موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالكريم عبداللاوي

 

 

لفقيـــــــــــرة مريــــــــــــــم

 

بقلم ذ. عبدالكريم عبداللوي


إنها جدتي لأمي ،كانت تلقب بالفقيرة مريم من طرف الجميع صغارا وكبارا.
مازلت أتذكر ذلك المساء الذي جاءت لزيارتنا وأنا ابن الست سنوات. دخلت بستان البرتقال من خلال الترعة بين أشواك العوسج، الذي يوجد فيه منزلنا البسيط بجوار آخر لأحد جيراننا ،فالمكان ضيق ،طريق متربة وأشجار البرتقال المتنوعة . وكان في ملك المعمرفوترو الإبن الذي يملك سيارة
R16' يمر كل صباح في توقيته المعتاد ليراقب الأشغال ويقدم النصائح بأسلوب جميل ،يختمه بابتسامته الخفيفة ويغادر المكان إلى ضيعة أخرى. كم كانت فرحة أمي كبيرة عندما رأت جدتي، تعانقتا طويلا وتبادلتا المشاعر والأشواق وكلاما متقطعا .أما أنا وأخواتي فتحلقنا حولهما في مشهد رائع وبهيج. لقد جلبت معها من المدينة أشياء كثيرة في أكياس مختلفة وقطعا من الحلوى وزعتها علينا بالتساوي .أعجبتنا كثيرا، لكننا كنا نتهافت على نوع واحد هو جبح لمذاقها اللذيذ. لم ندر ما سر اهتمامها الكبير بأمي في ذلك الوقت وتقديم جميع المساعدات بين حين وآخر إلا عندما كبرنا وأدركنا بأن صحة أمنا كانت ضعيفة ،ومع كل هذا كانت تقاوم الظروف القاسية وحيدة.
انتظرنا عودة أبينا مع غروب الشمس، فهو دائما يجدنا في انتظاره. تسلمت منه دراجته القديمة وناول أختي الكبرى ما أحضره معه، فقد يكون كيس حلزون أو قنينة لبن أرسلتها خالتي توتة زوج عمي علال مسير تلك الضيعة أو علب سردين جلبها من دكان عمي العربي بجوار مسجد الخضران العريق. فرح أبي بقدوم جدتي. بعد تناول طعام العشاء. سهرنا لساعات أخرى في جو من الغبطة والمرح زادتها حكايات جدتنا ترقبا وتشويقا. في تلك الليلة نمت بجانب جدتي الحنون، قالت لي:" هل تذهب معي يا ابني إلى المدينة لتتعلم في المدرسة؟" أجبتها بكل براءة سأرافقك يا جدتي. كم كانت الفرحة بادية على محياها رغم ضوء الشمعة الخافت الذي لايكاد ينير الغرفة.
في الصباح الباكر انزعجت جدتي كثيرا وتغيرت ملامح وجهها عندما أبديت امتناعي عن مرافقتها. فصاحت بأعلى صوتها الذي أخاف أخواتي الصغيرات فاستيقظن فزعات من شدة صراخي وبكائي. عندها غضبت جدتي وقالت :ألست أنت يابني من وافق على التعلم في المدرسة؟ ماذا ستفعل هنا في هذا المكان؟ أين ستدرس؟ لا،لا، لن أتركك للضياع؟ أنت مازلت صغيرا لا تعرف مصلحتك ؟لن أتركك ترعى ماشية السي الحسن كحال أخيكح .انظر إلى حاله اليوم . لم يجد عملا يليق به! ولما يئست ،جذبتني بكل قواها واسرعت الخطى ،صرخت وبكيت وتوسلت أمي لكن لا جدوى من ذلك. التحقت بنا أختي الصغيرةت حاملة نعلي.
بعد انتظار طويل توقفت إحدى السيارات فدلفنا داخلها. كانت أول مرة أركب سيارة اندهشت وكدت أصرخ بأعلى صوتي عندما أسرعت السيارة وشعرت كأن أشجار التوت الضخمة الباسقة على جنبات الطريق تتحرك . بعد وقت وجيز وصلنا المدينة. أمسكتني جدتي بإحكام مررنا بأزقة طويلة وكثيرة حتى دخلنا منزل ابنة خالتي ف المستقرة حاليا في مدينة فاس. لم أرها من قبل لكنها كانت لطيفة وطيبة. بسرعة غادرتنا جدتي، تاركة وراءها طفلا منبهرا بهذا العالم الجديد. منزل جميل غرف وحمام . ما كان يؤنسني وجود شجرة مشمش وسط الفناء. لقد تم جني جميع ثمارها إلا واحدة توجد في غصن بعيد. بسرعة البرق صعدت بثقة وثبات و جنيت الثمرة وسط انبهار الجميع.
قضيت أول أيام وجودي بمدينة بركان في حي لبني الجديد، كنت أخاف مغادرة البيت لأن كل المنازل متشابهة بكاملها. خرجت صباحا اشتري قبضة نعناع من حانوت مجاور لكني تهت في الأزقة الضيقة. ولحسن حظي في تلك اللحظة مر عبدالفتاح بجانبي وتبعته وكان شيئا لم يقع كم كنت أخاف أثناء الليل عندما تنطفئ الأضواء ،فيغادر النعاس مقلتي، حينها يسرح خيالي وأتذكر أمي وهي تطعم دجاجاتها علها تسمن وتبيعها للدلال بأربعة  دراهم. وأحن إلى أبي عندما يعود مساء، فأتسلم منه دراجته العادية ،أركبها بصعوبة معتمدا على جذع شجرة بجانب المنزل .أمتطيها وأقوم بجولة قصيرة لكن غالبا ما تنتهي بسقوطي على حافة الطريق قد أتألم قليلا وأعيد الدراجة إلى مكانها المعتاد لأنها ستكون علي موعد مع أبي بعد صلاة الفجر.
أعيد شريط حياتي خلال السنوات الماضية وعيناي لايساورهما النوم كيف كنت أقضي جل أوقاتي باحثا عن أعشاش الطيور وفراخها أوبيض دجاجات تعودن علي وضعه بعيدا عن الخم. في الأيام الساخنة لا ابرح ذلك الصهريج الذي يتدفق ماءه في الساقية المتجهة إلى البساتين المجاورة.كما لا أنسى قدوم حفيدة جارتناع وأخيها من وجدة خلال العطلة المدرسية كانت تكبرنا بسنوات قليلة كنت وأخواتي ننتظرهما على أحر من الجمر،كانت بارعة في إعداد ما كانت تسميه خلطة وهي عبارة عن سلطة من الطماطم والفلفل والبصل وخضرا أخرى لا أتذكرها. يسرع كل واحد منا إلى مطبخه فيأخذ ما أراد و يتجه إلى ظل شجرة البرتقال للتمتع بهذه الأكلة في جو ربيعي معتدل.كنت اشتاق إلى علبة الحلوى اللذيذة التي كان يوزعها احد العمال الفرنسيين،لا استطيع وصف تلك الفرحة عندما نسمع منبه دراجته النارية فنتحلق حوله فيعطي كل واحد منا علبته ويتمتم بكلمات لم نكن نفقه معناها فينطلق إلى جميع المنازل في كل ضيعات المسيوو فوترو الابن. لم أكن اشعر متى أغمضت عيناي و دخلت في سبات عميق.
مر أسبوع بالكامل حتى حان يوم اصطحبتني فيه جدتي الي منزلها بحيس العتيق. دخلناه مع حلول الظلام،فالأمر مختلف هنا،لاماء ولا كهرباء. جلسنا قليلا ثم بدأت جدتي بإكرام ضيفها الصغير،أمسكت سكينا ،قطعت دلاحة فاحت منها رائحة مازالت عالقة بذاكرتي إلى يومنا هذا. سمعنا دقات على الباب الخشبي فأسرعت لفتحها، إنهم من أقارب جدتي. شاركونا أكل الدلاحة بعد إلحاحها،وهي المعروفة بالكرم والجودعند الصغيروالكبير حتى كلبنا ريكس و أخوهبلاك كانا ينتظران قدومها صباحا من المستشفى فبمجرد ظهورها في زقاق الحي حتى يسرعا لاستقبالها تضع بعض الطعام في آنية كل واحد منهما وهما يبصبصان بذنبيهما تعبيرا عن فرحهما بكرم جدتي
شرعت في التعرف على الحي ودروبه،منازل بسيطة وأزقة ضيقة،وحانوت عمي العربي الفقيه والذي كان يكرمنا بفويلات علي الرأس بإطراف أصابعه محدثة فرقعات خفيفة، كانت مداعبته لنا تسعدنا كثيرا. في البداية كنت أخاف من المقبرة الكبيرة المحاذية للحي. لكن سرعان ما استأنست مع الوضع الجديد ساعدني في ذلك كثرة أقراني وإعجابي الشديد ببع ألعابهم المسلية ككرة القدم والكلل لقد أنستني رتابة البادية.

كانت جدتي وفية لمبادئها و تحقيق أهدافها كيف لا وهي التي عاشت حياة الفقر والفاقة انتقلت مع أسرتها الصغيرة إلى منطقة عين تاوجطات قرب مكناس واستقرت هناك مدة من الزمان وعادت عائلتها إلى مدشرهم بنواحي زايو. ثم هاجرت إلى بلاد الجزائر رفقة ابنها البكر وصغارها بحثا عن العمل في ضيعات المعمرين الفرنسيين.عاشت مرحلة مهمة من الاستقرار و الارتياح. لكن ظروفا طارئة عجلت بعودتها إلي أرضها الأم وبعد مدة يسيرة شاءت الأقدار أن تتعرض إحدى حفيداتها لحادثة،فأسرعت بها إلى مستشفى الدراق بمدينة بركان. تم الاعتناء بالصغيرة اعتناء كبيرا استعادت صحتها وعافيتها. ولحسن حظ جدتي،التقت بإحدى جاراتها التي اقترحت عليها الاشتغال رفقتها بالمستشفى رفضت في البداية لان طبعها لا يسمح لها بالعمل بجانب الرجال. لكن المرأة ألحت عليها وأقنعتها في الأخير.
ذات صباح ،همست في أذني قائلة:"ستذهب إلى المسيد لتحفظ سورا من القران الكريم ، كما وعدتك لتلتحق بالمدرسة بعد عطلة الصيف ، في هذه المرة شعرت بفرحة كبيرة. وقفت جدتي الوقورة بباب لمسيد،رحب بها الفقيه بنهلال رحمه الله. جئتك اليوم بضيف جديد ليتعلم ويحفظ بعضا من سور كتاب الله. أمرني بالجلوس. أكرمته جدتي وهي توصيه بالجد والحزم. كان إقبالي قويا على الحفظ ثم الكتابة. لكن بدا لي إن صنفين من التلاميذ الأول يهتم بالتعلم والانضباط والآخر يأتي من اجل اللعب والتشويش فينزعج الفقيه منه فينهض غاضبا من مكانه ممسكا عصاه الطويلة،هنا تبدأ عملية النقر على الأنامل الصغيرة فتسقط الألواح فتصل الضربات إلى رؤوسهم فتحدث كدمات ويشرعون في الصراخ الذي ينتشر في أرجاء الحي.
في مساء يوم الثلاثاء يأخذ الجميع لوحته إلى منزله لغسلها وطليها بالصلصال استعدادا لكتابة آيات جديدة ب لقلم والسمق ،يوصينا الفقيه بجلب البركة صبيحة يوم الأربعاء ويلح على ذلك لمساعدته لتوفير بعض حاجياته. يعود الأطفال إلى منازلهم وهمهم الكبير هو لربعية في الصباح يعطونها للفقيه أما الآخرون فتكون الفلقة من نصيبهم والبعض منهم يفضل ألم الضرب و قد يخفي عشرين فرنكا لشراء بولو أوالشامية أوحلويتات الوليدات من طرف الباعة الذين يتجولون في أرجاء الحي ويغرون الصغار بسلعهم البراقة الألوان واللذيذة المذاق .
كنا ننتظر كثيرا قدوم أي زائر غريب ليكرم فقيهنا ويكون سببا في تحريرنا وخاصة في أيام الصيف الحارقة فيتعالى صراخ الأطفال وصياحهم،فينتشرون في أزقة الحي الضيقة .متجهين إلى الساحات الفارغة لممارسة ألعابهم المحبوبة.
مر الصيف سريعا،اشترت لي جدتي ملابس جديدة وحذاء بنيا. أخبرتني إنها ستسجلني في اقرب مدرسة لحينا،قصدنا صباحا مدرسة الإمام علي الجديدة فتم تسجيلي . فكان أول يوم مميز في حياتي،عالم جديد يحتضنني وأصدقاء كثيرون في مثل سني يتعلمون معي في حجرة أنيقة منظمة ونلعب ونمرح في ساحة المدرسة. أية سعادة هذه التي تغمر قلبي . استقبلنا معلم شاب وسيم ذو شعر طويل. ففي بداية شهر أكتوبر من سنة 1970م كانت بداية حياة جديدة ،مختلفة عما مضى لامجال للفوضى هنا نتعلم ،ندرس، نجتهد أحسسنا بالمسؤولية منذ الصغر. فلا بد من الجد للظفر بورقة النجاح لتشاركني جدتي فرحتي الكبرىليس بنجاحي فقط بل بتحقيق علامة متميزة تكون مصدر فخري أمام زملائي وجيراني كيف لا وقد غرست جدتي الأمية رحمها الله في ذاكرتي عبارتها المألوفة. قرا ما عايش غي اللي قاري لكونها عايشت أطباء و ممرضين وفئات عريضة من المرضى والزوار المثقفين والتي صارت بمثابة الأم لهم جميعا.
عليك رحمات من الله يا جدتي يا من انتشلتني من الجهل ووفرت لي المأكل والمشرب واللباس والكتاب لمدة عشرين سنة.

                                                                                                                                     عبداللوي عبدالكريم

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription