موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

 

 

 23

 

...أمَّاخدُّوجْقصص واقعية.....

 

بقلم ذ. محمد مهداوي

رغم تجاوزها الستين ،لا زالت ذاكرة أمَّاخدُّوجْ فتية ، تستعيد ذكرياتها القديمة أيام الصبا ، بتفاصيل دقيقة ، كأنها تنسجها بمنساج صوفي ، شريط من الذكريات ، يمر أمام عينيها ، تردده، كأنها تحكي فيلما وثائقيا ، كانت في كل مرة تغمض حبيبتيها، وتسترسل في القص ،بنفس الحماس ونفس الوتيرة ، الكل يتفحصها بعينيه ، ويصغي إليها باهتمام بالغ .خلال هذه اللحظات الصوفية ، لا يمكنك التحكم في أذنيك ، فهما رهينتان عند أمَّاخدُّوجْ .كم كنا نشتاق لسماع أحاجيها ، خاصة وأن العولمة لم تكن قد أسرتنا بعد بهواتفها الذكية ، وأغرقنا بقصتها المدبلجة.ما أعظم أن يستمتع المرء إلى حكايا أصيلة ومن عمق التاريخ ، حكايا ممزوجة بحنان الأم ، حيث كانت أمَّاخدُّوجْ تسترسل في الكلام استرسالا ، ويدها فوق رؤوسنا ،تداعب شعرنا برفق و لطف ، هو السحر إذن يمتلكنا ويغرقنا في ملكوت الأحلام ، دون أن نفكر في الطريقة التي نستجدي بها النوم هكذا كنا دوما ، نتحلق حول المرجل ، ندفئ سيقاننا ، وننعش أجسامنا بالكرموس المغمس في الزميطة ، مع كؤوس مشحرة من الشاي المنعنع ، الكل ينتظر آذان العشاء ، فبعد الصلاة مباشرة تبدأ شهرزادنا في القص ، قصص ملتصقة بالأرض، عايشتها بحواسها أمَّاخدُّوجْ ورسمت في ذاكرتها خدوشا لا تنمحي أبدا ، كثيرا ما كانت تردد بين شفتيها ، لو كنت متعلمة لكتبت مجلدات عن قصص بني يزناسن الأشاوس ، لكن من المؤسف أن تاريخنا نخبوي وليس شعبوي ، ضاعت الكثير من الأحداث هباء منثورا ، ولم نعد نسمع عن عام البون ولا عن عام الكوليرا والطاعون وما إلى ذلك من حكايا المداشر والدواوير

ما أن ختمت أمَّاخدُّوجْ صلاتها ، حتى تحلقنا حولها ، كل يتوسد إحدى ركبتيها ، و الثالث يستقر في حجرها ، تصلي على النبي المختار ، و نردد معها سويا كان ياماكان في قديم الزمان .
يسكت الجميع ،ويعم الصمت المطبق المكان كأن على رؤوسنا الطير، وتستهل حكايتها دوما بما يلي :
 

أبنائي بناتي.

حدث هذا ذات فصل شتاء في أربعينيات القرن الماضي ببني موسي الرْوا ، المنطقة التي تبعد عن سيدي بوهرية بحوالي 8 كلم.
سقطت الثلوج لمدة ثلاثة أيام متتالية حتى أصبحت الأرض تكتسي حلة بيضاء ،لا يظهر منها إلا الأشجار وجدران المباني العتيقة ذات اللون الترابي، والتي لم تعد قادرة على استقبال المزيد من هذا الزحف الأبيض ، مما أثار فزع السكان و تنبأوا بالأسوء

كنا نلعب، نحن الأطفال، قرب شجرة تين عظيمة ، فرحين مزهوين بهذا الضيف الجميل. نتراشق بكويرات الثلج ، وننشد أغان أمازيغية خالدة ، كانت تبث الحمية والحماس في المقاومين اليزناسنيين فترة الإستعمار ، هدوء تام،لا أحد يتحرك، حتى الكلاب تسمرت في أماكنها ،ترتعد من شدة البرد ، والدجاج انحشر في خمه ، متلذذا بنقرات الثلج المتناسقة ، سمفونية طبيعية قل نظيرها ، السماء داكنة اللون ، وزادها حلكة تلك الأدخنة المتطايرة من مداخن المنازل بحثا عن الدفء ، مسالك الراجلين لم يعد لها أثر، مما صعب من تحركات أهل الدوار.

فجأة ، وعلى مرأى أعيننا رمقنا رجلا مترجلا ، يمتشق عصا ، يحاول شق طريقه بين الثلوج المتراكمة على صفحة الجبل ، تغرق رجلاه مرة وتظهر ثانية ، وهو يلوح لنا بعصاه ، لم نفهم ما يريد قوله ، توقفنا عن اللعب ، تسمرت أعيننا اتجاهه ...وفجأة سمعنا صراخا مدويا ثم اختفى

أسرعنا الخطى لإخبار أهالينا، وما هي إلا بضع دقائق حتى اجتمع أهل الدوار للبحث عن الرجل المفقود. لقد سقط المسكين في مطمورة عميقة .وبعد عملية إنقاذ مضنية، أخرج الرجل وهو يرتجف من قساوة القر، سمعنا أسنانه تصطك ،غير قادر على التفوه بكلمة واحدة . لُف في جلباب صوفي زناسني قح ،ليحمل على الأكتاف إلى أحد البيوت المجاورة. فتم استبدال ملابسه المبللة بملابس دافئة ، وتم إضرام نار قوية ، وصل لهيبها إلى سقف المنزل ، وضع الغريب أمامها ، وتم منحه بركوكش بالكليلة والسمن الحار، وبعد بضع دقائق، استرجع أنفاسه ، وبدأ ينظر يمنة ويسرة ، لا يدري ما وقع له ، اتجه صوب الشيخ ميمون بن بوعرفة وقال له :

_أين أنا ...ماذا وقع لي
_لقد كدت تفقد روحك...لكن الله لطف بك...والفضل كله يعود لهؤلاء الأطفال
_ اقترب مني وقبل رأسي قائلا : ربي آشون يحفظ ...قريب أذدجغ إرباين إينو ذييوجيلن
_حمدا على سلامتك سيدي ،لقد ولدت من جديد

حفظكم الله جميعا ، ما أعلمه عن أهالي ياث يزناسن قد تحقق فعلا، وتأكدت منه بنفسي :كرماء، يكرمون الضيف ويأوون عابري السبيل و يحمون المستجير سأغادركم الآن ،فأبنائي قلقون علي وينتظرون قدومي على أحر من الجمر...سقطت دمعة حارة من عينيه وهو يردد هذه الكلمات...فأحسست حينذاك أني قمت بعمل جليل ، لعله يكون لنا عتقا من النار يوم تسود وجوه وتبيض وجوه...

أبنائي .بناتي.انتهت الحكاية.وحان وقت النوم.

محاجيتي مشات الواد الوااد وكلاوها لجواد...والله يجعل أيامكم كلها أعياد...

 

نشرت هذه القصة على صفحة الفيسبوك للأستاذ محمد مهداوي يوم 25 مارس 2019  على هذا الرابط وهذه بعض تعليقات الزوار:

 

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط هنا

.........................................

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

فضاء الزجل والشعر        

          

Compteur Global gratuit sans inscription