بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبد الله الزغلي

 

 

12 - سيرة جيل ومكان

مقطع من شريط...1

كانت عين الركّادة مع خمسينات القرن العشرين يؤثثها " دكان أمحمد أقدار " بني على الجهة الجنوبية من العين والطريق الرئيسية ، رجل يقارب سن السبعين ، يرتدي جلبابا صوفيا يزناسنيا ، ويعصب رأسه بعمامة نقية ناصعة البياض .اختار الإقامة بدكانه ، حيث غادر الدوار بعد وفاة زوجته في أربعينات القرن العشرين ، يبيع بعض حاجيات قاصديه ، من زيت وسكر وشاي وقهوة وشمع ...

كان نشيطا رغم كبر سنه ، يتنقل بين العين ودكانه ، ويهيئ طعامه بنظام ، ويعتني بحديقته التي تزينها نخلة متوسطة العلو ، فيزرع تحتها بعض الخضر ، والنعناع ، يحرس حديقته ، ويدافع عن شجرة التين التي تربض يسار الدكان ، تجود بغلتها ، وظلالها في فصل الصيف .

علق الاستعمار الفرنسي هاتفا بداخل الدكان على حائطه الشرقي ، غالبا ما كان يستعمله المعمر مورلو للاتصال بالمصالح الفرنسية ببركان ووجدة ، كان أحمد رفقة زملائه يتلصصون من الباب على مشاهدة هذه الآلة ، التي كانت عبارة عن قطعة حديدية أو خشبية معلقة على الحائط ، يتقدمها ما يشبه الميكروفون الحالي ، يقرب الشخص فمه منها وهو يتحدث ، وعلقت على جانبها الأيسر قطعة دائرية الشكل يأخذها المتحدث ويضعها على أذنه ، لقد كان الهاتف بالنسبة لهم من أعاجيب العصر .

على الجانب الشرقي للدكان ، يوجد المقهى ، وهو عبارة عن غرفة متوسطة الحــجم يؤمها شباب عين الركّادة ، بعد الانتهاء من العمل المضني ، وكذا بعد التسوق يوم الثلاثاء .

كانت المقهى تعج بالرواد ، يجتمعون على لعب الورق ، فيكثر الضجيج والصخب ، يختلط فيه الضحك والفكاهة ، بالسب والشتم والمشاداة .

على يسار الطريق المؤدية إلى دوار " إينعار " شمال العين يوجد دكان ثان ، لصاحبه " بوزيان ولد الحاج ابراهيم الينعوري " ، كان شابا ، جميل المظهر والمنظر ، تبدو عليه آثار النعمة ، مرحا بشوشا يبيع بعض متطلبات ساكنة الجهة ، ويتجمع لديه زمرة من الأصدقاء غالبا في الأماسي ، من عمال ضيعة مورلو، يتقدمهم أحمد الشافعي " كوميس " الضيعة ، وإلى يمين الباب ، كان " السي أمْحمّد الينعوري" يزاول مهنة الحلاقة للصبيان والكبار ، ولم تكن أدوات عمله تتعدى كرسيا متواضعا ،ومقصا ومشطـا ،وقطعة ثوب يعلقها على عنق الزبون ، كما تعلق لفائف الكتان بالولي الصالح " سيدي بوصبر"

كان " السي أمحمد " ضعيف البنية ، متوسط القامة ، حافظا لكتاب الله ، صبورا متخلقا ، قليل الكلام ، وإن تكلم ففي أدب ، لايعادي أحدا ، يدعو إلى عمل الخير ويدل عليه ، كان محبوبا لدى الناس ، بفضل الوقار الذي يجلل محياه ، رجل ثقة وخير ....... يتــــبع

 .........................................................                                                                           
مقطع من شريط ...2

استقل المغرب عام 1956 فكان عهدا جديدا بالنسبة للساكنة ، التي عبرت عن فرحتها وبهجتها ، وكلها أمل في عهد يفيض بالخير والبركات .
استيقظ الناس على شيء اسمه تدريس الأبناء في مؤسسات التعليم العمومي ، هذا التدريس الذي كان حكرا على المستعمر الفرنسي ، وأبناء الأعيان ، ومن يسير في فلكه .
هب الآباء ذات صباح من صباحات شهر أكتوبر رفقة أبنائهم ، من مختلف الأعمـار ، واحتشــدوا أمام العين ، كان أحمد رفقة أخيه " يحي " الذي يكبره بسنتين ، رفقة والدهما من بين المحتشدين ، إلى جانب أبناء العمومة والخؤولة ، والجيران ، احتشدوا من كل دوار ، إنها رغبة الآباء في تعليم أبنائهم ، وتعويض ما فات من حظوظ التعليم بالنسبة لهم ، ولأبناء جيلهم
تكرم المعمر " شقرون " بسكن يتكون من غرفة ، ومطبخ ، يقع إلى الجهة الغربية من العين ، ويطل عليها ، ويدخل ضمن محيط ضيعته ، من الجهة الشرقية ، كدست به بعض المقاعد الخشبية المستعملة ، جيء بها من متلاشيات مؤسسات أبناء المعمرين من مدينة أبركان .
اقتعدها التلاميذ في زحمة ، بمعدل أربعة تلاميذ إلى خمسة في كل مقعد، التصق أحمد رفقة أخيه واثنين من أبناء الدوار بأحدها .
كان الدخول لأول مرة إلى القسم ، بعد حضور المعلم " السي عبدالرحمان " القادم من مدينة أبركان ، نظم وقوف التلاميذ على شكل صف مقابل الباب ، وأمرهم بالدخول الواحد تلو الآخر ، وقف التلميذ الخامس حين وصل إلى الباب ، خلع نعليه ، وتقدم إلى الداخل حافي القدمين ، أوقفه المعلم بطريقة هادئة ، وأمره بأن ينتعل نعليه ، موضحا أن خلع النعال يتم أثناء الدخول إلى المساجد .
فرح الجميع بهذا الفتح العظيم ، التحاق الأبناء بالدراسة ، رغم اكتظاظ الفصل الدراسي وضيقه ، وغياب أدوات الدراسة والتعليم
كان جل محافظ التلاميذ مخيطة من قطع الثياب البالية ، تحمل دفترا ولوحا ، وريشة ، وبعض الخبز الذي يتناوله التلاميذ أثناء فترة الاستراحة .
كانت الفترة الدراسية تمتد من الساعة السابعة صباحا إلى غاية الواحدة 
بعد الظهر ، يتخللها بعض الوقت للاستراحة ، ويتذكر أحمد أنه في اليوم الأول من الدراسة حين أخرجهم المعلم للاستراحة ، أمسك بيد أخيه وسارا معا في اتجاه الجنوب ، قاصدين الدوار ، إلا أن أحد التلاميذ التحق بهما بأمر من المعلم وطلب منهما العودة ، لإتمام الفترة الدراسية التي لم تنته بعد
كان التلاميذ يتنقلون جماعات وفرادى من الدواوير في اتجاه المدرسة ، وعندما يتكاثر عددهم ، يُـرون من بعيد متتابعين كما يتتابع قطيع الماشية في سيره ، يثيرون النقع ، ويحثون الخطى للالتحاق بمنازلهم .
أمام امتلاء الفصل الدراسي بالتلاميذ ، وعدم قدرته على احتوائهم ، وتباعد سن التلاميذ حيث يصل الفارق عند البعض إلى خمس سنوات ، فكر المسؤولون ، في تقسيم الفصل إلى فوجين : فوج الصباح ، وفوج المساء ، واستقدموا معلما ثانيا هو " السي إدريس " الذي كان يقطن بمدينة وجدة ....... يتبع

 .........................................................

مقطع من شـــريط .... 3
..... كان أحمد في سن التاسعة ، وإلى جانبه مجموعة من أبناء عين الركّادة في نفس السن ، عدا قلة منهم تلك التي تجاوزت هذه السن بقليل ، كانوا يتنقلون إلى مدرستهم الأولى مشيا على الأقدام ، يجتمعون إليها من الدواوبر التي تحيط بها ، يغدون ويروحون ، جماعات جماعات ، يُشاهَدون من طرف أوليائهم من بعيد ، وهم يتنقلون عبر الطرق الموصلة إلى منازلهم ، يرافقون ذويهم ، وجيرانهم ، حيث كان الكل في خدمتهم ، والطرقات ملأى دائما بالمارة ، خالية من العربات التي تهدد حياتهم ، فلم يكونوا يشعرون بالخوف أو الهلع ، يتنقلون في نشوة وفرح .
انتقلوا للدراسة بأبركان ، وكانوا جميعهم يمتطون الدراجات الهوائية ، كانت لأوليائهم ، وحولت إليهم ، حبا في تدريس الأبناء .
كان جل التلاميذ يسلكون طريقا واحدة ، ونادرا ما يغيرونها ، إلا إذا وجدت ظروف تستوجب ذلك ، كانت عين الركّادة هي نقطة التجمع والانطلاق ، ومنها تبدأ رحلة الطريق المعبدة ، التي توصل إلى مدينة أبركان .
تبدأ رحلة العشرة كيلومترات ، في سباق مع الزمن ، وإثبات التلميذ القدرة على قطع هذه المسافة ، والبرهنة على الرغبة في الدراسة .
كان التلاميذ وهم على شكل كوكبات متتابعة ، ينعطفون يسارا ، وهم يطلون على المدينة ، عند كدية " البارودي " طريق متربة ، تمر وسط أراض فلاحية ، في أحد جنباتها اليسرى ، يمتد حقل من الكروم ، الذي لازال يحافظ على خضرته ، وهم يقتربون من " الطحطاحة " يستقبلهم مطرح للأزبال والنفايات ، بنيت إلى جانبه بعض الدور البسيطة الواطئة ، في مساحة كبيرة ، كثيرة الأوساخ ، كان هذا التجمع السكاني يعرف لدى الساكنة ب " فيلاج قلوج " .
" الطحطاحة " مساحة واسعة وفارغة ، تحيط بها من جانبيها الغربي والجنوبي بعض الدكاكين ، التي تبيع المواد الغذائية ، وبعض الخضر التي تنتج بالمناطق الجبلية الجنوبية ، يعرضها أصحابها بين الفينة والأخرى في وسطها ، أو على جنباتها .
يقبع بأحد دكاكينها ، " السي بوسيف السكليست " مصلح الدراجات الهوائية ، رجل في مقتبل العمر ، يعمل بجد ، سريع الحركة ، يؤدي عمله بحيوية ونشاط ، لم يعمر طويلا في هذه المهنة ، حيث أصبح شرطيا بالأمن الوطني .
موازاة مع الجانب الغربي للطحطاحة ، تمتد طلوعا زنقة راس فوغال ، وسط حي " لكّرابة " الشعبي ، وغير بعيد منها تقع مدرسة النهضة الحرة ، ببابين ، واحدة للمدير ، وأخرى للتلاميذ . 
كانت دارا للسكنى ، كبيرة المساحة ، تتوسطها ساحة واسعة ، وتحيط بها مجموعة من الحجرات ، حولت إلى أقسام للدراسة ، وزع عليها التلاميذ ، ابتداء من المستوى الأول إلى المستوى الخامس .
مدرسة ضمت أعدادا كبيرة من أبناء المدينة ، ومن تلاميذ الدواوير المحيطة بها ، فكانت بمثابة هيئة الأمم المتحدة ، التي تضم ممثلين عن سكان الكرة الأرضية . 
يدير المدرسة " السي البخاري الطائف البكاوي " ، رجل قصير القامة ، نحيف الجسم ، يرتدي بذلا يتناوب على لبسها ، متنوعة الألوان ، ويضع على رأسه " طربوشا تونسيا " أحمر اللون ، تتدلى منه حزمة خيوط سوداء تزينه ، تتحرك يمنة ويسرة ، وهو يقطع ساحة المدرسة جيئة وذهابا .
كان السي البخاري مديرا طيبا في معاملاته ، نشيطا في تحركاته ، بشوش المحيا ، خفيف الروح ، يتنقل من قسم إلى آخر يتفقد عمل المدرسين ، ويساعدهم على إنجاز أعمالهم في أحسن الظروف . يراقب تحركات التلاميذ ، وينظم عملية دخولهم وخروجهم من الأقسام .
كان بطبعه ميالا إلى النكتة ، وروح الفكاهة ، في جل تدخلاته ، وكان كلما اقترب الشهر الدراسي من نهايته ، يمر بالأقسام واحدا واحدا ، وكلما شاهده التلاميذ مقبلا عليهم ، وهو مبتسم أدركوا قصده ، وقبل الولوج إلى الفصل ، كان يردد باستمرار لازمة أخذها من العروض العربي :
" مستفعلن فاعلن مستفعلن .... " ويُـتـْبعها بضحكة متقطعة ، لطيفة طيبة ، ويقول : " جبتو الواجب الشهري ... ؟ الشهر راه أكمل .... " كانت المدرسة تنفتح جهة الغرب ، عبر ممر ضيق ، على أرض خلاء مملوءة بأشجار السدر ، يؤثثها شريط من التين الشوكي المتشابك ، عبر مسافة متوسطة الطول ، كان الفضاء مكانا لاستراحة التلاميذ في الفترة الصباحية ، ومكانا " للتبول " ، يحيطون بالمكان من كل جهة رغم وجود أماكن النظافة بالمدرسة ، إلا أن الطبع غلب التطبع ، فجل التلاميذ قدموا من الدواوير المحيطة بالمدينة .
كان التلاميذ يتكدسون بالأقسام الدراسية ، بمعدل أربعة تلاميذ بالمقعد الواحد ، وكان أحمد كبقية رفقائه يجدون صعوبة أثناء الكتابة ، تلتقي المرافق وتتدافع فيما بينها ، وتهتز الأيدي ، وتنحرف الكتابة عن مسراها الطبيعي ، وتحدُث بعض المناوشات بينهم ، مما يستدعي تدخل المعلم الذي ينزل بالتلاميذ أشد العقاب ..... يتـــبع 
                                                                                                                                                              ص : 24/25/26/27/28

 .........................................................

مقطــع من شــريط ... 4

انتقل أحمد وجل مجموعة فصله إلى القسم الرابع ، ذكورا وإناثا ، ولم يتخلف أحد من الناجحين ، عدا إحدى التلميذات كانت تقريبا في سن السادسة عشرة من عمرها ، فائقة الجمال ، ذات شعر أسود فاحم ، قص من مقدمته ، أنيقة في لبسها ، لطيفة في تعاملها مع التلاميذ ، مجدة ومجتهدة في عملها .

تساءل التلاميذ عن سبب غيابها ، وسرت وشوشة تفيد بأنها قد تزوجت بأحد مدرسي المدرسة ، تأسف الجميع رغم صغر سنهم ، وهم يقارنون سنها بسن من تزوجها ، حيث تجاوز الثلاثين من عمره .

من بين المعلمين الذين تركوا أثرا طيبا في نفس أحمد وزملائه ، المعلم " السي عبدالقادر " كان جزائريا من بين الذين دخلوا إلى مدينة أبركان بعد قيام الثورة الجزائرية سنة 1954 ، كان طويل القامة ، وسيما في مظهره ، غالبا ما يظهر ببذلته السوداء ، وربطة عنقه التي تزين هندامه ، بدأه الصلع ، وقد أكل جزءا من مقدمة رأسه .

كان مدرسا للغة العربية ، منظما في عمله ، متحكما في ضبط جو الفصل الدراسي ، فارضا لهيبته ، متمكنا من مادته ، يحترمه الجميع دون استخدام العصا ، إلا نادرا .

استفاد أحمد وزملاؤه منه كثيرا ، وتقوت لغتهم ، بقواعدها وتعابيرها وأساليبها ، وعوضوا الكثير مما ضاع منهم من قبل .

فكر " السي البخاري " في إيجاد معلم للتربية البدنية ، فهي مادة مهمة كما كان يقول ــ تقوي العضلات ، وتهذب النفس ، وتنشط الفكر ، وتساعد على التعلم الجيد ــ .

أحضر مدرسا من مدينة وجدة هو " السي الحسين " كان رغم صغر سنه الذي يقارب الثلاثين ، يبدو وكأنه تجاوز الخمسين ، متوسط القامة ، نحيل الجسم ، مقوس الظهر والكتفين ، كثير الكلام .

لم تكن المدرسة تتوفر على ساحة لممارسة الأنشطة الرياضية ، وكان " السي الحسين " تابعا لمندوبية الشبيبة والرياضة ، فاختار الملعب البلدي للمدينة ، لممارسة هذه الأنشطة .

كان أحمد يصطف رفقة زملاء القسم ، ويتوجهون من المدرسة إلى الملعب مشيا على الأقدام ـ وكان هذا جزءا من الرياضة ــ وبالملعب البلدي كان " السي الحسين " يركز على اللف والدوران حول محيط الملعب ، في كل مرة يحدد عددا من الدورات ، يقطعها التلاميذ متتابعين وهم يلهثون ، وقد تدلت ألسنتهم ، نظرا لصغر سنهم ، في الوقت الذي يستلقي فيه تحت ظل شجرة ، يراقبهم من بعيد .

كانت التربية البدنية بالنسبة " للسي الحسين " هي الإجهاد والمبالغة في كل شيء ، وكان يردد باستمرار ، " سأصنع منكم أبطالا في رياضة الجري " ، وكان بين الحين والآخر يرمي إليهم بكرة اليد ، لإجراء مقابلة في كرة القدم .

ينشطر التلاميذ إلى شطرين ، وينطلقون راكضين مهرولين ، دون رقيب ولا موجه ، لايعرفون أي شيء عن قانون اللعبة ، ولايتوقفون عن اللعب حتى يحسوا بأن قلوبهم كادت أن تتوقف عن النبض .

جلس إليهم ذات مرة ، وهم قعود على شكلٍ دائري ، وقد جلس أحمد في المقدمة ، وأخذ يقص عليهم تفاصيل الحادثة التي تعرض لها قائلا: كنت سائرا في الطريق ، وأنا راكب على دراجتي الهوائية ، وفجأة صدمتني حافلة قادمة من الطرف المقابل ، سقطت أرضا أمام عجلتها الأمامية ، وهي مقبلة نحوي ، حاولت أن أتدحرج بعيدا عنها ، إلا أنها زاحمتني ، ورأيتها تقترب من صدري ، ولما كنت رياضيا ، نفخت صدري ، وملأته بالهواء ، وحبست الأنفاس ، مرت العجلة فوق صدري، وبعد ذلك ، أفرغت صدري من الهواء وانتفضت واقفا . .... يتـــبع

ص : 30/31/32

.........................................................

مقطع من شريط ..... 5

تقع المدرسة إلى يمين الفندق غير بعيدة منه ، يقابلها من جهة الشرق الباب الغربي ، وحديقته ، وتطل على أرض خلاء محاطة بسور ، تتوسط طـرقا تـؤدي إلى باب سيدي عبدالوهاب ووادي الناشف ، وسيدي يحي وشارع محمد الخامس .

مدرسة بناها الوطنيون ، بمساعدات إحسانية من المدينـة وخارجـها ،

ففي شهر أكتوبر من سـنة 1961 كان بناء بعض المرافق لم يكتمل بعد، حيث كانت الأشغال قائمة في تهيئة ساحة المدرسة ، واستغرق ذلك فترة طويلة من السنة الدراسية .

كان الحفر مستمرا خصوصا في الجهة المواجهة للمدرسة ، حيث تنتصب شجرة " بطم " بشموخ ، تجثم على الزاوية الخلفية للساحة ، وتغطي مساحة مهمة منها .

كان العمال بين الحين والآخر يستخرجون بقايا هياكل عظمية آدمية ، وهم يحاولون تسوية الأرض ، وإصلاح ساحة المدرسة ، التي بنيت على أنقاض مقبرة منسية ، توقف الدفن بها منذ أمد بعيد ، وكان التلاميذ يسمون مدرستهم " مدرسة القبور " كانت هذه العظام تـُجْـمع وتوضع تحت الشجرة الضخمة لتنقل إلى مقبرة أخرى .

كان أحمد كباقي التلاميذ يجتمعون في فترة الاستراحة حول هذه العظام والجماجم ينظرون إليها في خوف وارتياب ، والعمال منهمكون في عملهم بصورة عادية ومعتادة .

كان يتخيل وهو يتنقل وسط المدرسة ، كأنه يطأ أجسادا آدمية ، يؤذيها وهي تئن تحت قدميه كما علمه فقيه الدوار ، فاحترام الأموات واجب مقدس ، ويتذكر جيدا أنه عندما كان يزور مقبرة " سيدي رحمون " رفقة والدته لزيارة أبنائها الخمسة المدفونين بها ، إلى جانب الأجداد والأعمام والأخوال ، والجيران ، كانا يسيران جنب القبور ، ولا يُـنزلان أقدامهما على أية مقبرة ، وأمه تتمتم وتدعو للأموات بالمغفرة .

لكـنـه واقـع مفروض ، وعلى أحـمد أن ينسجـم مع الجـو العــام ، ومعوضعية المؤسسة وتلاميذها ، يتحرك وسط الساحة ، ويزاول حصص التربية البدنية

 فوقها ، فأصبحت الأمور عادية مع توالي الأيام . ....... يتبع

ص : 59/60/61

.........................................................

مقطع من شريط ..... 6

عامل السي عبدالرحمان تلاميذه معاملة الأب لأبنائه ، يخاطبهم في هدوء يحضنهم ويتقرب إليهم ، بعيدا عن العنف أو التعنيف ، أحبه التلاميذ ، واطمأنوا إليه ، وحبب إليهم المدرسة ، التي جاءت على أنقاض " الجوامع " التي كانت عبارة عن مخافر للشرطة ، يتمنى الصبي أحيانا أن يلقى وسط لهيب نار ، بدل دخول واحد منها ، والجلوس أمام فقيهها الذي كان عبارة عن جلاد للجميع .

يتذكر أحمد في بدايات التحاقه " بجامع إقدارن " الذي يوجد على بعد حوالي 200 متر من دواره ، وكان الفقيه " المشارط " به هو " السي البشير الوشاني " ، وكانت لعائلته قرابة مصاهرة معه ، فبعد مفاوضات عسيرة مع أحمد ، أقنعوه بالالتحاق بالجامع لحفظ بعض سور القرآن الكريم .

في اليوم الأول ، وجد الفقيه جالسا القرفصاء ، بيده عمود طويل لين ، عندما يحركه ويهش به على الصبية يميل ذات اليمين وذات الشمال ، يحدث صوتا كصوت الرياح العاتية ، يرفع صوته بين الحين والآخر ، يسب ويشتم ، والصبية يقرأون جماعة ، يحدثون أصواتا كطنين النحل أو الذباب ، ويكرر في كل مرة ، باللغة الأمازيغية ، وبصوت مرتفع ومتشنج " أغْرَثْ أغْـرَغْ أخْـوَن " ( أقـْراوْ الله يَجْعَـل نَـقْـرا أعْـليكُمْ ) وفي كل مرة يهوي بعموده على أحد الصبية بكل ما يملك من قوة ، يعوي الصبي ويتألم ، ويتلوى من شدة الضربة .... وهو يصيخ السمع ، انتبه إلى قراءة أحد التلاميذ الجالس أمامه ، لاحظ ما لاحظ ، وهو العارف بما لاحظ ، انقض عليه بكلتي يديه ، جذبه إليه ، وأشبعه ضربا ولطما وعضا ، فبدا الصبي كفريسة وقعت بين فكي ومخالب نمر يحاول أن يمزقها ، وقد عم الخوف والرعب بقية الصبية ، وهم ينتظرون انقضاض الفقيه عليهم .

أخرج الفقيه الصبية لاستراحة الصباح ، قبل العودة لمواصلة فترة الضحى ، ابتعد أحمد قليلا عن جدار " الجامع " ، رمى بعينيه ناحية الدوار، وأطلق ساقيه للريح ، يجري بسرعة البرق، فارا ونائيا بنفسه.

 

.........................................................

مقطع من شريط ..... 7

كان أحمد يركن دراجته رفقة كل التلاميذ القادمين من البادية ، بمسكن قريب من المدرسة ، وتابع لها ، يتسارعون ويتدافعون أثناء الخروج في الفترة المسائية ، خاصة في فصل الشتاء ، لربح بعض الوقت ، والوصول إلى الدوار قبل أن يدركهم الليل .
مع نهاية كل فترة دراسية صباحية ، كانوا يخرجون إلى الضاحية الشرقية للمدينة ، على الطريق التي يسلكونها ، فينتشرون فرادى وجماعات ، يفترشون الأرض ، ويختبئون وراء أشجار السدر ، علها تقيهم بعض زمهرير الرياح العاصفة في فصل الشتاء ، وقد ألقوا بدراجاتهم جانبا ، تبدو وكأنها آليات حرب تنتظر بداية المعركة .
يُـخرج كل واحد زاده ، الذي كان متشابها تقريبا لدى الجميع ، قطع خبز بعض البيض ، شاي بارد في زجاجة ، بطاطس مسلوقة أو مشوية ، حبة طماطم ، وكان منهم من لا يُحضِر أي شيئ ، فيشركه التلاميذ في غذائهم
.
كان يوم الثلاثاء من أحب الأيام لدى أحمد ، وكذا جل رفاقه ، إنه يوم السوق الأسبوعي ، يتلقى في الصباح قبل مغادرة المنزل ، هدية من والده لاتتعدى العشرين أو الثلاثين فرنكا ، يتوجه بها في فترة الغداء إلى أحد المطاعم المتنقلة ، التي كانت عبارة عن "كراريس" تصطف على جنبات السوق ، تقدم لقاصديها ما يشبه قطع لحم مشوية ، و " سردينا " مقليا ، فكانت الهدية التي يتلقاها تفي بالغرض ويحس بسعادة لامثيل لها ، كما كان يوم الأربعاء الذي يليه يوما سعيدا بالنسبة لجل التلاميذ ، لأن الأمهات كن يحتفظن ببعض " وزيعة " الثلاثاء ، ويقدمنها للأبناء ، كوجبة غذاء ممتعة
.
كان أحمد في " يوم السوق " يزور جده ، الذي كان رجلا مسنا لكنه لايزال نشيطا في عمله ، هو وصديقه " أفقير العربي المزوني " يبيعان " الملح" داخل السوق في ملتقى ممرين ، يقتعد كل واحد منهما زاوية منه ، ويضع أمامه قفة ملح كبيرة مع مكاييل متنوعة الأحجام ، تحدث شقشقة كلما أغطست في كومة الملح لتجرفها ، يجلس أحمد إلى جانب جده يراقب المتسوقين وهم يفتحون أكياسهم ، ليفرغ مكيال الملح الذي يطلبونه ، جلهم من كبار السن ، يتبادلون الحديث ، يمزحون ويضحكون بأصوات عالية ومرتفعة ، يعود الجد بين الحين والآخر إلى أحمد ، يحادثه ، ويضاحكه ، ويدعوه إلى الاهتمام بدراسته حتى لايصبح فيما بعد بائع ملح كجده ، وقبل أن يغادره ينفحه ببعض الفرنكات ، وينطلق فرحا محبورا إلى المطعم المتنقل ، جوار سور السوق.

.........................................................


مقطع من شريــط ... 8
يتنقل التلاميذ من دواويرهم إلى المدرسة مشيا على الأقدام ، وكانت أحوالهم تسوء مع حلول فصل الشتاء ، فصل الأمطار ، والرياح الهوجاء الباردة ، يلتصقون بجدران الفصل الدراسي ، و " دار الكانتوني " وجدار " سيلون شقرون " علها تحجب عنهم بعض سموم الرياح الباردة ، والأمطار المتهاطلة ، يدخلون إلى القسم ، وثيابهم الرثة تقطر ماء ، وأجسادهم ترتعد وترتج .
كان أحمد يسير دائما رفقة أخيه " يحي " المريض ، وإن تخلف عن جماعة التلاميذ التي تنطلق مسرعة نحو دواويرها

كان يتألم كثيرا لوضع أخيه ، وينهره أحيانا ــ رغم كونه أكبر منه سنا ــ حيث كان يرغب دائما في مرافقة أصحابه ، إلا أن أخاه لم يكن يقوى على مسايرتهم .
كان أخوه يشعر بالعياء التام ، ويضيق تنفسه ، ويسْودّ وجهه وشفتاه ، ويجلس القرفصاء على الأرض ، بعد قطع مسافة ليست بالطويلة ، وكان يطلب من أخيه أحمد أن يرافق الصبية ، على أن يصل هو إلى الدوار فيما بعد ، إلا أن أحمد ما كان ليترك أخاه وحيدا ، بل يلازمه حتى يصلا سويا
كان كلما عاتبته والدته ، عن التأخر وعدم مرافقة بقية التلاميذ ، يجيبها مبتسما
ــ يا أمي ، أتعمد ذلك حتى أوقد نارا لأتدفأ بها بمفردي .... ! ، يقول المسكين ذلك تهربا من الإعتراف بعجزه ، وعـدم قدرته على المشي طويلا ، والبوح بمعاناته من المرض .
زار يحي رفقة والده الطبيب مرة واحدة ، حين كان الطبيب في ضيافة المعمر مورلو في ضيعته ، حيث رتب المعمر له موعدا ، فحصه ، ولم يقل شيئا ، وأعطاه بعض الحبوب ، فكانت المرة الأولى والأخيرة التي يزور فيها طبيبا
الطبيب في هذه الفترة كان بالنسبة للأهالي من قبيل عجائب الدنيا السبع ، يسمعون عن وجود طبيب فرنسي بمدينة أبركان ، ولا يستطيعون زيارته أو رؤيته ، فكان الطب الشعبي البديل المتوارث هو المعمول به والمعول عليه ، زيارة الأضرحة ، كتابة " لحروز " عند الفقهاء ، وتناول بعض المستحضرات العشبية ، من طرف صيادلة محليين وشعبيين ، معروفين ومصادق على صلاحيتهم من طرف ساكنة الدواوير
كان الفصل ربيعا ، وقد تفتقت السنابل وأطلت من أكمامها وسط الحقول ، يداعبها أحمد وأخوه ، وبقية التلاميذ بأيديهم على جنبات الطريق ، في ذهابهم إلى المدرسة وإيابهم منها ، كانت السنة الفلاحية خصبة معطاء ، فرح لها الفلاحون، واستبشروا بها خيرا .
أصبح " يحي " يشعر بتعب أكثر ، وتضاعفت محطات توقفه ، يحس بضغط أكبر في صدره ، يتنفس بصعوبة ، مما اضطره إلى ملازمة البيت ، والتوقف عن الدراسة في انتظار تحسن حالته الصحية
ذات صباح هم أحمد بالذهاب إلى المدرسة كعادته ، طلبت منه أمه ألا يذهب ، خرج للعب في ساحة الدوار ، بعد مدة زمنية يسيرة ، سمع صراخا قويا وضجيجا وعويلا ناحية منزله ، انطلق جاريا ، فرأى مشهدا لم يفارق وجدانه وذاكرته أبدا ، رأى أمه تصرخ وتعول ، وتنطلق نحو الباب ، وجدار البيت تلطمه بجسمها ورأسها ، وقد التفت حولها نساء الدوار يمنعنها من فعل ذلك ، تتخبط وتضرب الأرض بيديها ورأسها ورجليها ، كانت الأم مكلومة ، فيحي هو الإبن الخامس الذي تفقده ، حيث فقدت الأمل نهائيا في بقاء أي أحد من أبنائها على قيد الحياة
في هذه اللحظة أدرك أحمد معنى الموت ، ما كان يتخيل أبدا أن يحي سيغادره إلى الأبد رغم مرضه ، وما كان يعلم أن المرض قد يؤدي إلى الموت ، فيحي مريض سيشفى أو سيبقى كما هو ، إلا أنه تيقن أن يحي لن يرافقه من الآن فصاعدا إلى المدرسة ، حين وجد نفسه يخرج من البيت وحيدا ، ويعود إليه وحيدا كما خرج .

 .

ملحوظة : الكتاب لم يصدر بعد

 

 

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط هنا

.........................................

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

فضاء الشعر والزجل والقصص

Compteur Global gratuit sans inscription