاء الرحلة الشيقة٠

استقبل السيد المعلم أبي استقبالا حارا وأنا مشدوه أتفرس وجوههما وأرهف السمع لالتقاط کل کلمة  ينبسان بها، انتهی اللقاء بينهما ، ودع أبي معلمي بحرارة لم أعهدها  فيه من قبل٠ جلست  في مکاني المعهود وشرع مدرسنا في شرح الدرس و هو  يطيل النظر إلي وکأن لسان حاله يريد أن يكلمني في موضوع ما.

عند نهاية حصة المساء  سلمني معلمي الغالي هدية مازلت أحتفظ بها  إلی يومنا هذا في مکتبتي وهو يردد  أعانك الله يابني٠

 لأول مرة أقطع  تلک المسافة الطويلة الفاصلة بين المدرسة

 والبيت بدون عناء، ناديت أمي من بعيد  والفرحة تغمر کياني، لأ دخل على قلبها ومضة سعادة  وسلمها هدية  معلمي الغالية ،إنها أول هدية في حياتي من قبل معلمي الذي أنار  دربي ، لکني تفاجأت لما رأيت  کل  الأثاث في غير موضعه ، سألت أمي : ما بال المنزل هکذا؟ ردت علي و عيناها تفيض دمعا: من أجلک يا ولدي سنغادر منزلنا هذا  لنقطن عند جدتک في المدينة، ينبغي أن تتابع تعليمک هناک، هذا ما أوصی به معلمک أباک هذا الصباح.

غادرنا منزلنا الجميل تحت جنح الظلام، وخيم حزن عميق  على نفوسنا، توقفت السيارة قرب منزل متواضع  في حي شعبي بدون إنارة ، طرق أبي بابا قصديري  وسرعان ما ظهر وجه جدتي، عانقت أمي بحرارة شديدة مرحبة   ،تحلقنا نحن الصغار حولها والفرحة تغمر  قلوبنا.

في اليوم الموالي التحق محمد بمدرسته الجديدة،انسجم  بسرعة مع أقرانه وواصل اجتهاده و نشاطه،وأصبح من التلاميذ المرموقين بفضل نباهته  وذاكرته القوية.

حصل محمد على شهادات عليا مكنته من تبوء مناصب عليا، وأصبح من كبار الكتاب والشعراء والباحثين.

ولم ينس يوما فضل ذلك المعلم الذي اكتشف نباهته  وشغفه  بالعلم.

 

                                                                                                                                     عبداللوي عبدالكريم

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription