موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالكريم عبداللاوي

 

 

حركة دائبة في حينا

 

بقلم ذ. عبدالكريم عبداللوي

لم نکن نحس بالقنوط والملل إطلاقاً، ولا تعرف الرتابة إلی نفوسنا طريقا،فقد کنا نستيقظ باکرا و نتمتع  بکل اللحظات  ونسترق أخری تحت  جنح الظلام الدامس في ألعاب  مختلفة، کانت کثيرة ترتبط أغلبها بالمواسم والمناسبات لکننا کنا نفضل لعبة ﴿الراوليکا﴾بحيث تکون المنافسة علی أشدها لهذا تتعالی الأصوات منذ البداية بأن تکون القسمة متعادلة  ومستوی الفريقين  متقاربا ،  تستمر اللعبة لساعات  وهم کل واحد منا  إما إنقاذ أصدقاٸه من السجن   أو يلقی عليه القبض هو کذلک، وقد لاتنتهي أطوارها إلا عندما يتدخل الکبار بمناداتنا بالدخول إلی المنازل٠  وتبقی الأمور علی حالها إلی اليوم الموالي ٠

بعفوية بريٸة، تنتقل التجارب والخبرات من شخص لآخر، فالاعتماد علی النفس ومحاولة إثبات الذات کانت سيمة هذا الجيل ، عشقه للتحدي يفوق کل وصف، يحارب الخوف بنفسية البطل الصغير، تراه يبحث عن أجزاء لا قيمة لها، لکنه بذکاٸه وإصراره المستمر، يحولها إلی لعبة مسلية تجعل منه بطل المرحلة ومحطة إعجاب الآخرين٠

في حينا العتيق هذا، تتزاحم الأحداث، لانشعر برتابة الحياة بتاتا، مع اقتراب عيد المولد النبوي الشريف ،يزف لنا الصديق بوبول العاشق لکرة القدم حتی النخاع ،خبر قدوم فرقة عيساوة الجبلية التابعة للشيخ الکامل بمکناس إلی مدينة برکان٠

کانت أسعد أوقات حياتنا، فدقات الطبول و نغمات المزامير تستهوينا کثيرا فتجعلنا نرافقهم إلی أحياء  عديدة من المدينة  وأرجاٸھا، وقد نضطر أحياناً إلی حمل أکياس الدقيق وکأننا أفرادا من المجموعة٠

کان السيد حيدا رجلا أنيقا في ملبسه ويزيده  شکل  العمامة علی رأسه بهاء، وهو يميل يمنة  ويسرةمع نغمات مزماره الراٸعة،  خاصة عندما نصل إلی دواوير بني مهدي ذات الطبيعة الخلابة، مما يجعل الطيور تنزعج وتطير مذعورة لقدوم هذا الزاٸر الغريب الذي احتل المکان و تسبب في إيقاف عذوبة سمفونية الزمان والمکان٠

مع مرور الزمان،اکتسبت هذه الفرقة شهرة واسعة ومريدين من مختلف الأحياء ، قد يرافقونهم إلی مدينة مکناس للحضور في الموسم السنوي بمناسبةعيد المولد النبوي الشريف٠

في حينا کانت المجموعة تحيي ليالي صاخبة فقد نضطر لدفع عشرين فرنکا للسماح لنا بالدخول لمشاهدة هذا العرض العجيب  ، فأصوات الطبول   والمزامير تسمع من بعيد ، وتجعل البعض من الرجال والنساء يدخلون  في نوبات من الحرکة السريعة والمتواصلة  ويصدرون أصواتا غريبة ويزداد  قرع الطبول مما يجعلهم يتساقطون تباعا، فاقدين لوعيهم٠صور وأنغام مازالت عالقة بذاکرتنا إلی اليوم رغم مرور عقود من الزمن٠

...........................

جمعت هٶلاء الرجال والنسوة ظروف شتى،تركوا كل شيء خلفهم ولم يحملوا معهم حاجات ذات قيمة تذكر.

همهم الوحيد بيت يأويهم وعمل يضمن رزقهم وقوت يومهم. فقد کانت مدينة بركان  في طور النشأة

فلا ترى الا بعض المنازل المبنية بلبنات التراب محاطة بالصبار،متناثرة هنا وهناك ببويقشار و لگرابا العليا.

 نزحت  عدة عاٸلات  من  اهالي بني ميمون لتستقر بدرب الحاج علي، تلتها أسر من ضواحي زايو  وأولاد شعايب وبني بويحيي فاستقرت بجانبها ، بعدما کانت في البداية تقطن بحي بويقشار، اشترت بقعا ارضية   من المرحوم اليماني ، سرعان ما بنت  بيوتات بسيطة، استقروا فيها ونقلوا طريقة عيشهم إلی هناک بحيث حافظوا علي نسيجهم الاجتماعي لمواجهة ظروف الحياة القاهرة.

مع شروق الشمس نستيقط غالبا على أصوات بعض الباعة المداومين علی الحي،فهذا باٸع الاسفنج الساخن تسمع صوته الجهور  ينفذ  عبر النوافذ الصغيرة  المزينة بنبتة الحبق العطرة  إلی آذاننا ،فقد يتوقف برهة إذا لم تشتر بضاعته ،  مما يدفعه  إلی رفع صوته اكثر  فأكثر ،وقد يتزامن مع  باٸع النعناع المانتي الذي يفضله الجميع لراٸحته الزكية ومذاقه المنعش غالبا ما تغضب الأم اذا ما خالفت طلبها واشتريت نوعا آخر.

يفتح عمي السي العربي  دكانه  وهو الفقيه الوقور البشوش   ،يحظى بتقدير واحترام الكبار رجالا ونساءكيف لا وهو الذي يحفظ کتاب الله و يمتاز بقراءته الشيقة وقد حباه الله بصوت جهور و لسان فصيح.

يضع كل شيء في مكانه المعتاد، فيتسابق الاطفال لشراء قطع الخبز الكبيرة البولنجي  بثمانين فرنكا والحليب المركز نستلي وأملهم ان يحظوا  ببعض القطع النقديةخمس او عشر فرنكات كتدويرة صباحية لقضاء  مآرب أخرى.

كم كنا نشتاق لتلك الجلسة الصباحية ،الجميع يتحلقون حول ماٸدة واحدة،جالسين علی أفرشة بسيطة.نتناول فطور الصباح،وقد تزيد فرحتنا إذا كان بيننا ضيوف کرماء ،غالبا ما نلتصق بهم  ولا نفارقهم حتى يكرموننا ببعض الفرنكات، فلم تكن تهديدات  والدينا تفسد فرحتنا هذه.

  تبدأ الحركة تدب في هذا الحي البسيط ذي الدروب الضيقة،فالكل يقوم بواجبه  ويٶدي مهمته، نحمل نحن الصغار الخبز النيء الى فرن الصفارة في لبني الجديد، قد نرتعد من الخوف بسبب تأخرنا ، خاصة إذا كان العجين شعيرا فهو يتطلب حرارة عالية،فيبدأ السي محمد في الصراخ والعتاب مرددا :في المرة القادمة اذا كررتها، والله  لن اقبلها اطلاقا،لكننا كنا نحبه كثيرا،كان انسانا طيبا بشوشا ،متقنا لصنعته ، له زبناء كثيرون وخاصة في الايام الاخيرة من شهر رمضان لحرص الناس علی استقبال الضيوف بأطباق الحلوی المتنوعة بمناسبة عيد الفطر،مما يضطره للسهر حتى اقتراب موعد السحورلتلبية رغبات الساکنة من الأحياءالمجاورة٠

مع اقتراب الساعة العاشرة،تزدهر كل انواع التجارة في دروب الاحياء لقلة الحوانيت، فينشط الباعة المتجولون،فلكل واحد زبناٶه الداٸمون، فجل النساء لا يغادرن منازلهن الا لماما، فتجدهن  يتركن أشغالهن بمجرد سماع صوت عمي محي الدين البزاز، الذي يتقن فن تجارة مختلف أنواع القماش،يوقف دراجته الهواٸيةة ويفتح صندوقه العجيب فتخطف كل واحدة قطعة او أكثر فبعد فحصها والتدقيق في ألوانها  تبدأ عملية المساومة، فغالبا ما يحصل التراضي حينها يسجل العم اسم الزبونة وثمن القطعة عله يحظى باستلام ثمنها في الزيارة القادمة.

اما الاطفال فينتظرون باٸع الشامية  عند مدخل المدينة،فبمجرد نزوله من الحافلة القادمة من وجدة، حتى يتحلقون حوله، فيلبي كل الطلبات والاذواق بابتسامته المعهودة وصبره الجميل.

يتبع

 

 

                                                                                                                                     عبداللوي عبدالكريم

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription