موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالكريم عبداللاوي

 

 

من يوميات طفل قروي

بقلم ذ. عبدالكريم عبداللوي

 

كلما مررت  بذلك المكان الجميل أسمع  هدير محرك   استخراج المياه الجوفية، لكن هذه المرة لم يصل صداه إلى مسامعي ،أصبت بالحيرة، توقفت لأستفسر أحد الرعاة عن سبب ذلك. لقد جفت مياهه التي كانت تتدفق في السواقي ليل نهار منذ 1936م .قضيت في هذا المكان الرائع  أولى  سنوات عمري. مياه  دافئة عذبة تنساب رقراقة في كل مكان، خضرة وبساتين البرتقال من كل الأصناف وكروم تسيل لعابك  عناقيد ها الناضجة المتدلية بشتى  الألوان والأنواع فلا ضير أن  طلبت من الحارس برتقالة او  عنقود عنب ،لا يمانع في ذلك مادام المسيو فيترو المعروف بالكرم و الجود  يطعم الإنسان والطيور بسخاء، خاصة في المناسبات الكثيرة والمختلفة ،فهو الذي كان يسهر بنفسه على توزيع  عدة  قناطير من الحبوب على كل عامل بعد موسم الحصاد، وعربتين  مجرورتين محملتين  بالحطب بعد تشجيب مختلف الأشجار من أجل الطبخ والتدفئة في ليالي فصل الشتاء القارس.

في هذه البقعة من كوكب الأرض الجميلة الخلابة، تقضي ا أيامك في نزهة أبدية، لا يعكر صفوها  لا هدير محركات السيارات ولا تلوث هوائها بالأدخنة الداكنة المنبعثة من عوادمها. كنت أقضي جل أوقاتي بجانب الصهريج  الذي تتجمع فيه المياه الصاعدة توا من جوف الأرض.

 كان بمثابة مسبح صغير. تعلمت فنون الغطس والعوم في هذه  السن المبكرة إلى أن  حان  ذلك اليوم المشؤوم، قفزت كعادتي في الصهريج، ولما لمست رجلاي قاعه وإذا بقطعة زجاج تحدث جرحا غائرا في قدمي.

لم يهتم أحد بحالي، نتيجة انعدام الوعي الصحي، و انشغال أفراد الأسرة  بأعمالهم. ذات مساء ارتفعت درجة حرارة جسمي كثيرا وبت أتصبب  عرقا  لم   يغمض لأمي الحنون جفن من شدة آلامي وبكائي .

لم يتحمل أبي  شدة بكائي و صراخي. في الصباح الباكر قصدنا مستشفى المدينة، بعد عملية الفحص، تبين للطبيب ضرورة مكوثي في المستشفى قصد العلاج.

قضيت  ثمانية عشر يوما بالتمام والكمال هناك ، وأنا  ابن الثماني سنوات .عندما  يحل الظلام يزداد خوفي من شدة سواده في الخارج فيخيل إلي منظر أشجار الصنوبر الباسقة المحيطة بالمستشفى من جهة  حي لبني الجديد  وكأنني مفقود في غابة كثيفة  فالتصق بسريري والذي غالبا ما اسقط من أعلاه، لأنني تعودت  النوم  علي الحصير الخشن المصنوع من الحلفاء، ربما كنت  أزعج  جيراني المرضي لكنهم رغم ذلك كانوا يعطفون علي لصغر سني ويعيدونني إلى فراشي .  وكم   كان جسمي يرتعد من الخوف الشديد وأنا اسمع صوت العربة الصغيرة المدفوعة في البهو الطويل من طرف الممرضة عائشة بنت بستاني المستشفى ،فقد  كانت شابة أنيقة  لا تغادر محياها ابتسامتها المشرقة تبدأ في مداعبتي حتى لا أحس بألم الحقنة .

ربما كنت أصغر المرضى وحفيد الفقيرة مريم المدلل،كان الجميع يعاملونني برفق وعطف كبيرين.

زارني يوما أخي الأكبر الذي كان يتابع دراسته في الباكالوريا، فرحت كثيرا بإبريق شاي منعنع بالمانتي وعلبة حلوى  مربعة  الشكل لذيذة،وزعت البعض منها على الموجودين معي بنفس الغرفة. تصادفت زيارته لقاء احد زملائه  في الدراسة  الذي كان يخفف عنا معاناتنا المختلفة مع المرض والرتابة بسرده حكايات طويلة و شيقة  بطريقة جذابة تنسيك هموم المكان وبطء الزمان.

كنت ارتاح كثيرا وأنا  اجلس في الشرفة المطلة على الشارع المحاذي للمستشفى ،استأنس بمرور السيارات  والدراجات والمارة وهم ينعمون بالصحة والعافية. فغالبا  ما  يسعدني  ويؤلمني في الوقت نفسه مرح الأطفال وسعادتهم وهم يقضون بعض الساعات في التمتع بمقابلات في كرة القدم،كنت أشاركهم هذه اللحظات السعيدة پكل جوارحي.

مرت تلك الأيام  متثاقلة وكأنها الدهر، لم يكن في تلك الغرف طفل يؤنس وحشتي، ويشاركني وحدتي وآلامي،كلهم كبار في السن،  وقد تبلغ سعادتي مداها حينما يطلبون مني قضاء بعض إغراضهم، وخاصة عندما يريدون شيئا  ما من المطبخ،أسرع الخطى  عبر الدرج الضيق حتى أفاجأ طباخ المستشفى الرجل الطيب الذي يكون منهمكا في إعداد الوجبات،فهو قد لا ينزعج بتصرفاتي  هذه لأنني كنت مرارا أساعد عمال المطبخ في  حمل الصحون إلى المطبخ.

لقد أصبحت  وكأني واحد  من مجموعة المستشفى  الكل يعرفني ويمزح معي حتى الطبيب الفرنسي الوسيم  حينما يصادفني في البهو فيربت على  كتفي،تعرفت على  كل العاملين هناك  حتى البستاني كنت أرافقه وهو يشذب  بطريقة هندسية بديعة نبات الأزير ذا الرائحة  الزكية.

ذات صباح أشرقت الشمس،وقفت طويلا أتأمل أشجار الصنوبر التي كانت تخيفني ليلا وكأنها غابات لا متناهية، وتؤنسني نهارا عندما تحوم حولها العصافير وتحط على  أغصانها مغردة ،تكسر سكون  غرف المرضى.

لم انتبه حتى سمعت صوت صديقي الطبيب يناديني باسمي  والابتسامة تشرق من وجهه ، طرت فرحا وهو يقول مازحا في اليوم

 لن تكون على موعد مع الحقنة الصباحية،بل  ستنعم ببريق شمس الحرية،لكننا سنشتاق دوما لنزقك الطفولي الذي كان يملأ

 أرجاء  هذا المكان.

                                                                                                                                     عبداللوي عبدالكريم

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription