موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالكريم عبداللاوي

 

 

من رحم المعاناة

بقلم ذ. عبدالكريم عبداللوي

 

كانت الظروف الاجتماعية القاسية تطبع حياة جل الأسر في حينا العتيق، بيوت ضيقة ، وكثرة الأبناء والبنات إضافة إلى متطلبات الحياة الضرورية.

وعلى الرغم من بساطتها إلا أن المعيل الوحيد للأسرة مهما فعل لن يستطيع توفير كل ما يلزم ، ولو اشتغل طيلة اليوم، فقد يعمل ا لآباء طوال أيام الشهر ،لكن مدخولهم لن يكفي لسد مصاريف البيت. اغتنم مصطفى فرصة وجود أبيه في المنزل بعد عودته متعبا من السوق ،جلس بجانب أمه راجيا من أبيه أن يشتري له سروالا جديدا، انتفض الأب من مكانه وكاد يقلب مائدة الغذاء، أزبد وأربد والولد يحتمي بجسد أمه المنهك من التعب والفاقة، لا سكن لائق يسترها ولا معيشة طيبة تحفظ لها ماء وجهها الذي تبخر مع أعوام كلها معاناة ،مواعظ سمعتها من المرحومة أمها التي خبرت أحوال الحياة وأهوالها . في لمح البصر وجد مصطفى نفسه منعزلا في مكان بعيد عن الأعين،سالت عبرات ساخنة على وجنتيه الحمراوين، اقترب منه جارهم عبدالله، حاول أن يخفي وجهه،لكن الرجل الطيب ربت على كتفيه متسائلا عن سبب هذا البكاء وفي هذا المكان ،أجابه الولد بصدق وهو الذي لا يعرف للكذب طريقا، فقد تأثر بحديث معلمه في درس الصدق وما زال يتذكر القصة التي تتحدث عن عاقبة الكذب.

سأدلك يا ولدي على عمل يتطلب صبرا وعزيمة،فإن فعلت ستوفر نقودا تشتري بها كل ما يلزمك من ملابس وكتب وغيرها.

عاد إلى منزله و فاتح أمه المسكينة في موضوع الاشتغال بفيرمة النوار بضواحي المدينة،أطبقت رأسها وفكرت مليا، وأخيرا نطقت بكلمات يطغى عليها تخوفها على فلذة كبدها، كيف لهذا الطفل الصغير أن يغادر البيت على الساعة الثانية صباحا تحت جنح الظلام ولا يعود إلا بعد صلاة العصر ،يقضي جل أوقاته في ظلام دامس وتحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف.

فتشت في صندوق كبير في زاوية الفناء تضع فيه بعض الأشياء التي لا تحتاجها إلا نادرا.

فرحت كثيرا لما وجدت قفة متوسطة الحجم ستصلحها ليستعملها صغيرها في قطف أزهار الياسمين.

حاولت الأم المسكينة أن تنام بعض السويعات ،لكن لم يغمض لها جفن مخافة إلا توقظ صغيرها على الساعة الثانية صباحا،

اقترب موعد انطلاق عربة نقل العمال ، أعطته القفة وبداخلها علبة گيگوز مملوءة بالشاي وقطعة خبز وبيضتان فتحت باب المنزل القصديري المتهالك وأوصت احمد ابن جيرانها وكأنها تودعه أمانة غالية. كان يكبر ابنها بحوالي عامين لكنه كان لطيفا ونشيطا.

توقف الجرار وتسارعوا إلى ركوب العربة، صعد احمد بسرعة البرق مد يده الغضة ليساعد هذا الطفل التائه و سط ظلمة دامسة ودهشة مرعبة.

انطلقت العربة وهي تميل يمنة ويسرة وأجساد الصغار متزاحمة متلاطمة . لم يتمتع الصغير بنسمات الفجر المنعشة لأن المسافة طويلة فالآلام المتكررة التي تحدثها العربة إثر سقوط عجلاتها في الحفر الكثيرة.نغصت عليه متعة هذه الجولة التي لم ير لها مثيلا ، عندها تتعالى الأصوات لتنبيه السائق بسقوط احد الأطفال أو أكثر نتيجة الزحام الشديد وعدم توفر أدنى حد لشروط السلامة.

بمجرد توقف العربة يوزع الكابران والذي ذاعت غلظته وجبروته كل أنحاء المدينة. فقد أصبح حديث البيوت والأزقة والأسواق لقساوته الشديدة على أطفال فطموا سريعا علي الفاقة والعوز. همهم الوحيد هو الحصول على لباس يقيهم قر الشتاء وحر الصيف مع توفير بعض الدريهمات لشراء اللوازم المدرسية، شعور لا محالة سيكون حافزا قويا للاجتهاد والمثابرة لتحقيق غد أفضل بدل قضاء حياة ستذبل يوما كما يحدث لبتلات أزهار الياسمين والتي لم تعد أنوفهم تشعر بعبقها.كما تزهو بها الشقراوات في شوارع باريس وساحاتها. ولو علمت تلك النسوة أنها ممزوجة بعرق أطفال يتامى وآخرون نخر الفقر أجسادهم البضة لما وضعتها على فساتينها الراقية.

كان اليوم الأول بالنسبة لمصطفى بمثابة تجربة قاسية، فلم يتمكن جسمه النحيف تحمل هذه المشاق، تعب وجوع وعطش وخوف شديد من الثعابين والحشرات الكثيرة التي تجذها أضواء المصابيح الخافتة ومياه السواقي المتدفقة بين شجيرات الياسمين،ورائحة الأزهار والتي لم تعد عطرة الآن. بالنسبة لهؤلاء الأطفال فشدة التعب أفقدتهم حاسة الشم.

رغم شدة المعاناة، تحملها الصغير بكل قواه و هو الذي كان لا يفارق جده،ولا يغفو له جفن إلا بعد أن يسرد حكاية بأسلوبه السلس ونبرة صوته الخفيفة وبراعة طريقته في الحكي تزيد الإحداث تشويقا ولهفة. رسمت معالم حياة جميلة في أعين الطفل تعتمد على الجد والإخلاص في العمل.

انتظر بداية موسم دراسي جديد. لكن هذه المرة سيكون مختلفا عن سابقيه، فقد بادر بشراء كتبه ولوازم الدراسة بنفسه بعرق جبينه، وقام بتغليفها بمساعدة أمه وهي لا تكف عن الدعاء له بالصلاح والفلاح.

كان يجيد قراءة النصوص بطريقة سلسة وعذبة، يندهش لها الجميع الذين يتساءلون دوما عن هذا التحول المفاجئ في مسار مصطفى الدراسي، ويبحثون عن ذلك السر الخفي وراء ذلك ، هو وحده من يعرف الإجابة عنه لكنه يبقيه لغزا كمصباح علاء الدين.مرت السنون والنجاح ديدنه، وتسلق مراتب التفوق بكل عزم وثبات سلاحه دعوات أم صادقة وكدح أبيه وصبره العظيم لتوفير لقمة عيش صعبة رغم المرض والهزال.

عند حصوله على شواهد عليا،تقلد منصبا ساميا وتغيرت حالته المادية وأصبح له شأن كبير.وبمجرد حصوله على إجازته السنوية يعود إلى بلدته التي يعشقها كثيرا لقضاء عطلته مع عائلته ، يصاحب أسرته إلى منتجع رأس الماء،بلدة وديعة تطل على شاطئ جميل ،يمتاز بمكان عال لهواة القفز والغطس وملاذ آمن لهواة الصيد الفارين من لفح حرارة الصيف وضغوطات الحياة، يلتقون فوق تلك الصخرة الكبيرة ROCHERيتبادلون أسرارهم ويحكون مشاكلهم وكأنهم في عيادة نفسية. قد يتفرقون بعد حين لكن شريط الذكريات يأخذ مكانا ما بذاكرتهم ويخزنه إلى الأبد.

رغم توفر عدة طرق تؤدي إلى هذا المكان الأخاذ، يجد السيد مصطفى نفسه وكأن قوة خفية تجذبه إلى هذا المكان ليمر بجانب ضيعة الياسمين ، فلا يجد لأشجارها أثرا سوى تلك البنايات الشاهدة على تاريخ حافل بالمعاناة، لاحظ طفله الصغير دمعة عالقة بجفن عين أبيه، فاجأه لماذا تبكي يا أبتي?، لم يستطع الرد، حتى انهمرت دموع سخية على خديه،حينها أوقف سيارته وبدأ يسرد ذكريات هذا المكان الأليمة.

ابتسم الأب و ربت على كتف ابنه وقال: لولا هذا المكان وبؤس الزمان لما حققت أحلامي، فبفضل معاناة تلك الليالي البئيسة الصامتة التي قضيتها بين أزهار الياسمين التي لم تفح في صبايا عطرا زكيا،حققت آمالي.

                                                                                                                                     عبداللوي عبدالكريم

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription