بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

 

محمد مهداوي أستاذ التعليم الإبتدائي مزداد سنة1962 ببركان إداريا وبني ميمون فعليا

مجاز في اللغة العرببة وآدابها سنة 1990 جامعة محمد الأول كلية الآداب

ملحق سابق بإيطاليا لتدريس اللغة العربية والثقافة المغربية

رئيس جمعبة المستقبل للرياضة والثقافة والفن

وعضو فاعل في مجموعة من الجمعيات الثقافبة والتربوبة والرياضية

 نشر  مجموعة من المقالات المختلفة في جريدة الشرق،ملوية،البحيرة،العالم الرياضي ومجلة العالم

زجال باللغة العامية وله قصائد متنوعة المشارب تنتظر دورها في النشر في ديوان مستقل

 

 

صورة غلاف  الديوان الزجلي

 

 

 

 

لإضافة تعليق، المرجو الضغط هنا

.........................................

تحميل قراءة في ديوان  " لباردي والفردي " بصيغة  PDF

 

 

بقلم : محمد موح

 

قراءة في ديوان الأستاذ محمد مهداوي

" لباردي والفردي "

من طرف الأستاذ محمد موح العجاجي

دلالة المصطلح :

قد يكون مصطلح " لباردي" مصطلحا دخيلا في التراث الشعبي المغربي، لكنه لم يكن أبدا حكرا على الثقافة المغربية وحدها، وإنما انتشر استعماله بنفس اللفظة او بمرادفات أخرى في مناطق عديدة من بلدان المغرب العربي.

وتكمن خصوصية هذا المصطلح في أنه اتخذ بعدا عسكريا إبان فترة الاستعمار الفرنسي لهذه المناطق، الشيء الذي يجعلنا نفترض أن كلمة " لباردي" مأخوذة من Le Bombardier الفرنسية التي كانت تطلق على قاذفات القنابل أو على قاصفات المتفجرات من طائرات (avion bombardier) ودبابات (tank) وغيرها.

ويذهب بعضهم إلى القول : إن الكلمة تجد أصلها في اللسان العربي عند حديثه عن " البارود"، ومنه اشتقت كلمة " البارودة " أي البندقية، و " التّبُوريدَة "، و " الباردية " التي تعني اللعب بالبارود من طرف جماعة محترفة من الفرسان أثناء عروض فروسية تقدم خلال بعض المواسم والوعدات، وهو ما يعرف حاليا بالفانتازيا Fantasia، ويطلق على هؤلاء المحترفين اسم : " لبارديا "، وفي مناطق أخرى : "صحاب البارود" أو " الخيالة "، وكانت هذه العروض تتمثل في محاكاة هجمات عسكرية وملاحم تاريخية مأثورة، يستحضرون من خلالها بأس أجدادهم وبسالتهم وشجاعتهم وإقدامهم في مواجهة الغزاة العداة.

أما مصطلح " الفردي"(بالفاء غير المفخمة) فيعني ذلك النوع من السلاح الذي يتم شحنه بمسحوق البارود ويكون جاهزا للاستعمال خلال تلك العروض، والشائع أنه سمي بالفردي لأنه من صنف الأسلحة الفردية (بالفاء المفخمة) التي يستعملها ويتحكم فيها فرد واحد مثل البنادق والمسدسات، على عكس الأسلحة الثقيلة كالرشاشات والمدافع التي تتطلب عملا جماعيا أثناء الاستعمال. وهناك من ينسب تسمية " الفردي" إلى كون أسلوب الإطلاق عليه يكون بطريقة فردية، أي أُحادية تحدُث من خلالها طلقة واحدة بالضغط على زناد البندقية.

ومن أهم الأسلحة الفردية التي كانت معروفة خلال فترة الاحتلال الفرنسي نجد : المُكحلة، والكربيلة (Carabine)، ولخماسية، وساسبو (تحريف لسلاح Chassepot لصاحبه Antoine Alphonse Chassepot). أما استعمالها فيختلف باختلاف غرض كل سلاح، ويعد " الفردي" السلاح الرمزي الوحيد الذي كان يتم استخدامه في تقديم عروض الفروسية.

الديوان صناعة محلية :

لم يكن اختيار الأستاذ الزجال محمد مهداوي لعنوان " لباردي والفردي " عشوائيا ولا ارتجاليا ينقصه التحضير والإعداد المسبق، بل هو نتاج ثقافة زناسنية تمتد جذورها إلى ذاكرة أجيال قديمة، امتص رحيقها ونفخه في قصائده، فأخرجها على شكل كشكول جمع في طيه القديم والحديث من المواضيع، ودونه بلهجته الأم التي تعتبر من أبرز خصوصيات ثقافة المنطقة الشرقية وبالتحديد ثقافة منطقة بني يزناسن، لهجة يستوي كل من المثقف والعامي في ممارستها لدرجة أننا لا نكاد نميز بينهما أثناء الكلام.

ومما يؤكد تشبت الزجال بتراث هذه المنطقة أنه لم يكتف بتسمية ديوانه باسم " لباردي والفردي " النابع من هذا التراث، وإنما تعدى ذلك إلى تصديره بقصيدة تحمل نفس العنوان يعيد فيها الاعتبار إلى أجداده الأمجاد، فيقول في مطلعها :

أ ولدي مد لي ذاك الفردي

نعنڴو راه فيه ريحة جدي

مالو ذبال ؤ بهاڴ لونو

مال وجهو كحل مصدي

ارا نزيتو نحيي عضامو

راه كان هو دواي أ وعدي

وكأنه بهذه القصيدة يرسم حدوده الفكرية والثقافية من البداية، لينطلق بعد ذلك إلى الخوض في مواضيع أخرى قد تبدو بالنسبة للقارئ العادي نائية عن هذه الحدود، لكن القاسم المشترك بين قصائد الديوان، وإن لوحظ اختلاف مواضيعها في بعض الفروع والجزئيات، فأنها تحمل نفس المشاعر والأحاسيس، ونفس الآلام والمعاناة، التي لا دخل فيها للحدود ولا للمسافات، فالقيم الإنسانية عند الزجال لا تحدها حدود ولا تفصلها جسور ولا سدود، لذلك نجده يعلنها بوضوح تام وبصوت عال :

- أنا بركاني

- انا زناسني .. انا ريفي

انا سوسي .. انا صحراوي .. انا .. عربي

(انا مغربي)

- أنا سوري .. أنا شامي

- انا بلارج .. - انا فقير

- ممعترفش ...

لا بالحدود، لا بالألوان

(الحدود)

- راحنا مليئا المحن

اللي عايشها العراق

سوريا واليمن

(أمنية)

ولا يخفى تعلق الأستاذ بخصوصيات منطقته عندما يختار لصفحة غلاف الديوان لونا محليا : هو اللون البرتقالي الذي يُرمَز به إلى إقليم بركان (أبركان بالأمازيغية اليزناسنية)، الذي نشأ فيه وشب وشاب تحت ظلال أشجار فاكهة البرتقال.

كما لا يخفى تعلقه بها عندما نراه يقفز قفزة من وراء البحر الأبيض المتوسط ليدق على باب الدكتور محمد ميلود غرافي (1) - الشاعر والروائي المغربي المرموق - ويقترح عليه وضع تقديم لديوانه فيقبَل دون تردّد، فجاء هذا التقديم بمثابة مكون إضافي وعنصر أساسي يضاعف من محتوى الديوان، ويرفع من شأنه ومن قيمته العلمية والأدبية.

بل ويطلب من الفنان التشكيلي الأستاذ محمد سعود (2) أن يوقِّع بريشته السحرية هذه المجموعة الزجلية، فيرسم لها لوحة تشكيلية رمزية رائعة تنسجم انسجاما تاما مع العنوان وقصائد الديوان، ويضعها على واجهة الكتاب لتظهرَ على شكل بردة مزخرفة تظفي عليه مزيدا من الرونق والجمال، وتزيّنه بحُلّة تقليدية في غاية الحسن والكمال.

وعلى هذا الأساس، يكون ديوان " لباردي والفردي " شبيها بمولود جديد فريد من نوعه، ساهمت في تكوينه وفي إخراجه إلى الوجود وجوه متميزة، فأصبح بذلك عملا إبداعيا مَحلِّيا وثيق الصلة بالمنطقة الشمالية الشرقية : صاحبه من مدينة أبركان (قصيدة أنا بركاني)، والمُقدِّم له من مدينة أبركان، ورسام الصورة الفنية لواجهة الديوان من مدينة أبركان، ولون صفحة الغلاف البرتقالي لون مدينة أبركان، ولغة الديوان عامية ساكنة مدينة أبركان، وعنوانه مُستقى من تراث منطقة عاصمتها مدينة أبركان...

خلاصة القول : يعد ديوان " لباردي والفردي" عملا إبداعيا يزناسنيا بركانيا خالصا مائة بالمائة، إن على مستوى الشكل أو على مستوى المحتوى.

مضامين الديوان :

يمكن تصنيف هذا الديوان ضمن الأعمال الأدبية والإبداعية النادرة التي لا شك أنها ستزيد من إغناء رفوف الخزانة الأدبية من حيث المادة الضخمة التي تحتويها.

أما إذا أراد الباحث المهتم بالتراث الشعبي أن يَنبُشَ في تراث منطقة بني يزناسن للبحث عن ضالته، فلن يجد أي صعوبة في إيجادها إن اطلع على ديوان " لباردي والفردي"، لأنه يتضمن العديد من الأحداث والأخبار والأسرار، التي أزاح الزجال عنها الغبار، ونقلها لنا بجزئياتها وبتفاصيلها بصورة فنية، وبكل أمانة علمية وإخلاص تام لذاكرة أهلها.

فالديوان يتغنى بكفاح رجالات بني يزناسن، وبتراث المنطقة التاريخي والجغرافي والفني، وبتقاليد أهلها وعاداتهم الاجتماعية التي كانوا يمارسونها في مواسم الحرث والحصاد وخلال بعض المناسبات كالأعياد والأعراس والوعدات، كما يعرِّف بأَعلام زجلية وغنائية لا زالت الذاكرة الشعبية المعاصرة تردد بعض مختاراتها الخالدة.

ويشيد الديوان أيضا بالشيم الحميدة والمكارم المأثورة في ياث يزناسن، كالكرم، وحسن الضيافة، والحياء، والاحتشام، والغَيْرة، والحمية، والأنفة، والشجاعة، والبسالة، والرجولة، والنضال؛ وجاء كل ذلك منظوما بأسلوب حماسي في قصائد خمسٍ تُعدّ من " أمهات الديوان " وهي :

- قصيدة : لباردي والفردي

- قصيدة : النيف زناسني

- قصيدة : بني زناسن

- قصيدة : ڴلسة زناسنية

- قصيدة : فوقاش الوعدة

وهناك قصائد أخرى نظمها الأستاذ مهداوي في أغراض زجلية متنوعة تحتوي على بعض الشذرات والفقرات من هذا التراث الشعبي الهائل.

وبحكم تكوينه الفكري والعلمي، لم يتوان الزحال في تضمين الديوان بقصائد تدخل في صميم ميدان تخصصه(3)، فيبدع في قصيدة (مراكب تايهة)، وهي قصيدة رائعة مليئة بالألغاز والتوريات، يتوجه بها إلى المتطفلين في فن الإبداع وسراق الحرف :

يا اللي ناسج من رياح لمراكب

حروف الظلمة

مزوقة بالنجوم التايهة

ؤ داير ليها دبليج مرصع

تتباهى به كدام العرسان

راه النجوم يمكن تخونك

ؤ تهمد وانت فرحان

يمكن اطيح قصايدك

ف حمام يسلق ماه

ويبان البرهان

راه اللي مَكْسي بْ حروف غيرو

يبقى ديما عريان

كما يكرم أسرة التعليم بقصيدة يكلل فيها المعلم المربي بأسمى عبارات التبجيل والتقدير على ما يقدمه من جهود وعناء في سبيل تعليم الناشئة وتربيتها (أنت يا أصيل) :

أنت يا أصيل

أعطيني يدّك نْشبّعْها تقبيل...

............

الناس ناعسة

وانت تطوي صفْحات الليل

ويغضب ويثور في قصيدة (ما اتقيش مدرستي) ضد تسْييس السّاسة لنظام التعليم العمومي في المغرب، وينتقد فيها برامجه المرتجلة ومقرراته الهشة، التي حلت محل برامج ومقررات تتلمذ بها من قبل هؤلاء الساسة أنفسهم، فنجده يتحسر على فقدانها ويشجب هؤلاء الساسة قائلا :

ليام ... آه يا ليام

مالكي عوجة

بوكماخ ڴالو عليه مكلخ

والمنجرة نمام

الجابري نتقدوه

زادو نقد على نقدو

صدرو عليه

شلا أحكام

ليام ... آه يا ليام

مبقا بيجيدي لا ڀـام

كلكم تستغلونا

تنعسونا

وتوجهو لينا السهام

وتبيعونا الأوهام

وأجمل القصائد تلك التي ينبعث منها نوع من النزوع التلقائي للكتابة الشعرية والزجلية عند الأستاذ محمد مهداوي، تدفعه إلى ذلك رغبة ملحة في التعبير عن خلجات نفسه؛ فعندما تعلو في أحشائه درجة الإثارة والأدرينالين وينصاع إلى تلك الرغبة التي تؤججه من الداخل، يطلق للسانه العنان ويترك القلم يلعب بالحرف كما يشاء :

يا التايه وسط الظلام

هز لقلم ؤُ زمّم

خلّي مْراكب حْروفك

تْعبّر ؤُ تتْكلم

(لقلم المحكور)

---------

مين يَخْرس لْساني

ؤ يَتْبعثر كْلامي

نَطفي الشمعة ونْعنّڴ قْلامي

(غزيل لحروف)

----------

حنّو عْليَّ راني مُجَرّد زجّال

نمْوتْ موتة المَجْراب

إلى ما سالْشْ الحرفْ على لْساني

(مال الحرف اجفاني)

يبقى الجانب الإنساني ببعده الواسع، فقد خصص له قصائد تتحدث عن معاناة الإنسان اليومية في المجتمع، وعن حرمانه من أبسط حقوقه والتعدي عليها من طرف الغير، فجاءت قصائد : (جماعة الخير)، و(قصة الأخلاق)، و(الحدود)، و(محكور)، و(محكورة)، و(الخدامة)، و(أنا باغي نحرك)، و(سوق الظلمة)، و(شمعة بلا فتيلة)، و(الطير الهايم) و(بلارج)، من أفصح القصائد تعبيرا عما يعانيه هذا الإنسان من ظلم، وجور، وحڴرة، وطغي، وغش، وفقر، وتهميش، و...؛ وفي نفس الوقت يقابل الزجال هذه الظواهر الاجتماعية السلبية بظواهر وصفات إيجابية تبعث على الأمل والتفاؤل بالمستقبل، كالعزم والإرادة، والصبر، وحسن الظن، والإخاء، والتضامن، والتغيير، والعمل،... وقد يتحدث عن هذه المتناقضات في القصيدة الواحدة نفسها، كما قد يُفرِد لها قصائد مستقلة يُكَمِّل بعضها بعضا في علاقة تناسق وانسجام، وتكامل بين النصوص بشكل عام.

الجانب الفني في الديوان :

نجح الأستاذ مهداوي في صياغة أحداثه وأخباره في قالب زجلي حر، حاول فيه نفض يده من القواعد الشعرية والزجلية المعروفة، دون الخروج عنها خروجا تاما بطبيعة الحال، إذ وجدناه في بعض القصائد لا يزال متسكا بالقيود الشعرية القديمة، مثل وحدة القافية : إما على مستوى المصراعين : (شيخ لڴوال) وفي لازمة قصيدة (فوقاش الوعدة)؛ وإما على مستوى الضرب فقط كما في قصيدة (ڴلسة زناسنية) وقصيدة (لباردي والفردي) التي يحترم فيها قاعدة التصريع في المطلع على غرار القصيدة القديمة، ونفس الشيء يقال عن قصيدة (دوّارة هاذ الدنيا).

وما عدا هذه القصائد فإنه يطلق لقريحته العنان للتعبير عن مشاعره كما يجود به لسانه السلس ويهواه خاطره البديهي، فيتحرر من القيود الشعرية التي كبلت الشعراء منذ القدم، ليتحول إلى " مجدوب " ينطق بلسانه كلاما مأثورا، ملحنا، موزونا، يتضمن عبارات وعظية على شكل حكم وأمثال مطابقة للواقع المعيش، وإشارات معنوية لا يعرف مغزاها إلا العارف بالتراث الشعبي، إليك بعض الأمثلة وهي غيض من فيض :

لعيون الخاينة هرست لمناصب

ؤ شعلت كانون الهمزة

خلات الجيعان على فلوسو

طعمة حلوة للسمساره

(سوق الظلمة)

................

راه لمعاني لمفرقة فيها حكمة

ويلا تجمعت تزيح عليك الغمة

طاوع المجدوب وسمع ل كلامو

تنج من النار ؤ يوصلك حترامو

(الأضحية والتضحية)

.........................

لقبر يا خوتي اللي يواتيك

تخدملو من دابا

ولا مين تموت يضغط عليك

إما حفرة من النار تشويك

وإما روضة من لعذاب تهنيك

(قبري يا... يا قبري)

الجوانب اللغوية في الديوان :

أما من حيث اللغةُ والأسلوب، فلقد أبى الزجال أن يتوجه بقصائده إلى نخبة معينة من القراء، بل أرادها تكون في متناول الجميع، يفهمها العام والخاص من سكان المنطقة بالدرجة الأولى، أما فيما يخص عامة المتلقين في ربوع الوطن، فأظنه كان يعلم جيدا أنهم لن يجدوا أي صعوبة في فهم لهجته الشرقية التي لم تبق، كما أشار إليه مقدم الديوان، حبيسة الجهة الشرقية بفضل المسرح والسينما والتلفزيون وأغنية الراي؛ فعمِل الزجال على مراعاة المستوى المعرفي واللغوي والتعليمي عند كل المتلقين :

كلامي واضح لَوْلاد الدار ؤُ بَرّا

(صوت الصحرا)

...................

اليوم عندي ليكم حكاية

نحكيها لْ لبْعيد واللي حْذاي

(قصة الأخلاق)

وفي كثير من الأحيان نجده يقوم بإرسال بعض الغمزات والإشارات اللغوية الدالة إلى جهات جغرافية أخرى، فيخرج عن عامية الشرق ليعبر بالعامية المركزية التي يفهمها عامة المغاربة، كما يعمد أحيانا إلى استعمال أسلوب لغوي يقترب نوعا ما من العربية الفصحى، ربما إرضاء منه للنخبة المثقفة التي تتحدث بها، فيجمع بين العامية والعربية الفصحى ليعطي المكان للغة ثالثة يسميها البعض باللغة " العربية الوسطى ". إلا أن هذا الخروج قد يؤدي أحيانا إلى كسر الوزن أو الإخلال بالجرس الموسيقي، كما نحس به أثناء قراءتنا لهذا المقطع :

قْتَلْتو صلاح الدين الأيوبي

ؤ خلّيتو القُدس رَمَز السلام

عُرْضَةً لِلإِجْرامِ

آخِر كلامي

أنا الطفل الشامي

لمّا نموت نخبّر ربّي

على دُوَيْلات الأفزامِ

(أنا سوري)

ولم يكتف الزجال باتخاذ العامية العربية أداة لسانية يتواصل بها مع المتلقي، بل نراه يمزجها في بعض الأحيان بتعابير وألفاظ أمازيغية (ص : 61-28-25)، تدل هذه المرة على تشبثه العميق بموروث أسلافه من الناحية اللغوية، فالأمازيغية اليزناسنية وإن تقلص تداولها الآن، لا زالت تعتبر اللغة الأم في منطقة بني يزناسن وستبقى كذلك مهما طال الزمان. ناهيك باستعماله لبعض ألفاظ العامية اليزناسنية القديمة التي لم تعُدْ متداولة في أيامنا هذه، نظرا لتغير الأجيال وتبدُّل الظروف والأحوال، منها أسماء مثل : المَشْكَر، والتّويزة، والميعاد، والصبّاعيات، والكحّيلة؛ ومنها أفعال نحو : تْشَنْشَنْ، إكَرَّع، فَرْزَعْت؛ وبعضها الآخر لا زال متداولا في بعض المناطق الريفية لكنْ بنسبة قليلة مثل : ابرْدي، احوْجي، احليلي، وقيلا، المنداف، الجاوش، لقْوير، رڴب عْليا (زارني)، حَنّْشو لو...

ويبقى الديوان ذخيرة علمية جمعت في طيها ألفاظا وتعابير لغوية كثيرة يستعملها بنو يزناسن في سياقات مختلفة، وتلتصق بالمعنى الذي يحمله كل سياق سواء وُجِدت فيه قرينة تدل عليه أم لا، نحو :

والكلمة غي كور وعطي ل لعور

- (القرينة لفظية) : للدلالة على ركاكة الكلمة أو فُحْشها.

----------------

ولينا عايشين ف زمان كور وعطي لعور

- (القرينة لفظية) : للدلالة على الحياة العشوائية وغياب القيم الإنسانية والأخلاقية...

----------------

رمضان جاي الواد الواد

- (القرينة لفظية) : للدلالة على اقتراب حلول شهر الصيام والإستعداد له.

-------------

يغرق من ساسو ل راسو

- (القرينة معنوية) : للدلالة على فقدان أي أمل في النجاة...

-------------

شوف القهوة مهما غلات

لابد ما تدّفّڬ الغلاية

- (القرينة معنوية) : للدلالة على أن لكل شيء نهاية...

--------------

اللي نبنيه ف الصباح لعشية يتهدم

- (القرينة معنوية) : للدلالة على سوء الحظ في الحياة...

---------------

اللي مْسَرَّج الخيل اليوم

غدّا يركب عَ لَّحْمارة

- (القرينة معنوية) : للدلالة على تبدل الأحوال وانقلابها على أصحباها...

-------------------

إبيعولك العودة بْ سَرْجْها

نهار اتفيق تلقاها حمارة

- (القرينة معنوية) : للدلالة على الغش والنفاق..

عموما، لقد جاءت لغة الديوان في منتهى السهولة، كأنها خطاب مباشر موجه للكبير والصغير، وللمثقف وغير المثقف، خطاب حتى الأمي يستطيع أن يفهمه عن طريق السماع؛ لأنه يشبه في طريقة إصداره كْلام شيخ لڴوال، المُنمّق بالحِكم والمواعظ والتلويحات والاستعارات المعنوية، التي لا تحتاج إلى تأويل لكي يُفهَمَ معناها، قد يكفينا السياق أو القرينة لنهتدي إلى المعنى المراد :

راه لعْمود اللي اتعمّد عْليه يمكن يعميك

(قبري يا ... يا قبري)

-------------

شوف القهوة مهما غلات

لابد ما تدّفّڬ الغلاية

(لمرايا)

-----------

وخَّ تدّفّك دْواية غ لحصيرة

ؤُ يتزلّع السمق كامل

يبقى لمداد

(لحصاد)

Description : ▪خصائص لغوية محلية :

إذا عدنا إلى الألفاظ المستعملة في منطقة بني يزناسن، نجد الديوان يعج بالعديد من الاستعمالات المحلية البحتة، التي لا تخرج عن حدودها الجغرافية إلا بخروج الناطق بها لترافقه أينما حل وارتحل، ونشير إلى أنه غالبا ما ينكشف هذا الأخير بكل بسهولة خارج منطقته، وتُعرَف هويته من لسانه فورًا بعد تلفظه ببعض الألفاظ؛ لأن اليزناسني الحر يستعمل مصطلحات خاصة به وتعابير لا ينازعه فيها أحد. ولقد أورد الأستاذ مهداوي العديد منها وحررها تماما كما ينطقها هو نفسه بلسانه اليزناسني، وتعتبر القصائد الخمس التي أشرت إليها سابقا خير مثال على هذا اللسان اليزناسني الصرف.

Description : ▪أدوات لغوية شائعة :

وهناك ألفاظ زناسنية أخرى وردت في الديوان يستخدمها أهل المنطقة بكثرة في حديثهم اليومي، وهي عبارة عن حروف، وظروف، وأدوات ربط ووصل، وظفها الزجال في أغلب قصائده، ونشير إلى أن بعض هذه الألفاظ قد يدل على معان مختلفة تفهم من خلال السياق الذي وردت فيه، نذكر منها ما يلي :

- كي (أداة تشبيه بمعنى كاف التشبيه أو مثل) : كي المرجية، كي المشكر، أي : مثل/كالمرجية(اسم مكان)، مثل/كالشكائر.

- كي (أداة استفهام بمعنى كيف) : كي راك داير ؟(تعبير زناسني غير وارد في الديوان) اي : كيف حالك ؟

- كي (ظرف زمان بمعنى لما أو عندما) : كي جا وقت لحصاد (تعبير زناسني غير وارد في الديوان) أي : لما حل موسم الحصاد.

- كي ... كي (سواء....أو) كل واحد حامل مفتاحو كي اللي عايشين كي اللي راحو (المفتاح ؤ لقفل)، اي : سواء الذين على قيد الحياة أو الذين توفوا.

- كيما (حرف جر + اسم موصول بمعنى كما) : كيما ڴالو لجدود (لحصاد)، أي : كما قال الأجداد.

- غي : (أداة استثناء بمعنى إلا) : راك غي مع السمسارة (دوارة هاذ الدنيا)، اي : إلا مع السماسرة.

- غي (ظرف زمان لاستغراق الماضي بمعنى فقط) : الزناسني إلى غابو عليه الضياف غي يومين اقيسوه لرياح (بني زناسن)، أي : اليزناسني إذا غاب عنه الضيوف يومين فقط، أصيب بالجنون.

- بلي (باء الجر + التوكيد بمعنى بأن) : عرفت بنادم بلي مزال غافل(لقيت ربي تم)، أي : عرفت بأن الإنسان ما زال غافلا.

- ويلا (للشرط بمعنى إذا/لو/إن) : ويلا جات للرجلة البارود يطيعنا (لباردي والفردي)، اي : وإذا جاءت في الرجولة فالبارود يطيعنا (أي يستسلم لنا).

- ڴدام (ظرف مكان بمعنى أمام) : فين الصولة ڴدام الخودات (لباردي والفردي)، أي : أين الصَّوْلَةُ أمام الخودات ؟! (الخَوْدات والصولة كلمتان فصيحتان، الأولى تعني : الفتيات الشابات الحسناوات، والثانية تعني : الشجاعة والإقدام).

Description : ▪عبارات من التراث الغنائي :

كما يحتوي الديوان على عبارات غنائية أو لها علاقة بالتراث الغنائي المحلي، عبارات لا تستعمل إلا في المناطق الشرقية من البلاد بما فيها منطقة بني يزناسن، عبارات أصبحت بمثابة شعارات تترد على ألسنة المحبين أو المعجبين ببعض أعلام الطرب الشعبي المحلي الذين كانوا يتغنون بها في قصائدهم الزجلية الملحنة. ومن أهم الأعلام الذين ذاع صيتهم في هذا الميدان بين أهالي المنطقة وكذا المناطق المُتَاخِمة لها، نذكر أسماء لا زالت خالدة في الذاكرة الشعبية المعاصرة مثل : الشيخ محمد اليونسي، والشيخ أحمد ليو، والتنيساني، وعبد الله المڴانة.

ومن أهم العبارات الغنائية التي جاءت في الديوان ولا زالت ترددها الألسن لحد الآن :

- دان داني ... دان داني

- برَّحْ لي بْناس زْماني ... مَفيهُم تالي.

- ڴدّْها ويستاهل

- بني زناسن ناس ملاح يستاهلو التبراح

- زغّرتو يا الزغرتات - - Trente-trois tours (الأقراص الغنائية الطويلة)

- لعصا نشدو بها الميزان

- الرڴادة والمنڴوشى

- الصّف والموّال

- صُوط الڴلال يالشيخ صُوط

- خلي الغايطة تصهل صهلة الخيل

- وجد لي الرزة الصفرا، خليني نصول ونجول

Description : ▪ظاهرة لغوية يزناسنية :

تتمثل في كون اليزناسني لا زال يحتفظ ببعض الخصائص الصوتية التي تتميز بها لهجته العربية وكذلك الأمازيغية، وأعني بها النطق الواضح والصحيح لبعض الحروف الأسَلِيّة المُعْجَمة (أي تلك التي تُنطَق بفعل احتكاك أسَلَة اللسان بثنايا الأسنان)، هذه الحروف هي : الثاء، والذال، والظاء، المفقودة في العامية المركزية.

بحكم معرفتنا الشخصية للأستاذ مهداوي منذ الصبا، نجده لا يزال متمسكا بهذه الخاصية حتى في حديثه العادي بلسان أمه (عربيا كان أو أمازيغيا)، وقد نجح في ترجمتها بكل عفوية في كتاباته الإبداعية، بما فيها تلك التي لا تزال مخطوطة؛ ولعل ديوان " لباردي والفردي " خير دليل على ذلك، بحيث تبدو واضحة جلية في مجموع قصائده، إليك بعض النماذج منها :

- آ ولدي مد لي ذاك الفردي ...

- مالو ذبال ...

- ملي مشاو ناس الملحون والذوّاقة ...

- النغمة هي هذيك ...

- هاذ العذرا ...

- إلى حْرثْت يامك لمشوْكة ...

- تثمر سبولة ...

- الثّلْثْ الخالي ...

- زين النظرا ...

- أرا نزيتو نحيي عظامو ...

- ثافقونت ... (الكانون أو الموقد بالعربية)

- ثمورث انغ ثعز غنغ ... (أرضنا عزيزة علينا)

قد يخلط اليزناسني في بعض الأحيان بين نطق صوت الضاد وصوت الظاء فينطقهما ظاء، لكنه يفرق بين الحروف الأسلية المعجمة كاملة على مستوى الكتابة، فيكتب الثاء ثاء، والذال ذالا، والضاد ضادا، والظاء ظاء.

في حين نجد الناطق بالعامية المركزية، يقع بدوره في نفس الالتباس، بحيث يخلط بين الظاء والضاد وينطقهما ضادا، ويضيف إلى ذلك نطق الثاء تاء، والذال دالا، والعيب كل العيب هو أن هذا الخلط يظهر عنده حتى على مستوى الكتابة بالعامية، إن لم أقل على مستوى الكتابة بالعربية الفصحى أيضا :

فبالنسبة لحرف الذال تقول العامية المركزية :

- ديب، والزناسني يقول : ذيب (ع. ذئب)

- هادا، والزناسني يقول : هاذا (ع. هذا)

- تلميد، والزناسني يقول : تلميذ (ع. تلميذ)

- لديد والزناسني يقول : لذيذ (ع. لذيذ)

وبالنسبة لحرف الثاء تقول :

- تَمَّ، والزناسني يقول : ثَمَّ (ع. ثَمّ، اسم إشارة للبعيد)

- لَتنين، والزناسني يقول : لثنين (ع. الاثنين).

- حِيت، والزناسني يقول : حيث (ع. حيث).

- متلت، والزناسني يقول : مثلث (ع. مثلث).

أما بالنسبة لحرف الظاء فتقول :

- ضلام، والزناسني يقول : ظلام (ع. ظلام)

- أضن، والزناسني يقول : أظن (ع. أظن)

- وحضوض، والزناسني يقول : حظوظ (ع. حظوظ)

لقد حاول الشاعر محمد مهداوي أن يحافظ إلى حد كبير على هذه الخاصية اللغوية، فجاء نطقه وكتابته لهذه الحروف صحيحين كما في اللغة العربية، وهذا يكفيه ويمنح له أهلية الادعاء بإن العامية الشرقية التي يتكلم بها بنو يزناسن أقرب إلى اللغة العربية الفصحى من العامية المركزية، سواء كان ذلك على مستوى النطق الفونيتيكي (الصوتي) للحروف العربية أو على مستوى كتابتها.

وقد يلاحظ المتصفح للديوان بكل بساطة مدى التزام صاحب الديوان بهذه القاعدة عودا على بدء، ولم يخرج عنها إلا في حالة واحدة في كلمة واحدة، وهي كلمة : " تمَّ "، التي كررها خمس مرات بدءا من العنوان في قصيدة (لقيت ربي تَمَّ)، وأعاد كتابتها بنفس الصورة مرة أخرى في قصيدة (لحصاد)، واسْتَبْعدُ أن يكون هذا الخروج ناجما عن خطأ مطبعي، بل هو نتاج ثقافة داخلية خضعت لتأثيرات خارجية كما سنرى.

Description : ▪أثر العامية المركزية في لغة الديوان :

بالرغم من تشبث الأستاذ مهداوي بالتراث اليزناسني الثقافي واللغوي في معظم قصائده، فإنه لم يسلم من وقوع العامية المركزية في لسانه، وقد يكون مرد ذلك إلى أمرين : إما للضرورة الزجلية التي فرضت عليه انتقاء ألفاظ وصيغ صرفية متناسبة من حيث الوزن والزمن (طول اللفظة وقصرها)، ليحافظ على ذلك الجرس الموسيقي الذي اختاره منذ مطلع القصيدة، ويحصل على إيقاع موسيقي ثابت تتناغم فيه أجزاء القصيدة على الأقل أثناء الإنشاد. الأمر الثاني، وأظنه الأرجح، فيتمثل في كون العامية المركزية تحتل المركز الأول من حيث عددُ الناطقين بها، وتستعمل بكثرة في وسائل الإعلام وفي اللقاءات العلمية والفكرية والثقافية والمنتديات العامة، لدرجة أنها أصبحت تُتَداول في الأوساط الشعبية في أغلب المناطق المغربية، الشيء الذي يكون قد دفع الزجال إلى توظيف عدد لا يستهان به من الألفاظ والتعابير المستقاة من العامية المركزية، ويظهر ذلك من خلال هذه الأمثلة :

- شوف علام الخاوة كَيْرفرف غضبان (الحدود).

بزيادة بادئة، وهي حرف الكاف، إلى الفعل المضارع " يرفرف ". ففي العامية اليزناسنية إما تحذف هذه الزائدة وهو الأصل، وإما تحل محلها ألفاظ أخرى مثل : راه (إنه)، كي (كيف)، كيفاش راه (كيف أنه).

- أَشنو وْقع لْخوكُم (مسرح الرمضاني).

علما بأن هذه العبارة ليست زناسنية، لأن ياث يزناسن يقولون : واشْتَ صْرا، أو : واسمو صرا، أو : واشت وْقع، أو : واسمو وْقع...

- تخّدمو مَن دابا (قبري يا .. يا قبري).

في حين بنو يزناسن يقولون : مَن ذَرْوَكْ، أو : مَن ذْرُك، او : فيسّعَ وليس : مَن دابا.

ونفس الشيء يقال عن ظهور اللغة العربية في أماكن عديدة من الديوان، فالشاعر دارس لهذه اللغة : يقرأ ويكتب ويتكلم بها ويُدرِّسها في المدارس العمومية منذ سنين، لذلك لم يتردد في الأخذ منها مثله مثل كل الزجالين العرب.

الرمز والغموض في الديوان :

كلما غصنا في عمق الديوان أوقفتنا معاني كثيرة صيغت بأسلوب لغوي عجيب تطغى عليه الصور الفنية وعناصر البيان، كالمجاز والاستعارة والتشبيه والتمثيل والمقارنة والمقابلة، التي يوظفها الزجال توظيفا رمزيا يكتنفه نوع من الإبهام والغموض، فنجده يستحضر بعض الشخصيات والأحداث والحكايات الشعبية والأقوال الطريفة المأثورة للتعبير عن مضمراته ومشاعره، فيمررها داخل السياق اللغوي لتصير جزءا لا يتجزأ من القصيدة، وعندما يوصل ذلك إلى ذهن القارئ يجعله يتفاعل معه أو مع الحالة التي يريد التعبير عنها، بشيء من الحيرة والتردد.

Description : ▪توظيف الحِكَم والأمثال :

كثيرا ما نجد الأستاذ محمد مهداوي يتقمص شخصية الرجل الحكيم الذي يرغب في تبليغ رسالة وعظية إلى القارئ، فيلجأ إلى استعمال أسلوب الترغيب والترهيب المفعم بالاستعارات والإيماءات والكنايات الخفية للتعبير عن المعنى الذي يريد إيصاله إلى المتلقي.

قد يخصص قصيدة كاملة لتبليغ هذه الرسالة كما فعل في قصيدة " قصة الاخلاق "، التي نستشعر من العنوان والمطلع محاكاته لدور الحكيم الذي يتأهب لحكاية حكاية وعظية يترجى منا استيعابها، لأن لنا فيها فائدة تنفعنا :

اليوم عندي ليكم حكاية

نحكيها ل لبعيد واللي حذاي

نترجى منها حسن الهداية

قبل ما تخطفنا المنايا

وهي قصيدة حبلى بالمعاني الرمزية الدالة، يشخص فيها الزجال المفهوم " المجرد " ويحوله الى مفهوم مجسم أو محسوس، فيكلم الصدق والشهامة والأمانة، ويجعلهم يتصرفون كأنهم أناس يتمتعون بكل قواهم العقلية وبكامل صفاتهم الإنسانية. ونحن نستمر في قراءة/سماع تفاصيل الحكاية، نفهم أنه يريد التعبير عن شجبه واستنكاره لبعض السلوكات الأخلاقية الدنيئة المتفشية في المجتمع، وأظنه يقصد المجتمع العربي، لأنه يسميه باسمه دون أن يرمز إليه هذه المرة، في قصيدة " دوارة هاذ الدنيا " فيقول :

لكذوب والخونة طبايعنا

والصدق والأمانة لنصارة

خسارة يا حبابي خسارة

على لعرب أمالين الحضارة

كثيرة هي الأمثلة والشواهد التي يستخدم فيها التعبير الرمزي للتنديد بمثل هذه السلوكات الراسخة في المجتمع، سواء من الناحية الأخلاقية كما ذكرنا، أو من الناحية الاجتماعية، أو السياسية، أو الاقتصادية، أو الفكرية، التي سيطول بنا الحديث لو تحدثنا عنها كاملة.

وقصيدة " لمراكب تايهة " تحتوي هي الأخرى على أساليب لغوية وبيانية وظفها الزجال كأداة للتعبير عن المعنى الذي أراد أن يوصله إلينا، وفيها نجده يتفنن في اختيار اللفظ المجازي المناسب لهذا التعبير دون الإفصاح عن دلالاته، وكأنه يريد أن يمنح للقارئ حق التأويل أو ينتظر منه إعمال العقل للاهتداء بنفسه إلى معرفة المعنى الذي يخفيه هذا اللفظ أو يدل عليه ذاك التعبير.

وفيها يتوجه بالخطاب إلى المبدع المزيف بصفة خاصة، ذلك المبدع الذي يسطو على عمل غيره وينسبه لنفسه، فيدين هذا الفعل ويحذر صاحبه بمجيئ يوم ينكشف فيه وتعرف حقيقته، ويصوغ ذلك بأسلوب فني مميز تغلب عليه الاستعارة، التي تَصادَفَ أن معناها اللغوي يدل تماما على الفعل الذي يُقْدِمُ هذا الانسان على القيام به، أي : أَخْذ الشيء وتَحويلُه الى مكان آخر. يقول الأستاذ مخاطبا هذا الإنسان :

يا اللي ناسج من رياح لمراكب

حروف الظلمة

مزوقة بالنجوم التايهة

ؤ داير ليها دبليج مرصع

تتباهى بها ڴدام العرسان

راه النجوم يمكن تخونك

ؤ تهمد وانت فرحان

يمكن طيح قصايدك تايهة

ف حمام يسلق ماه

ويبان البرهان

فكل عمل إبداعي مِلْك صاحبه، هو الذي عانى وجَدَّ وكدَّ وسهر الليالي من أجل إخراجه إلى الوجود. أما إذا أخذه إنسان آخر ونجح في نسبته لنفسه، فإنه يصعب عليه تَمَلُّك مشاعره وأحاسيسه ومعاناته التي تبقى في حوزة صاحبها، لأنها موجودة في مكان آمن ليس له مسلك يسلكه غيره لينزعها منه : إنه قلب المبدع. ويعبر الشاعر عن هذه الصورة المعنوية الجميلة بقوله :

لمراكب مهما تاهت

ف سوق الظلمة

لا بد تلقى ليها ربان

حروف الجوف ورود مفتحة

تفوح مسك ؤ عنبر بين الوديان

متتباع ف سوق

متغرس ف جنان

ف قلب المجدوب ساكنة

عروس لابسة قفطان

إلى غير ذلك من المعاني الخفية التي صيغت في القصيدة بأسلوب فني تغلب عليه الألفاظ المبهمة والتشبيهات والاستعارات، والتي لا يسع المكان لذكرها كاملة هنا.

ويتقمص الزجال دور المجدوب ويشير إليه بطريقة غير مباشرة في العديد من الأماكن، في حين يصرح به علنا في قصيدة " مسرح الرمضاني " بقوله :

تبعو معاي يا خوتي هاذ المسرحية

أشنو وقع لخوكم المجدوب

والمجدوب كما نعلم شخصية لا تنطق إلا بالحكمة أو بالموعظة الحسنة المصوغة في قالب زجلي منظوم، وكأننا بالأستاذ محمد مهداوي يريد أن يحذو حذو هذا الإنسان المبهم في أغلب قصائده، عندما نجده يختار اللفظة المناسبة، والعبارة المرصعة، والعجز او لنقُلْ القافية المستوية، على غرار قصائد الشيخ سيدي عبد الرحمن المجدوب؛ أما كلامه فقد جاء محملا بالعديد من المعاني والدلالات المستوحاة من التراث الشعبي المغربي، مقحما بعدد كبير من الأمثال الشعبية والأقوال المأثورة، التي يصوغها بأسلوبه الخاص لكي تصير متناسبة وبناء القصيدة. فالمقطع التالي عبارة عن كلام مأثور صيغ بصيغة أخرى، أورده الأستاذ على شكل تذكير يُذيِّل به كلامه السابق، فحصل بذلك انسجام بين ما هو مأثور وما هو منظوم من جهتي المبنى والمعنى :

(...) شوف يا الغافل

راه النار مهما طالت

لا بد إيجي يوم تولي رماد

وانت مهما عشت إيجي يوم

إدليوك ف قبر

مظلام تشبع رڴاد

(لحصاد)

ويعيد ذكر الجزء الأول من هذا المقطع بلفظ قريب، ويوظفه لنفس الغرض في قصيدة " رمضان جانا "، لانسجامه معه أيضا :

راه النار مهما ڴدات

لا بد تولي رماد

أما قصيدة " انا فقير " التي يكثر فيها من الطباق في الكلام والمقابلة بين معاني الفقر والغنى والكرم والبخل، وغير ذلك من المفارقات الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية، فيختمها هي الأخرى بكلام جميلةٌ عباراتُه بعيدة دلالاته، ويحمل داخله مواعظ وعلامات كثيرة، عندما يقول مثلا :

إلى تصدق لكريم

ڴالو هذيك ليلة مشهودة

خلاها سنة

ؤ عادة محمودة

ويلا تصدق الفقير

بحال إلى ولدت العودة

وقد يقتبس المثل بنفس اللفظ الذي جاء به صاحبه، ويبني عليه القصيدة ثم يجعله لازمة لها، ويظهر ذلك في قصيدة " الصمت " التي يبنيها على مثل شعبي جاء على لسان الشيخ الفقيه سيدي عبد الرحمن المجذوب كما يلي :

الصمت حكمة

منو تفرقت

لحكايم

وهكذا،.. فلا نكاد نجد قصيدة في الديوان تخلو من مثل أو حكمة أو كلام تفوح منه عبرة أو موعظة فيها نفع أو فائدة للإنسان.

Description : ▪توظيف الصور الرمزية :

تتعدد النصوص التي يعتمد فيها الشاعر على التصوير الرمزي، ويستخدمه كأداة فنية للتعبير عن المعاني التي تحملها، فقد يوظف شخصية أو حيوانا او أداة او آلة للقيام بهذه المهمة، ويقدمها على شكل إشارة يومئ بها إلى أمور لا يريد أن يذكرها صراحة لغرض في نفسه، أو لأنه يفضل ترك القارئ يكشف عن سر استعمالها ويفك رموزها بنفسه. وقد يلجأ أحيانا إلى استخدام أسلوب التشبيه والتمثيل، ليقرب المعنى إلى ذهن القارئ ويحرك انفعاله أمام الصورة المشبهة، ويجعله يعيش الحالة المعبر عنها أو على الأقل يستوعبها. والقصائد التي يلجأ فيها إلى استعمال هذا النوع من الأسلوب كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

- قصيدة " رحالة " : التي يضرب لنا فيها مثالا رائعا للتضحية في سبيل نشر العلم النافع بين الناس في فترة لم يعد أحد يهتم به، فيشبه نفسه بذلك الرحالة المعروف بترحاله الدائم طلبا للعلم وأخذه عن أهله لنشره بين الناس، ويعبر عن هذه الحالة بقوله :

جلت شلا بلدان

نتسارا بين شموسها

نقطف النجوم الساطعة

ونصاوب به(ا) تسابح

مرصعة بكلام الخير

نهديه لجوامع

ؤ لسواق مسك ؤ عنبر

كما يشبه أهل العلم والعلماء بالشموس، ويرمز بالنجوم الساطعة إلى العلوم والمعارف والدروس التي تلقاها منهم، وصارت مصدر إلهامه في النظم بالكلام الطيب الذي يتوجه به إلى الناس.

ويتخذ من النحلة رمزا للتضحية التي يقدمها في سبيل إسعاد الآخرين، لأن النحلة هي الأخرى تجول بين الحقول لتمتص رحيق الزهور وتصنع منه عسلا سائغا لائغا للناس من غير مقابل.

- قصيدة " الواد " : هي الأخرى، تحتوي على صور رمزية من نوع آخر، فبدل أن يأتي بصورة يكون فيها المشبه به أقوى وأعلى من المشبه ويشبه الإنسان الكاظم لأسراره بذلك الواد الذي يصعب الكشف عن أغواره، نجده يقلب الصورة فيشبه الواد بالإنسان :

الواد بحال بنادم فسرارو

إڴولك عندي عود ف داري

ؤ هو كيعلف حمارو

ويعتبر هذا النوع من التشبيه مظهرا من مظاهر الإبداع والافتنان في الكلام عند أصحاب البلاغة، ويسمونه بالتشبيه المقلوب.

لكن الذي يفيده ويفيدنا في هذه القصيدة ليس الواد في حد ذاته، وإنما تلك الصورة الطبيعية التي يستجليها منه ليرمز بها إلى ذلك الإنسان الذي يُظهر خلاف ما يبطن، أي ذلك الإنسان الذي يبدي لك الاحترام والخير والمحبة والإخلاص، لكنه يكن في ضميره الشر والغش والنفاق...

- ونفس الصورة الرمزية يعيد ذكرها في قصيدة " البير المظلام "، فيتحدث إلى البئر الجاف ويسائله عن أحواله وأسراره وعن أسباب سكونه وهجر السقاة له، لكنه في الحقيقة يريد أن يرمز بهذه الحالة إلى ذلك الإنسان الذي كان يغدق على الفقراء والمحتاجين عندما كان طليق اليد، ولما أصبحت يده مغلولة وحبس جوده وكرمه، هجره الناس والأقرباء، وصار يعيش في عزلة ويعاني من الوحدة والهم والغم.

إلى غير ذلك من الصور الرمزية التي أجاد الشاعر في توظيفها في أغلب قصائد الديوان، ولقد اخترت هنا بعضا منها هنا فقط للتدليل على وجودها ولإبراز نوعيتها، ولعل أهم هذه القصائد في رأيى هي هذه التي جئت على ذكرها، إلى جانب قصائد أخرى وهي كثيرة، مثل قصيدة (دون كيشوط)، وقصيدة (مال الحرف جفاني)، وقصيدة (سوق الظلمة)، وقصيدة ( شمعة بلا فتيلة) ... لكن الديوان لا يحتوي على الصور الرمزية أو على الخصائص الفنية أو اللغوية فقط، إنه يخفي بين دفاته " أسرارا " كثيرة، شأنه في ذلك شأن البير المظلام، أتمنى أن يأتي من يكشف عنها الغطاء في يوم من الأيام...

-----------------

(1) شاعر وروائي مغربي، من مواليد مدينة أبركان، جار قريب وصديق طفولة وشبيب للأستاذ محمد مهداوي، تربى وترعرع معه في نفس الحي إلى شاءت الظروف العلمية والمهنية أن تباعد بينهما، لكنهما لا زالا على اتصال مستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعية. يقطن حاليا بالديار الفرنسية ويزاول مهنة الأستاذية بإحدى جامعاتها.

(2) - ذ. محمد سعود فنان ورسام تشكيلي من مواليد مدينة أبركان، يظهر اسمه على قائمة مشاهير الفنانين التشكيليين المعاصرين والمعروفين عالميا، شارك في عدة تظاهرات فنية عالمية، وفي عدة صالونات ومهرجانات دولية، ولا زالت أعماله تحظى بإقبال كبير، حصل على العديد من الجوائز وكُرِّم مرات ومرات على إنجازاته الفنية الرائعة.

(3) - الاستاذ محمد مهداوي مجاز في اللغة العربية وآدابها بجامعة محمد الأول، يزاول حاليا مهنة أستاذ اللغة العربية، مهنة تقلدها منذ ثلاثة عقود. بالإضافة إلى كونه زجالا، فهو شاعر وناقد وقاص، له عدة أعمال ابداعية وأدبية منشورة في العديد من المواقع والمجلات الإلكترونية والمكتوبة، نال عدة أوسمة ومُنح شواهد تقديرية كثيرة.

 

 


على صفحات جريدة الحدث الثقافي الورقية تم نشر الجزء الأول من القراءة النقدية للناقد الكبير محمد موح ....نشكره على قراءته الراقية...والشكر موصول أيضا للصحافي المقتدر والنشيط السي   عبدالقادر بوراس

 


 

................................................................

 ذ. الحسن مسليك

أخي وصديقي الأستاذ سي محمد مهداوي المعزز والمحترم :
من قلب الحسن مسليك أحيك بتحية الأخوة الصادقة متمنيا لك دوام العز والتألق لأنك من طينة الأدباء حقاااا حرفا وخلقا وصحبة وبأجمل التحيات  وبأقرب الدعاوات لله رب العالمين إنشادة وراجيا أن يمدك يد العون في مسيرتك الأدبية وفي حياتك اليومية وخاب أو ضاع من لا يعرفك أيها الأستاذ البشوش دوما والساعي بكل حواسه للخير والقيم الحسنة أخي الكريم حفظك الله رب العالمين.
فعلا تستاهل كل الاحترام والتقدير والمحبة وهذه شهادة وليست مجاملة لأنني مند مدة وأنا أعرفك حتى ولو لم تسمح لنا الظروف باللقاء يوما ما في هذه الدنيا مادمنا أحياء فيها؛ متمنيا من العلي القدير أن يجمع بينا يوما ما بإذن الله في لقاء أدبي أو غيره
.
كما أنني قد اشتغلت معكم مدة طويلة جدا في منتدى الزجل المغربي الأصيل كمدير للمجلة لمدة طويلة لن أنساها مهما طال الزمان أبدا أبدا  ؛ كما أنها أعطتني تزكية والتي لم تكن في الحسبان لكن حينما واجهت الواقع واجهت أشياء من ورائها حينما واجهت تشكيل الجمعية مع أناس ذو مستوى كبير يا حصرة لكن حبهم للمال بدلا من الحرف في إيصال المعرفة جعلني أـخلى عن متابعة هذا الموضوع لإخراجه للواقع وتنفيذه وبقيت التزكية أحتفظ بها دون إخراجها للواقع ومن هذا المنبر أتوجه لله داعيا للأستاذ امحير والأستاذ العربي الزايري كامل الشكر والتقدير والاحترام ودعوات الخير اللامحدوة هذا من جهة ولكم أيضا
.
ومن جهة اخرى أرجو لكم العون والسداد والحرف لكم طائعا نافعا ومنتفعا لكم ولكل الأجيال
....

كما أود أن أشكرك ثانية أنت يأستاذ المحترم سي محمد مهداوي والأستاذ الجليل أستاذنا الغالي أيضا في القلب الأستاذ سي سعيد بوطرين لأن صحبتكم لي معكم كالأخلاء . وشاكركم عن الجهد الذي قمتم به في إخراج للواقع دواوين مشتركة للأدباء الذين لن يبخلوا عنكم بدعوات الشكر ورحمة الخالق، في تحقيقكم هذه التي لم تكن من ذي قبل والتي لم تطرح على بال أحد من قبل .
دام عزكم ووقركم وشأنكم لي ولكل الأعزاء في ربوع الوطن وكذا في كل الدول العربية والغربية
.
أما عن القصيدة أو القصة  لباردي والفردي أعلاه روعة ومميزة أفادتنا بالكثير من الأشياء التي لا يعرفها الكثير من أهل جيل وطننا الحبيب أما عن كل قصائدك فلها وزن كبير وذا شأن في الساحة الأدبية شكرااااا شكررررا من القلب
.
وتقبلوا مني أزكى التحيات من القلب
.
                                                    إمضاء وتوقيع أخوكم في الله وفي الحرف : الحسن مسليك الملقب بمجدوب الواقع

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

فضاء الزجل والشعر 

 

Compteur Global gratuit sans inscription