بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبد الله الزغلي

 

 

12 - سيرة جيل ومكان

مقطع من شريط

كانت عين الركّادة مع خمسينات القرن العشرين يؤثثها " دكان أمحمد أقدار " بني على الجهة الجنوبية من العين والطريق الرئيسية ، رجل يقارب سن السبعين ، يرتدي جلبابا صوفيا يزناسنيا ، ويعصب رأسه بعمامة نقية ناصعة البياض .اختار الإقامة بدكانه ، حيث غادر الدوار بعد وفاة زوجته في أربعينات القرن العشرين ، يبيع بعض حاجيات قاصديه ، من زيت وسكر وشاي وقهوة وشمع ...

كان نشيطا رغم كبر سنه ، يتنقل بين العين ودكانه ، ويهيئ طعامه بنظام ، ويعتني بحديقته التي تزينها نخلة متوسطة العلو ، فيزرع تحتها بعض الخضر ، والنعناع ، يحرس حديقته ، ويدافع عن شجرة التين التي تربض يسار الدكان ، تجود بغلتها ، وظلالها في فصل الصيف .

علق الاستعمار الفرنسي هاتفا بداخل الدكان على حائطه الشرقي ، غالبا ما كان يستعمله المعمر مورلو للاتصال بالمصالح الفرنسية ببركان ووجدة ، كان أحمد رفقة زملائه يتلصصون من الباب على مشاهدة هذه الآلة ، التي كانت عبارة عن قطعة حديدية أو خشبية معلقة على الحائط ، يتقدمها ما يشبه الميكروفون الحالي ، يقرب الشخص فمه منها وهو يتحدث ، وعلقت على جانبها الأيسر قطعة دائرية الشكل يأخذها المتحدث ويضعها على أذنه ، لقد كان الهاتف بالنسبة لهم من أعاجيب العصر .

على الجانب الشرقي للدكان ، يوجد المقهى ، وهو عبارة عن غرفة متوسطة الحــجم يؤمها شباب عين الركّادة ، بعد الانتهاء من العمل المضني ، وكذا بعد التسوق يوم الثلاثاء .

كانت المقهى تعج بالرواد ، يجتمعون على لعب الورق ، فيكثر الضجيج والصخب ، يختلط فيه الضحك والفكاهة ، بالسب والشتم والمشاداة .

على يسار الطريق المؤدية إلى دوار " إينعار " شمال العين يوجد دكان ثان ، لصاحبه " بوزيان ولد الحاج ابراهيم الينعوري " ، كان شابا ، جميل المظهر والمنظر ، تبدو عليه آثار النعمة ، مرحا بشوشا يبيع بعض متطلبات ساكنة الجهة ، ويتجمع لديه زمرة من الأصدقاء غالبا في الأماسي ، من عمال ضيعة مورلو، يتقدمهم أحمد الشافعي " كوميس " الضيعة ، وإلى يمين الباب ، كان " السي أمْحمّد الينعوري" يزاول مهنة الحلاقة للصبيان والكبار ، ولم تكن أدوات عمله تتعدى كرسيا متواضعا ،ومقصا ومشطـا ،وقطعة ثوب يعلقها على عنق الزبون ، كما تعلق لفائف الكتان بالولي الصالح " سيدي بوصبر"

كان " السي أمحمد " ضعيف البنية ، متوسط القامة ، حافظا لكتاب الله ، صبورا متخلقا ، قليل الكلام ، وإن تكلم ففي أدب ، لايعادي أحدا ، يدعو إلى عمل الخير ويدل عليه ، كان محبوبا لدى الناس ، بفضل الوقار الذي يجلل محياه ، رجل ثقة وخير ....... يتــــبع

 .........................................................                                                                           
مقطع من شريط ...2

استقل المغرب عام 1956 فكان عهدا جديدا بالنسبة للساكنة ، التي عبرت عن فرحتها وبهجتها ، وكلها أمل في عهد يفيض بالخير والبركات .
استيقظ الناس على شيء اسمه تدريس الأبناء في مؤسسات التعليم العمومي ، هذا التدريس الذي كان حكرا على المستعمر الفرنسي ، وأبناء الأعيان ، ومن يسير في فلكه .
هب الآباء ذات صباح من صباحات شهر أكتوبر رفقة أبنائهم ، من مختلف الأعمـار ، واحتشــدوا أمام العين ، كان أحمد رفقة أخيه " يحي " الذي يكبره بسنتين ، رفقة والدهما من بين المحتشدين ، إلى جانب أبناء العمومة والخؤولة ، والجيران ، احتشدوا من كل دوار ، إنها رغبة الآباء في تعليم أبنائهم ، وتعويض ما فات من حظوظ التعليم بالنسبة لهم ، ولأبناء جيلهم
تكرم المعمر " شقرون " بسكن يتكون من غرفة ، ومطبخ ، يقع إلى الجهة الغربية من العين ، ويطل عليها ، ويدخل ضمن محيط ضيعته ، من الجهة الشرقية ، كدست به بعض المقاعد الخشبية المستعملة ، جيء بها من متلاشيات مؤسسات أبناء المعمرين من مدينة أبركان .
اقتعدها التلاميذ في زحمة ، بمعدل أربعة تلاميذ إلى خمسة في كل مقعد، التصق أحمد رفقة أخيه واثنين من أبناء الدوار بأحدها .
كان الدخول لأول مرة إلى القسم ، بعد حضور المعلم " السي عبدالرحمان " القادم من مدينة أبركان ، نظم وقوف التلاميذ على شكل صف مقابل الباب ، وأمرهم بالدخول الواحد تلو الآخر ، وقف التلميذ الخامس حين وصل إلى الباب ، خلع نعليه ، وتقدم إلى الداخل حافي القدمين ، أوقفه المعلم بطريقة هادئة ، وأمره بأن ينتعل نعليه ، موضحا أن خلع النعال يتم أثناء الدخول إلى المساجد .
فرح الجميع بهذا الفتح العظيم ، التحاق الأبناء بالدراسة ، رغم اكتظاظ الفصل الدراسي وضيقه ، وغياب أدوات الدراسة والتعليم
كان جل محافظ التلاميذ مخيطة من قطع الثياب البالية ، تحمل دفترا ولوحا ، وريشة ، وبعض الخبز الذي يتناوله التلاميذ أثناء فترة الاستراحة .
كانت الفترة الدراسية تمتد من الساعة السابعة صباحا إلى غاية الواحدة 
بعد الظهر ، يتخللها بعض الوقت للاستراحة ، ويتذكر أحمد أنه في اليوم الأول من الدراسة حين أخرجهم المعلم للاستراحة ، أمسك بيد أخيه وسارا معا في اتجاه الجنوب ، قاصدين الدوار ، إلا أن أحد التلاميذ التحق بهما بأمر من المعلم وطلب منهما العودة ، لإتمام الفترة الدراسية التي لم تنته بعد
كان التلاميذ يتنقلون جماعات وفرادى من الدواوير في اتجاه المدرسة ، وعندما يتكاثر عددهم ، يُـرون من بعيد متتابعين كما يتتابع قطيع الماشية في سيره ، يثيرون النقع ، ويحثون الخطى للالتحاق بمنازلهم .
أمام امتلاء الفصل الدراسي بالتلاميذ ، وعدم قدرته على احتوائهم ، وتباعد سن التلاميذ حيث يصل الفارق عند البعض إلى خمس سنوات ، فكر المسؤولون ، في تقسيم الفصل إلى فوجين : فوج الصباح ، وفوج المساء ، واستقدموا معلما ثانيا هو " السي إدريس " الذي كان يقطن بمدينة وجدة ....... يتبع

 .........................................................

مقطع من شـــريط .... 3
..... كان أحمد في سن التاسعة ، وإلى جانبه مجموعة من أبناء عين الركّادة في نفس السن ، عدا قلة منهم تلك التي تجاوزت هذه السن بقليل ، كانوا يتنقلون إلى مدرستهم الأولى مشيا على الأقدام ، يجتمعون إليها من الدواوبر التي تحيط بها ، يغدون ويروحون ، جماعات جماعات ، يُشاهَدون من طرف أوليائهم من بعيد ، وهم يتنقلون عبر الطرق الموصلة إلى منازلهم ، يرافقون ذويهم ، وجيرانهم ، حيث كان الكل في خدمتهم ، والطرقات ملأى دائما بالمارة ، خالية من العربات التي تهدد حياتهم ، فلم يكونوا يشعرون بالخوف أو الهلع ، يتنقلون في نشوة وفرح .
انتقلوا للدراسة بأبركان ، وكانوا جميعهم يمتطون الدراجات الهوائية ، كانت لأوليائهم ، وحولت إليهم ، حبا في تدريس الأبناء .
كان جل التلاميذ يسلكون طريقا واحدة ، ونادرا ما يغيرونها ، إلا إذا وجدت ظروف تستوجب ذلك ، كانت عين الركّادة هي نقطة التجمع والانطلاق ، ومنها تبدأ رحلة الطريق المعبدة ، التي توصل إلى مدينة أبركان .
تبدأ رحلة العشرة كيلومترات ، في سباق مع الزمن ، وإثبات التلميذ القدرة على قطع هذه المسافة ، والبرهنة على الرغبة في الدراسة .
كان التلاميذ وهم على شكل كوكبات متتابعة ، ينعطفون يسارا ، وهم يطلون على المدينة ، عند كدية " البارودي " طريق متربة ، تمر وسط أراض فلاحية ، في أحد جنباتها اليسرى ، يمتد حقل من الكروم ، الذي لازال يحافظ على خضرته ، وهم يقتربون من " الطحطاحة " يستقبلهم مطرح للأزبال والنفايات ، بنيت إلى جانبه بعض الدور البسيطة الواطئة ، في مساحة كبيرة ، كثيرة الأوساخ ، كان هذا التجمع السكاني يعرف لدى الساكنة ب " فيلاج قلوج " .
" الطحطاحة " مساحة واسعة وفارغة ، تحيط بها من جانبيها الغربي والجنوبي بعض الدكاكين ، التي تبيع المواد الغذائية ، وبعض الخضر التي تنتج بالمناطق الجبلية الجنوبية ، يعرضها أصحابها بين الفينة والأخرى في وسطها ، أو على جنباتها .
يقبع بأحد دكاكينها ، " السي بوسيف السكليست " مصلح الدراجات الهوائية ، رجل في مقتبل العمر ، يعمل بجد ، سريع الحركة ، يؤدي عمله بحيوية ونشاط ، لم يعمر طويلا في هذه المهنة ، حيث أصبح شرطيا بالأمن الوطني .
موازاة مع الجانب الغربي للطحطاحة ، تمتد طلوعا زنقة راس فوغال ، وسط حي " لكّرابة " الشعبي ، وغير بعيد منها تقع مدرسة النهضة الحرة ، ببابين ، واحدة للمدير ، وأخرى للتلاميذ . 
كانت دارا للسكنى ، كبيرة المساحة ، تتوسطها ساحة واسعة ، وتحيط بها مجموعة من الحجرات ، حولت إلى أقسام للدراسة ، وزع عليها التلاميذ ، ابتداء من المستوى الأول إلى المستوى الخامس .
مدرسة ضمت أعدادا كبيرة من أبناء المدينة ، ومن تلاميذ الدواوير المحيطة بها ، فكانت بمثابة هيئة الأمم المتحدة ، التي تضم ممثلين عن سكان الكرة الأرضية . 
يدير المدرسة " السي البخاري الطائف البكاوي " ، رجل قصير القامة ، نحيف الجسم ، يرتدي بذلا يتناوب على لبسها ، متنوعة الألوان ، ويضع على رأسه " طربوشا تونسيا " أحمر اللون ، تتدلى منه حزمة خيوط سوداء تزينه ، تتحرك يمنة ويسرة ، وهو يقطع ساحة المدرسة جيئة وذهابا .
كان السي البخاري مديرا طيبا في معاملاته ، نشيطا في تحركاته ، بشوش المحيا ، خفيف الروح ، يتنقل من قسم إلى آخر يتفقد عمل المدرسين ، ويساعدهم على إنجاز أعمالهم في أحسن الظروف . يراقب تحركات التلاميذ ، وينظم عملية دخولهم وخروجهم من الأقسام .
كان بطبعه ميالا إلى النكتة ، وروح الفكاهة ، في جل تدخلاته ، وكان كلما اقترب الشهر الدراسي من نهايته ، يمر بالأقسام واحدا واحدا ، وكلما شاهده التلاميذ مقبلا عليهم ، وهو مبتسم أدركوا قصده ، وقبل الولوج إلى الفصل ، كان يردد باستمرار لازمة أخذها من العروض العربي :
" مستفعلن فاعلن مستفعلن .... " ويُـتـْبعها بضحكة متقطعة ، لطيفة طيبة ، ويقول : " جبتو الواجب الشهري ... ؟ الشهر راه أكمل .... " كانت المدرسة تنفتح جهة الغرب ، عبر ممر ضيق ، على أرض خلاء مملوءة بأشجار السدر ، يؤثثها شريط من التين الشوكي المتشابك ، عبر مسافة متوسطة الطول ، كان الفضاء مكانا لاستراحة التلاميذ في الفترة الصباحية ، ومكانا " للتبول " ، يحيطون بالمكان من كل جهة رغم وجود أماكن النظافة بالمدرسة ، إلا أن الطبع غلب التطبع ، فجل التلاميذ قدموا من الدواوير المحيطة بالمدينة .
كان التلاميذ يتكدسون بالأقسام الدراسية ، بمعدل أربعة تلاميذ بالمقعد الواحد ، وكان أحمد كبقية رفقائه يجدون صعوبة أثناء الكتابة ، تلتقي المرافق وتتدافع فيما بينها ، وتهتز الأيدي ، وتنحرف الكتابة عن مسراها الطبيعي ، وتحدُث بعض المناوشات بينهم ، مما يستدعي تدخل المعلم الذي ينزل بالتلاميذ أشد العقاب ..... يتـــبع 
                                                                                                                                                              ص : 24/25/26/27/28

 .........................................................

مقطــع من شــريط ... 4

انتقل أحمد وجل مجموعة فصله إلى القسم الرابع ، ذكورا وإناثا ، ولم يتخلف أحد من الناجحين ، عدا إحدى التلميذات كانت تقريبا في سن السادسة عشرة من عمرها ، فائقة الجمال ، ذات شعر أسود فاحم ، قص من مقدمته ، أنيقة في لبسها ، لطيفة في تعاملها مع التلاميذ ، مجدة ومجتهدة في عملها .

تساءل التلاميذ عن سبب غيابها ، وسرت وشوشة تفيد بأنها قد تزوجت بأحد مدرسي المدرسة ، تأسف الجميع رغم صغر سنهم ، وهم يقارنون سنها بسن من تزوجها ، حيث تجاوز الثلاثين من عمره .

من بين المعلمين الذين تركوا أثرا طيبا في نفس أحمد وزملائه ، المعلم " السي عبدالقادر " كان جزائريا من بين الذين دخلوا إلى مدينة أبركان بعد قيام الثورة الجزائرية سنة 1954 ، كان طويل القامة ، وسيما في مظهره ، غالبا ما يظهر ببذلته السوداء ، وربطة عنقه التي تزين هندامه ، بدأه الصلع ، وقد أكل جزءا من مقدمة رأسه .

كان مدرسا للغة العربية ، منظما في عمله ، متحكما في ضبط جو الفصل الدراسي ، فارضا لهيبته ، متمكنا من مادته ، يحترمه الجميع دون استخدام العصا ، إلا نادرا .

استفاد أحمد وزملاؤه منه كثيرا ، وتقوت لغتهم ، بقواعدها وتعابيرها وأساليبها ، وعوضوا الكثير مما ضاع منهم من قبل .

فكر " السي البخاري " في إيجاد معلم للتربية البدنية ، فهي مادة مهمة كما كان يقول ــ تقوي العضلات ، وتهذب النفس ، وتنشط الفكر ، وتساعد على التعلم الجيد ــ .

أحضر مدرسا من مدينة وجدة هو " السي الحسين " كان رغم صغر سنه الذي يقارب الثلاثين ، يبدو وكأنه تجاوز الخمسين ، متوسط القامة ، نحيل الجسم ، مقوس الظهر والكتفين ، كثير الكلام .

لم تكن المدرسة تتوفر على ساحة لممارسة الأنشطة الرياضية ، وكان " السي الحسين " تابعا لمندوبية الشبيبة والرياضة ، فاختار الملعب البلدي للمدينة ، لممارسة هذه الأنشطة .

كان أحمد يصطف رفقة زملاء القسم ، ويتوجهون من المدرسة إلى الملعب مشيا على الأقدام ـ وكان هذا جزءا من الرياضة ــ وبالملعب البلدي كان " السي الحسين " يركز على اللف والدوران حول محيط الملعب ، في كل مرة يحدد عددا من الدورات ، يقطعها التلاميذ متتابعين وهم يلهثون ، وقد تدلت ألسنتهم ، نظرا لصغر سنهم ، في الوقت الذي يستلقي فيه تحت ظل شجرة ، يراقبهم من بعيد .

كانت التربية البدنية بالنسبة " للسي الحسين " هي الإجهاد والمبالغة في كل شيء ، وكان يردد باستمرار ، " سأصنع منكم أبطالا في رياضة الجري " ، وكان بين الحين والآخر يرمي إليهم بكرة اليد ، لإجراء مقابلة في كرة القدم .

ينشطر التلاميذ إلى شطرين ، وينطلقون راكضين مهرولين ، دون رقيب ولا موجه ، لايعرفون أي شيء عن قانون اللعبة ، ولايتوقفون عن اللعب حتى يحسوا بأن قلوبهم كادت أن تتوقف عن النبض .

جلس إليهم ذات مرة ، وهم قعود على شكلٍ دائري ، وقد جلس أحمد في المقدمة ، وأخذ يقص عليهم تفاصيل الحادثة التي تعرض لها قائلا: كنت سائرا في الطريق ، وأنا راكب على دراجتي الهوائية ، وفجأة صدمتني حافلة قادمة من الطرف المقابل ، سقطت أرضا أمام عجلتها الأمامية ، وهي مقبلة نحوي ، حاولت أن أتدحرج بعيدا عنها ، إلا أنها زاحمتني ، ورأيتها تقترب من صدري ، ولما كنت رياضيا ، نفخت صدري ، وملأته بالهواء ، وحبست الأنفاس ، مرت العجلة فوق صدري، وبعد ذلك ، أفرغت صدري من الهواء وانتفضت واقفا . .... يتـــبع

ص : 30/31/32

.........................................................

مقطع من شريط ..... 5

تقع المدرسة إلى يمين الفندق غير بعيدة منه ، يقابلها من جهة الشرق الباب الغربي ، وحديقته ، وتطل على أرض خلاء محاطة بسور ، تتوسط طـرقا تـؤدي إلى باب سيدي عبدالوهاب ووادي الناشف ، وسيدي يحي وشارع محمد الخامس .

مدرسة بناها الوطنيون ، بمساعدات إحسانية من المدينـة وخارجـها ،

ففي شهر أكتوبر من سـنة 1961 كان بناء بعض المرافق لم يكتمل بعد، حيث كانت الأشغال قائمة في تهيئة ساحة المدرسة ، واستغرق ذلك فترة طويلة من السنة الدراسية .

كان الحفر مستمرا خصوصا في الجهة المواجهة للمدرسة ، حيث تنتصب شجرة " بطم " بشموخ ، تجثم على الزاوية الخلفية للساحة ، وتغطي مساحة مهمة منها .

كان العمال بين الحين والآخر يستخرجون بقايا هياكل عظمية آدمية ، وهم يحاولون تسوية الأرض ، وإصلاح ساحة المدرسة ، التي بنيت على أنقاض مقبرة منسية ، توقف الدفن بها منذ أمد بعيد ، وكان التلاميذ يسمون مدرستهم " مدرسة القبور " كانت هذه العظام تـُجْـمع وتوضع تحت الشجرة الضخمة لتنقل إلى مقبرة أخرى .

كان أحمد كباقي التلاميذ يجتمعون في فترة الاستراحة حول هذه العظام والجماجم ينظرون إليها في خوف وارتياب ، والعمال منهمكون في عملهم بصورة عادية ومعتادة .

كان يتخيل وهو يتنقل وسط المدرسة ، كأنه يطأ أجسادا آدمية ، يؤذيها وهي تئن تحت قدميه كما علمه فقيه الدوار ، فاحترام الأموات واجب مقدس ، ويتذكر جيدا أنه عندما كان يزور مقبرة " سيدي رحمون " رفقة والدته لزيارة أبنائها الخمسة المدفونين بها ، إلى جانب الأجداد والأعمام والأخوال ، والجيران ، كانا يسيران جنب القبور ، ولا يُـنزلان أقدامهما على أية مقبرة ، وأمه تتمتم وتدعو للأموات بالمغفرة .

لكـنـه واقـع مفروض ، وعلى أحـمد أن ينسجـم مع الجـو العــام ، ومعوضعية المؤسسة وتلاميذها ، يتحرك وسط الساحة ، ويزاول حصص التربية البدنية

 فوقها ، فأصبحت الأمور عادية مع توالي الأيام . ....... يتبع

 

ص : 59/60/61

ملحوظة : الكتاب لم يصدر بعد

 

 

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط هنا

.........................................

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

فضاء الشعر والزجل والقصص

Compteur Global gratuit sans inscription