موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

 

17

الرحلة الأخيرة

 

قصص من الواقع..............الرحلة الأخيرة... 9 أكتوبر 2016

في حي من أقدم أحياء مدينة بركان ،نشأ قويدر النگادي ، في حضن أسرة تقليدية، من أب معوز لا يكاد يوفر قوت يومه ، ومع ذلك لَفَّتْهُ أسرته بخيوط الحنان الحريرية، رغم شظف العيش وقلة الحيلة. لم يكن يرضى بإكراميات غيره ،إذ كان وهو الطالب الجامعي الجسور ،يعمل في عدة أعمال شاقة، ليوفر مصروفه اليومي ،بل تعداه إلى توفير حاجياته الجامعية ،من كتب ومطبوعات وكراء وتنقل .كانت أسرته تفتخر به ،وتقدره لرجولته و خفة دمه و يسر تواصله مع غيره ، مما جعل كل من في المنزل يتقرب إليه دوما للإستمتاع بنكته وألغازه ،فحتى أصدقاؤه كانوا يعزونه ويلتجئون إليه وقت الحاجة ،ليعد لهم رحلات ترفيهية أو رياضية، فصفته الجمعوية وتفتحه على جميع الناس، فتحت له آفاقا واسعة للاندماج  في المجتمع بشكل إيجابي.

كان اليوم يوم أحد ،اتفق الشاب قويدر مع ثلة من أصدقائه الذهاب إلى منطقة جبلية ،لاكتشاف مناظرها الخلابة والتمتع بسحر جمالها الأخاذ. أعد العدة لذلك، حمل معه الزاد والعتاد وطلب من أخيه محمد أن يوصله إلى المحطة في سيارته، ليستقل بعد ذلك سيارة أجرة مع أصدقائه للذهاب إلى زگزل، لكن أخاه محمد اعتذر ،فغادر قويدر المنزل متثاقلا يجر أذيال الخيبة ،لكن كله إصرار لقضاء وقت ممتع رفقة أصدقائه، والتخفيف من أعباء المقررات الجامعية السخيفة.

لما وصل الشاب قويدر إلى منطقة زگزل الجبلية، رفقة أصدقائه ، أضرموا النار في الحطب ، وحضروا سفافيد الشواء ،وشرعوا في شوي اللحم الطازج ، والدخان يتطاير في السماء، مشكلا دوائر ضبابية ،كل من يراها من بعيد يحس بجمالية الصورة . لم يكن الشاب قويدر أكثر نشاطا وحيوية من ذي قبل ، صوته كانت تردده الجبال ، الكل كان يصغي إليه ويستمع إلى كلماته الواثقة من نفسها ، حتى غار الحمام، كان يردد صداها .

فجأة رن هاتفه ،فأيقظه من غفوته الرومانسية.

- ألو ، من المتكلم؟

-أخوك محمد

- وياك لباس

-لباس الحمد لله .فين أنت أخي؟

- أنا في زگزل

- اقطع مكالمتك، سآتي إليك حالا من مدينة بركان

-جيد جدا ، أحضر معك الماء والخبز.

انتهت المكالمة

أحس محمد ، وهو يكلم أخاه قويدر أنه كفر عن ذنبه ،إذ لم يقو على إيصاله للمحطة ، فأراد أن يلتحق به تعبيرا عن تضامنه معه،أحس وكأن جبلا من نار قد خمد داخل قلبه ،سارع بسيارته ،يشق بها عباب الريح للإتحاق بأخيه قويدر، لقد أحس بطول الطريق ،أو هكذا هُيِّئَ له ،تمنى لو أن له أجنحة الطير ، لطار إليه في أعلى الجبل ،ولسبق أنسام المساء إليه ...ربما حدسه قد أوحى له أمرا ما ،ولم يرد البوح به ،ولا تصديقه ،باعتبارها مجرد خيالات و تهيؤات شيطانية ،ولم يرتح باله إلا بعد أن رأى خيال أخيه قويدر من بعيد، وسط دخان كثيف ،متطاير في أعلى الجبل،إنه منظر رومنسي جميل ،يشبه مشهدا من مشاهد الكواسر، هدأ محمد من روعه و حمل هاتفه ثم اتصل بأخيه ....

-أين أنت أخي قويدر؟

-في رأس الجبل ارفع رأسك للأعلى، أنظر فوق مغارة الحمام ،سترى دخانا متطايرا في السماء...

-نعم ..نعم...إنني أراك وسط دخان كشبح...هههه..لكن لا أستطيع الوصول إليك.

-لماذا؟

-لأني أخاف الأعالي....

-إذن سآتي حالا لأرافقك.

-شكرا أخي قويدر، أنا بانتظارك

فعلا،نزل قويدر من أعلى الجبل ،مزهوا بنفسه،كله حيوية ونشاط ،ورافق أخاه بتؤدة إلى قمة الجبل، أحس محمد بأن العالم كله بين يديه .صورة مثالية رائعة،رائحة الشواء تزكم الأنوف و كؤوس الشاي المنعنع تدور بين أنامل الشباب، لأول مرة أحس محمد بجمال اللحظة، ما أجمل أن ترى العالم من أعلى! كل شيء يبدو في حجم نملة، قهقهاتنا ترددها فجاح الجبال، حمائم تحوم حولنا، تؤرخ لهذا اليوم التاريخي،الشبان نحتوا رسومات ونقشوا أسماءهم على الصخور ، كذكرى خالدة، تعكس مدى الألفة التي جمعت بينهم في يوم من الأيام. ألم يخلد تاريخ بني يزناسن بواسطة النقوش و المنحوتات التي وجدت في غار الحمام ؟، ألم تكتشق أول جمجمة في التاريخ في هذا المكان المنعزل؟ فقد نكون يوما ما نحن أيضا محل دراسة من طرف أقوام سوف تأتي بعدنا، تحمل هَمَّ البحث والتنقيب ،متجاوزة تقاعسنا اللافت في البحث عن تراث بني يزناسن الأشاوس...الحاضر يجب ألا ينسينا ماضينا...

في خضم هذه الذكريات المؤلمة، وبين هذه الأدخنة المترامية ،تستقر كنوز نفيسة .لكن جهلنا بقيمتها هو الذي ضيع علينا فرصة التمتع بها.هكذا كنا نناقش الأمور في غفلة من الزمان، ورائحة الشواء ، تثير فينا عدة أسئلة ...هل فعلا هنا اكتشفت أول عملية إشعال للنار؟...فلندع كل هذه التساؤلات معلقة لذوي الاختصاص، ونرجع لهذه اللمة الرائعة، التي حاولت سرقة لحظات المتعة من بين براثن زمن غادر، شباب بسطاء ، يحاولون تحدي الفاقة والعوز لقضاء لحظات مميزة في غفلة من الزمان.

لقد تم توزيع المهام على الشباب بدقة متناهية، كل فرد يهتم بالمهمة التي خصصت له، في نظام واتزان ،ومع ذلك فالمزاح والترفيه كانا حاضرين ، مما جعل الشباب يضحكون من أعماق قلوبهم، ما أروع أن يتعايش أبناء حي سالم بهذه الطريقة ،تعايش من المهد إلى اللحد...لكن فجأة ، توقف الزمان و سمعت صرخة عارمة، رددتها فجاج الجبال ، وسمع نعيق الغربان فوق أشجار الصنوبر، توقفت كل القهقهات ، وتسمرت الأرجل للحظات في أماكنها، قبل أن يسمع دوي أحد الأصدقاء رعدا مزمجرا...

_لقد تعثر وسقط من أعلى الجبل؟

_من؟

_ قويدر

-قويدر النگادي

_أخوك .....

لم يحس محمد بنفسه ،إلا وهو يشق الصخور شقا ،يلقي رجليه بين فج وفج ،متناسيا فزعه من المناطق الشاهقة ...تبعه كل الأصدقاء ...الكل مصدوم ، الكل يدعو الله أن يحفظ أخاهم قويدر ويخفف عنهم العاقبة....لكن لما وصلوا إلى حافة الجبل ،وجدوا الناس متحلقين حول قويدر، يبكون وينتحبون، محمد دخل في لحظات هستيرية، و كاد يغمى عليه من هول الصدمة، قويدر ينزف...ينزف جروح غائرة وكسور في سائر الجسم ،دماء تسيل من

رأسه...رباه ! اللهم الطف بنا يارب! هكذا كانت كل الأفواه تردد مرتجفة ، نساء ورجالا، شيبا وشبابا ..سيارة الإسعاف قادمة....ما أثقلها ، ساعة كأنها دهر...هكذا خُيِّلَ لمحمد وهو يحاول الإبقاء على توازنه،لما وصلت سيارة الإسعاف مخترقة

جبال بني يزناسن، حملته في جوفها وانطلقت به لمستشفى الدراق بمدينة بركان.ركب محمد سيارته

،التي لم يعد قادرا على قيادتها ، إذ تكلف بسياقتها أحد المتطوعين.في الطريق ،هاتف محمد أخاه منعم ليخبر باقي الأسرة ، وطلب منهم الحضور إلى مستشفى الدراق .انتشر الخبر في حي سالم العتيق انتشار النار في الهشيم،إذ لم تأت العائلة بمفردها للإطمئنان على قويدر ،بل حج أبناء الحي قاطبة لزيارة جارهم ...وألسنتهم تلهث بالدعاء للشاب المحبوب...بعد لحظات اخترقت سيارة الإسعاف المتجمهرين ،أخرج منها الشاب قويدر وأدخل قاعة الإنعاش ، لكن لم تمر

إلا دقائق حتى انتشرالخبر اليقين...مات قويد...مات الرحالة اليافع، لقد كانت هذه آخر رحلة يستنشق فيها هواء بني يزناسن، عاش عاشقا لجبالها ووديانها ومات بين أحضانها .وتم إغلاق آخر صفحة من رحلاته....لم ييتبق إلا منحوتاته على صفحات الصخور، ذكرى للرحالة ، ليعلموا أن شابا مر من هنا....ورحل عنهم دون وداع ... رحلة اللاعودة...

رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه. إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

 

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription