بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالمالك المومني

Ahfir : Les racines et les ailes

 

صورة غلاف الكتاب                                                            

نقاط البيع                        

الرباط :                             

- مكتبة دار الأمان

-  المكتبة الألفية

الدار البيضاء:

 -  مكتبة خدمة الكتاب

 - كشك الراشد حسن ، جنب مقشدة vogue ومحطة الترام ، وسط المدينة

وجدة: مكتبة دار الصحافة للسيد بلهاشمي.

تازة: بالمكتبة القريبة من ساحة الاستقلال بتازة السفلى .( قرب الساتيام )

القنيطرة : كشك السيد سالم جنب مقهى طارق.

 

 

الواحد المتعدد وإشكالية التجنيس في رواية "خضرا والمجذوب" لعبد المالك المومني.

بقلم الدكتورة إلهام محمد الصنابي

أضحى اسم عبد المالك المومني مرتبطا بمكان لا يكاد يمر اسمه على مستمع إلا وترك في نفسه أثرا، إنها "الركادة" أو "الناعسة"، المكان/ الرقصة/ الكلام البدوي الموزون، كلها دلائل لمدلول واحد، المكان الذي أسر قلب الكاتب وفكره، ولا أدل من هذا الأسر والعشق السرمدي هو هذا الارتباط الذي يتجلى في كل انتاجاته الأدبية والتوثيقية، "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" "ريحة البلاد خضرا" ولو تسنى له لقدم دراسته الأكاديمية حول العين الناعسة، لالة خضرا

إن هذا العمل الجديد يعتبر لبنة جديدة يضيفها الكاتب عبد المالك المومني إلى بنائه الصلد الذي يحاول جاهدا رفقة مجموعة من الغيورين من أبناء الركادة إنقاذ ما تبقى منها من أيدي المستعمر الجديد الذي يسعى إلى استغلال خيراتها لصالح أطماعه الشخصية، ومن أنياب الجرافة التي باتت تحصد ذكريات محفورة في عمق التاريخ

وانطلاقا من قراءتي لهذا العمل الذي صنفه صاحبه ضمن جنس الرواية، وجدت أن ثمة مجموعة من المكونات التي اتخذت أبعادا متعددة ودلالات مختلفة، لذلك بلورتها في موضوع "الواحد المتعدد في خضرا والمجذوب"، وهي مكونات تجلت بصورة أوضح في العنوان:

1 -  خضرا

- 1-1: من الخضرة والخصب والنماء، دليل على الربيع وما يستتبعه من طبيعة آسرة مائية ونباتية وحيوانية، وخضرا تعود بنا أيضا إلى بيبليوغرافية الكاتب نفسه، فسلسلة إصداراته لا تكاد تخلو من هذا الدال: إذ سبق للكاتب إذ أصدر ديوان زجل بعنوان: "ريحة البلاد خضرا" عام 2011، كما أنها كانت محور عمله السابق الذي وسمه ب "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان"1996 حيث كان المكان "عين الركادة" بؤرة الحكي في علاقته بطائر اللقلاق،

- 1-2:حنا خضرا: تلك الدَّلاَّلة التي توفي عنها زوجها وتركها دون ولد يكفيها مذلة الحياة أو بيت يؤويها من حر الطبيعة وبطش الألسن، حيث تناسلت الأقاويل عنها وتولدت الحكايات عن سيرتها وصيتها، فسلقتها ألسنة آهل البلدة، فاضطرت في الأخير إلى مغادرتها باكية شاكية تحت وطء حجارة رميت بها في مشهد درامي، نقل من خلاله السارد أبشع الممارسات التي تعرضت لها هذه المرأة التي كانت في الأيام الخوالي سببا في حياة الكثير من أبناء القرية، لأنها كانت المولدة أو ما يعرف ب "القابلة"، كما كانت "العطارة الوحيدة " التي تدخل البيوت لتبيع سلعة بسيطة حسب احتياجات نساء القرية ،فاختلفت الأقوال حول مصيرها ليكون الرأي الأرجح هو التحاقها بأخيها الذي يقطن في مدينة من مدن الغرب المغربي كما جاء على لسان والدة السارد

- 1-3: خضرا زوج القائد دحمان، بعد أن حقق القائد دحمان انتصارات على العدو، قام السلطان المغربي بإهدائها له حسب بعض الأقوال- إلا أنها كانت عاقرا، فاقترحت على القائد الزواج من ثانية ليحظى بالولد، وقد كافأها على موقفها هذا بأن أهداها ضيعة وبعض الخدم، فعزلت نفسها عن الدنيا ومفاتنها وانتبذت مكانا قصيا تتعبد وتذكر الله، تاركة أمر الزراعة والرعي للخدم. وفي رحلة بحث عن ثور ضائع اكتشف الخادم وابنه عينا جارية في أرض لالة خضرا لتسمى بذلك العين باسمها، بل أضحت مزارا يقصده الناس من كل حدب وصوب فانتشر البناء وأصبح المكان معروفا باسم "رباط لالة خضرا

- 1-4: خضرا: الاسم المتداول: نظرا للمكانة التي حظيت بها للا خضرا زوجة القائد دحمان. ونظرا لروحانياتها وقربها من الله ونظرا لكرمها، فقد أصبح يشاع أنها لا تزال حية ، بل أصبح اسمها دالا على الخير والبركة والإيمان. لذا ما ولدت أنثى في البلدة إلا وسارع الأب إلى تسميتها خضرا، فأصبحن "خضرات هما في البلاد" ، وأصبح الاسم مفخرة ،

2- المجذوب: وهو اسم مفعول من فعل جذب، وهو من المصطلحات الصوفية التي تدل على شدة الوجد والهيام بين الإنسان والله، وشدة الإيمان بالقضايا الغيبية الروحانية، وببعض الخوارق الطبيعية، فيكون المجذوب عاشقا ولهان يفسر أفعاله وأقواله بالغيبيات واللامرئيات، وهو إنسان عارف بالأسرار أو هكذا يشاع، رمى زينة الحياة الدنيا ولبس الزهد والتصوف، وعاف المأكل والمقام، واكتفى بالمرقع والقليل من الزاد. فالجذب إذا هو حالة من أحوال النفس تغيب فيها عن العالم الخارجي وتستبطن العوالم الباطنية. ولما كانت لالة خضرا عينا جارية تنضح بالصفاء، كان لابد من وجود عارف بأسرارها، خبير بخباياها، متزهد عابد عارف بالقدرة التي فجرتها، فكان المجذوب الواحد في السلوك والعشق، المصرح به في عنوان المؤلف، المتعدد في التجلي والتمظهر:

- 2-1: المجذوب: قد يكون أول عشاق لالة خضرا وأول العارفين بها، وقد ظهر إبان حفر العين وسيلان مائها، وقد جاء ذكره في موضع متأخر جدا مقارنة مع باقي المجاذيب، وقد كان يتردد على العين ويغيب إلى أن اختفى كليا اسمه "عبد الرحمن"وكان ب الكلام المنظوم مشهور، 

- 2-2،المجذوب الكوال: الذي وجد أول مرة في باحة العين بعباءة بنية مائلة إلى السواد، مجهول أصله ومأواه، إنه الكوال التي تعرض لشتى أنواع السب والشتم والإهانات من أهل البلدة كبارها وبعض صغارها. وهو صاحب سر لالة خضراء الناعسة.كان يتحلق حوله الصبية في فترة الاستراحة بين مادتي العربية والفرنسية، يستمعون بإحساس كبير وبامتعاض أيضا لما يسرده من قصة العين وأهلها. إلا أن معاملة بعض الأهل لم تكتب له أن أكمل القصة، لتتكفل بعد ذلك حنا خضراء بإتمامها . وقد ربطته بالسارد أحمد علاقة غريبة تختلف عن باقي علاقات الصبية به، حيث كان غالبا ما يدافع عنه إذا تعرض للإهانة في وجوده كما في غيابه، وكان يستمتع بأزجاله وينصت إليها بإمعان، ويعترف بذلك إذ قال: لم يكد ينتهي إنشاده حتى اهتززت طربا وصفقت، وكنت الوحيد الذي فعل،." لذلك خص المجذوب الكوال السارد وحده بوعد تكملة حكاية العين الناعسة 

-3-2 المجذوب السارد: إنه المجذوب الذي افتتن بلالة خضرا وجلس يناظر العين والخضرة والشجر والصخر، إنه المجذوب "أحمد" السارد الذي يتخفى وهو المعلن عن نفسه، إنه الهيمان بحب العين والمكان، ابن الناعسة، شرب ماءها فأحيت فيه الحب وجعلته سرمديا. أنه ذلك الطفل الذي أيقظته أمه ذات فجر ظنا منها أنه وقت الدراسة ليجد نفسه وحيدا في الطريق إليها، وحيدا على أبوابها، فيصاب بهزة جذبة إثر حلم غريب. وهو يصرح بهذا العشق والوله منذ أول صفحة يقول: "تعروني حبيبتي هزة... "جذبة"؟؟ كلما خطر اسمك بالنفس والبال، يمور في الأعماق هادئا.. ثم ما يلبث ان يثور ويفور" ، وقد تجلى انجذابه للعين الناعسة الجافة للجميع بدءا بأبنائه إذ تصرح منى أن ما تراه من حب أبيها للعين لا يفهم، لأنها حالة غير عادية، انه "مجذوب وخلاص

وها هو ذا قد وجد صدى حبه عند الأصحاب، تلك الثلة التي اجتمعت على حب المكان والارتباط به والحسرة على مآله والرغبة في تحويله حاله. إلا أن عشق "أحمد" كان يفوقهم. يقول عنه عبد القادر "الله على الناعسة وما فعلت ف أولادها احمد بهواها مجذوب وجمال بماها سكران

ويتبدى هيامه وعشقه للناعسة لصديقه جمال جليا عندما تأمل أحمد بطاقة ورقية للعين الناعسة، يقول: "أرى أخانا الهيمان اهتز كالمجذوب حين تأمل البطاقة" ، هذا ما فعلته بطاقة ورقية، فماذا عنه عندما يقف على المكان عينا، وهنا أجدني أقف عند لفظة "الهيمان" وهي في حد ذاتها إشارة إلى المؤلف السابق للكاتب عبد المالك المومني، "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان". بالتالي فإن نصوص المؤلف تكاد لا تغادر تيمة الحب والعشق والجذب بمكان واحد وهي العين، ولعل في العين نفسها ما يوحي بهذا العشق الأزلي. فالعين هي المنبع وهي الحياة،

3- بلارج: من يجهل سيقانه الطويلة النحيفة، وعنقه الممتد على طول يناطح به السحاب، من الطيور المهاجرة التي إن فكر في الاستقرار فلا يرضى إلا بالمنازل العالية الضاربة في كبد السماء، ولعل أول منزل هو المآذن، إلى حد جعلنا ننظر إلى هذا الطائر نظرة دينية روحانية. وبالتالي فإن ارتباط الناس به لارتباطه بالمسجد، كما أنه مرتبط بالماء نظرا لاعتماد غذائه على المخلوقات المائية. لذا فإن منطقة أبركان تعد من المناطق المستقطبة لهذا الطائر،إلا أنه قد هاجر من ملوية ومن المدينة نظرا لكونه أولا من الطيور المهاجرة، ونظرا ثانيا للتحولات البيئية التي تعرفها المنطقة، وخصوصا بعد ركود العين وجفافها، فهل من عودة؟ وقد اتخذ هذا الطائر صورا متعددة يمكن إجمالها صورتين، هما:

3-1 بلارج اللقلاق الحقيقي: إن اتضاح فكرة طائر اللقلاق في كتابات عبد المالك المومني وجب أن ترتبط بالسياق الخارجي أيضا ضمن سيرورة كتاباته. فبالعودة إلى مؤلفه السابق "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" حضر طائر اللقلاق بشكل قوي جدا وقد هاجر المكان بعد الجفاف وانعدام الهدوء والسكينة. إلا أن هجرته مهما طالت فلابد من أوبة إلى عشه الأصلي، والمقصود به طبعا "العين الناعسة"، فتلازم اللقلاق والعين هو كتلازم الدال والمدلول، وهنا ارجع إلى "خضرا والمجذوب"، حيث يتجلى اللقلاق بلارج على صورة الغلاف أولا باعتباره العتبة الأولى للقراءة، طائر يحلق عاليا محتضنا طيورا أخرى أصغر حجما لعلها الخطاطيف كما جاء في المؤلف، بنى اللقلاق عشه أعلى شجرة السروة حيث كان الكوال المجذوب يمر بمحاذاتها، ويتأملها مرات ومرات ثم ينصرف. فالبستان كان في ملكية المعمر شقرون، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن اللقلاق ما كان ليشعر بالطمأنينة والهدوء، فغادره عله يعود إليه مرة ثانية، أو يكون قد استبدله بمكان أخر 

ثم تأتي الإصلاحات إلى عين الركادة، حيث يصر احمد رفقة قدماء تلاميذ مدرسة الركادة على إرجاع اللقلاق إلى وكره، عن طريق المخطط الهندسي الذي شاركت في إعداده مريم البتول ابنة أحمد، السارد، عبد المالك المومني، وهو تصور نظري لعين الناعسة جاء وصفه في أكثر من مقطع، لذا كان التفكير في تأسيس جمعية تنظم العمل وتقننه من أهم الخطوات الإجرائية لذلك، ولعل بناء المسجد هو أول خطوات رجوع اللقلاق، وسيكون من مكونات شعار الجمعية أيضا

3-2 بلارج الناعسة-السارد: عندما لقيه قويدر بعد طول غياب عانقه وقال له:"عاش من شافك أخويا بلارج" ، يجد متعته في هذا النعت إذ يقول "هل منكم من يرغب في مجاورتي..؟ ولكن تندمون لأن لقلقة بلارج مزعجة

كان نحيفا طويل القامة طولا لا يتناسب مع سنه أيام الدراسة، دقيق الساقين، إنها أوصاف تتناسب وأوصاف اللقلاق وأول من أطلق عليه هذا الوصف هو معلم العربية كما أشار بذلك بقوله:"اسكت آبلارج" ، ومن يومها أصبح الاسم لصيقا به، وكان مزهوا به مفتخرا بانتمائه للطائر أو ربما انتماء الطائر إليه، لما لهذا الطائر من حظوة عنده وعند آهل الناعسة عموما، ومن ثمة أصبح لا ينادى إلا به تارة مفردا، بلارج، وتارة منسوبا إلى العين، بلارج لالة خضرا، أو بلارج الناعسة. ولعل درجة التصاقه بهذا اللقب تجلى عندما أراد أن يقدم نفسه للمرأة التي أحبها عارضا عليها الزواج قال: "يسمونني بلارج خضرا، وخضرا حورية مكان سكنته وسكنني منذ صغري" ، فيتجلى انتساب الشاب للمكان والطائر أكثر من انتسابه إلى اسمه وعائلته، ثم هو تصريح مباشر لهذه المرأة بأنها ستكون مزاحمة بأنثى أخرى هي حورية المكان، ومن ثم نفسر معنى أن يتحول اسم الزوجة من حياة إلى حورية في هذا العمل،

إشكالية التجنيس

اعتدنا في دراساتنا أن نبدأ بالعتبات باعتبارها معينا على القراءة، ونصوصا موازية تسهم في تحليل النصوص وقراءتها، إلا أني ارتأيت أن اجعلها أخيرا لمقاصد متعددة، من بينها:

أولا: العنوان والمتن:

اتضح إذا أن العنوان جاء يحمل في مكوناته عنصرين أساسين هما خضرا والمجذوب، ومن خلال التحليل اتضح أن خضرا وإن توحدت في الاسم، الدال، إلا أنها اتخذت دلالات وتجليات متعددة ومدلولات مختلفة، فهي العين، وهي حنا، وهي الزوجة الأسطورية، وهي الامتداد في القرية.

أما المجذوب، فاتضح أيضا أنهم مجاذيبهم في هذا العمل، إلا أن الأرجح هو أن يكون السارد أحمد الذي يتخفي عبد المالك المومني في جلبابه هو المقصود الأول، وهو نفسه الهيمان في رواية "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" أحمد بن السي عمر بن الفقيه الاخضر

ثانيا: الصورة

وأنا أطالع الصورة أول الأمر تهيأ لي أنه يتعلق بأيقونة إدارية، خاصة ببلدية أو جماعة،، وهي غالبا ما تأخذ هذا الإطار الذي هو عبارة عن مربع أو مستطيل ظلعه الأسفل معقوف إلى من وسطه، تتوسط الصورة التشكيلية شجرة شامخة نحيلة الجذع باسقة الأوراق مع طائر لقلاق يحضن طيورا صغيرة لعلها الخطاطيف مع قطرة ماء على صفحة بيضاء معلقة بين الطائر وبين أرضية خضراء بجوفها بحيرة مائية عميقة، إلى الجانب الأخر جزء من سور قديم على شكل قصبة تاريخية ذات طابع معماري مغربي يعود إلى العصور المغربية الزاهرة، 

هذه الصورة تشكل بحق تجليا من تجليات الحكاية التي أسهب أحمد بلارج خضرا في سردها، وتجد تجليا لها أيضا في الحوار الذي دار بين جمال وعبد الكريم وعبد الله وأحمد حول مشروع "جمعية قدماء تلامذة الناعسة" وهو مشروع يحاول إعادة الوضعية الاعتبارية للعين والقرية باعتبارها منطقة تاريخية وثقافية، حيث قال جمال: "بلارج وخطاطيف في سماء العين: لوحة فنية جميلة تكون شعارا لجمعيتنا الفتية لو اقترحتها على ابنتك البتول يا أحمد.

عبد الكريم: ولماذا لا تكون لوحة غلاف للحكاية الرواية التي تكتبها كما أخبرتنا؟

أنا: فكرة تجول بالبال والله، قد يضاف ما يدل على القصبة المندثرة سأعرضها على البتول إذا عزمت النشر" .

وقد تم النشر فعلا وجاء الغلاف مؤثثا بمعالم الصورة أعلاه،

التجنيس:

عندما يوثق الكاتب على غلاف صفحته جنس مؤلفه، فهو يدخل في تعاقد صريح مع قارئه حول جنس المحتوى، إلا أن التجنيس في بعض الأحيان يكون موهما، فنكتب رواية لنجدها في حقيقة الأمر سيرة ذاتية توثيقية كما هو الحال في هذا العمل للكاتب عبد المالك المومني،

إن المعطيات السابقة، من داخل هذا المتن الحكائي، ومن خارجه أيضا، القصد منها النصوص السابقة سواء منها الحكائية آم الزجلية تجعلنا نرجح أن يكون العمل سيرة ذاتية، حيث الانطلاق حقائق واقعة فعلا وأحداث عرفت تحققها في الزمان والمكان،طبعا مع عدم خلوها من المتخيل السردي، والعمل هذا يؤسس لعلاقة وثيقة تربط السارد عبد المالك المومني "أحمد" بمكان عين الناعسة وهي علاقة تجمع بين الوجداني والثقافي والنفسي والتاريخي، وتتجلي في العديد من المحطات عبر هذا العمل، ولعل القول إنه سيرة ذاتية توثيقية يرجع إلى العديد من الدلائل من بينها:

أولا: الفضاء الجغرافي، عين الركادة، تلك القرية الوقعة بين أحفير وبركان، التي شهدت ميلاد السارد وتسلسل أحداث حياته.

ثانيا: الصور التاريخية التي عزز بها السارد حكيه، ومثاله تلك البطاقة البريدية التي كانت بحوزة جمال المتخصص في جمع نوادر العين الناعسة، وهي تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي

ثالثا: بعض الحقائق التاريخية، مثل قصة السور الذي يقع في مزرعة المعمر شقرون الذي يرجع إلى الحقبة الإسماعيلية نسبة إلى المولى إسماعيل كما جاء في العديد من المحطات، 

رابعا: اسماء الشخصيات، سواء منها المنتمية الى الأاسرة أم تلك المنتمية الى عالم الأصدقاء جمال عبد الحميد عبد الكريم، وان حاول ان يدخلنا عالم المتخيل عبر أسماء أخرى مثل يونس ابنه الذي هو في الأصل يوسف واسم زوجه حياة التي أصبحت حورية، وان كان للاسم دلالته حيث وصف عين الناعسة بحورية سكنته، 

ختاما:

"خضرا والمجذوب" محطة أخرى من محطات الارتباط بالمكان، تجلى في كل أبعاده التاريخية والنفسية والثقافية، انطلق السارد من نقطة العين الناعسة، وانتهى إليها، 

كنت من قبل أمر على عين الركادة وأنا مستبشرة بعمليات التوسعة وإعادة هيكلة المكان، وتثنية الطريق، لكن بعد قراءة هذا العمل، صرت أتساءل عن مصير العين ومآلها، وعن المدرسة وفصولها، وعن القصبة وما جرى بها، وعن اللقلاق هل عاد من هجرته، وأمام هذا أجدني أسأل أيضا عن مشروع جمعية قدماء تلامذة لالة خضرا، وهل تم استبعاد المعمر الجديد الذي أراد استنزاف ماء العين في القنينات؟ تلك هي أسئلة المشروع الحضاري للالة خضرا.

 

 


 

 

 

خضرا والمجذوب في ضيافة فرع اتحاد كتاب المغرب، المركز الثقافي، القنيطرة. مع السادة الفضلاء الأحباء. الأساتذة: المصطفى لكليتي، ومحمد صولة وأحمد الجرطي ومحمد الشايب.

 

قراءة في رواية الدكتور الأستاذ عبد المالك المومني : مجذوب خضرا بقلم لمنور ( جريدة أحفير كم )

من يقرأ رواية المومني : " خضرا والمجدوب " يجد فيها ربط الماضي بالحاضر و امتزاج الأصالة بالمعاصرة ، التقت فيها لغة البلاد ، المحلية ، بالفصحى . كل هذا التلاقي وهذا التقاطع ، يصب في مكان واحد ، منبع عين الركَادة ، عين لالا خضرا .

قراءة في رواية خضرا والمجذوب للكاتب الروائي عبد المالك المومني/ ذ.جمال الدين الحريفي

روائي بعيد الرؤيا وعميق الغور، يستشرف الآتي ببصيرة الحكماء ويعتبر الكتابة رافعة للتنمية الاجتماعية ووسيلة لحفظ ذاكرة المكان وكرامة الإنسان، ذلك هو الدكتور عبد المالك المومني.

 

محمد موح :

حياك الله سيدي عبد الحق ولك مني جزيل الشكر على نشر هذه الدراسات لرواية الأستاذ المومني، هي بحق دراسات مستفيضة وموضوعية جد مهمة، أبرز فيها أصحابها كل مميزات الرواية من الناحية المعنوية والرمزية، واللغوية والأسلوبية، وما إلى ذلك من الخصائص الفنية التي تتميز بها رواية " خضرا والمجدوب "...هنيئا للأستاذ المحترم السيد المومني وهنيئا لدارسيه الأجلاء

 

الأستاذ الأديب الكاتب والفنان التشكيلي ومؤرخ المدينة، سي محمد سعيد سوسان يحتضن " خضرا والمجذوب" مقدما هدية فرع اتحاد كتاب المغرب...لحظة شعرت أن القنيطرة ونخبتها تحتضنني.. شكرا لمن قرأ ولمن حضر!

 

 

 

 الأستاذ محمدالهلالي :  قصيدة متواضعة شاركت بها في هذا اللقاء تكريماً ل " مجذوب خضرا " الدكتور عبد المالك المومني حفظه الله وأدام عليه الصحة والعافية ..

* الوسنى *

***

:

سبحان من لقانا بلا ميعاد

سبحان اللي ما جعل ل السما وتاد

سبحان من فجر منبع

ف الارض وكرم به العباد

ماه يجري ف سواقي

نقره صافيه الله بها جاد

عصيرها عتيق خمره

حللها الجواد

ربي لا تحرمنا من شربات

منها لذاذ

خضرا خذات لونها

من توراث لجداد

ظلت رمز لمحبه

ظلالها تفاجي لسهاد

فيها يرتاح كل مسافر

طالع هواد

الهيمان سْباه حسانها

وفعل به ما راد

رد بالك تسهى

راها محروسه من ناس شداد

هايمه ام العيون الخُضر

ريقها مداد

زاد الولهان

الملسوع ب غرامها محبه

به يدون صفحات وصفحات

منهم يشم ريحة البلاد

 

شهادات في حق رواية " خضرا والمجذوب " على صفحة التواصل الاجتماعي

 

 

 

 

حللت هذه الأمسية ضيفا مكرما غاية الإكرام في بيت المبدع، ومكتبه الجهوي بالقنيطرة، في محفل بهي لقراءة روايتي الأخيرة" خضرا والمجذوب.
 
ولأنني كنت في منتهى السعادة بين ثلة من المثقفين، والباحثين والمبدعين ،والأساتذة المدرسين في جميع الأسلاك. منهم أصدقاء ومنهم زملاء، ومنهم طلبة قدامى وحاليين، فإنني أعبر عن صادق ودي وعرفاني للحاضرين جميعهم، و أنوه خاصة ب:
-
السيدة الفاضلة والشاعرة المبدعة، حسون سبو ( مريقمة)
  تسييرها الشاعري الفائق الرائق للجلسة الحفل بما كانت تخلل فقراتها من كلمات شعرية من إبداعها مضمنة أياها اختيارات نصية من الرواية غاية في الإيجاز والدلالة. فأي عبارة توفيك حقك أستاذة خدوج؟
-
الأستاذ محمد صولة الذي قدم مداخلة هي- بلا منازع- بحث أكاديمي  دقيق وجامع،من حيث منهجه ومحتواه المعرفي العالم.
-
الأستاذ  والصديق الوفي والقاص المبدع سي مصطفى كليتي الذي قدم عرضا شاعريا في لغته، ديداكتيكيا تربويا في وضوح ومنهجه.محيطا بمضامينه
ا- لأستاذ عبد الإله ستيتو الذي قدم الرواية من مدخل دقيق من مداخلها. وكان أداؤه الحماسي شادا  الانتباه إليه وكأن لوثة الجذب التي تسود الرواية قد مسته!
-
أما الأستاذ والمبدع القاص سي محمد الشايب الطالب بكلية الآداب، فقد أدلى بشهادة ملؤها العواطف النبيلة والعرفان النبيل تجاه شخصي الضئيل.. فحمدت الله على أن مهد لي مكانة في قلوب طلبتي هي كل ما يطمح إليه المعلم ويبقى له من رصيد في حياته..
-
ولن أنسى شكر الأستاذ والشاعر سي عبد الرحمن الغوات، وكذا الأستاذ الشاعر محمد  لعوينة، والشاعرة بهيجة أكرو أعضاء البيت دعمهم المادي والمعنوي وعواطفهم النبيلة نحوي ..
وقد كان الغائب الأستاذ الشاعر التهامي شويكا حاضرا في الفكر والوجدان. وقد أدلى بعذره.. له مني النحبة والتقدير والاحترام.
زملائي الأعزاء، طلبتي، الحضور الكرام !
 
لم تسعني الدنيا وأنا بينكم، استمع إليكم وأرى في عيونكم بريق الصدق والوفاء لحد داخلني الزهو وخشيت منه على نفسي...
فشكرا لكم حضوركم المشارك والمثقف، وتحملكم حرارة طقس اليوم، وحرارة القاعة، خاصة وأن منكم من تحمل مشاق التنقل من سلا ومن فاس ومن أسفي.. فلكم مني أصدق الحب والامتنان. وتقبلوا هذه الباقة من الأقحوان وشقائق النعمان في من جنة الملهمة "خضرا" الجنان!

كلمة عن خضرا والمجدوب ألقاها الأستاذ عبدالمالك المومني بالمناسبة

بسم الله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين

أحبائي، سيداتي، سادتي:

1-                   الإبداع- في حقيقته- تذكر أو ذكرى" "de nerval. و الحقيقة أن  دونرفال لم يقل بدعا..

والإبداع الرفيع  والإنساني السائر في الزمان والمكان تذكر وذكرى لمعشوق.والعشق  أسمى الحب وأعفه، ويقتضي لزوم العاشق لمن وما يعشقه لا يفارقه واقعا أو خيالا..
فمن روائع استهلالات الشعراء، استهلال امرئ القيس معلقته ب:

"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" فتأملوا معي لما في تنكير حبيب ومنزل من معاني الإطلاق وتفخيم  أمر الذكرى ،ذكرى السكن والمعشوق المسكون إليه وبه معان تجاوزت الزمان والمكان وأعيان الأشخاص والأجناس !حتى قالوا عن القصيدة كلها فيما أرجح:" أشهر من قفا نبك.."

 ولنتذكر ونذكر استهلال البوصيري لصوفيته المشهورة بالبردة" أمن تذكر جيران بذي سلم...والشعر الصوفي في الأدب العربي والإنساني كما تعلمون- من أرقى وأبقى ما أبدعه الإنسان من أدب وشعر..

وسئل ذو الرمة- وهو شاعر أموي بدوي ومن عشاق العرب-  وقد جمع العشق والذكر-" كيف تفعل إذا انقفل دونك  الشعر؟ فأجاب: كيف ينقفل دوني وعندي مفتاحه؟قيل له: وعنه سألناك. قال: الخلوة بذكر الأحباب."

   ولو سألتموني كيف تفعل إذا امتنعت عنك الكتابة؟  لأجبت:كيف تمتنع عني وعندي مفتاحها ، وهي الخلوة بذكر خضرا.
 لم أكتب، منذ بدأت الكتابة، إلا حين عشقت خضرا. ولم أكتب ولا أكتب إلا وأنا ارتد طفلا ألهو أو أتخيل أنني ألهو بباحتها.. مثلما كان يلهو أحمد السارد في "خضرا والمجذوب" وهو طفل مع أقرانه ويتفاعل معهم ومع الكوال والدلالة والعمة وزينب...وكلهم أشخاص متخيلون كما الأحداث التي كانوا أبطالها وشخوصها..)، ولا أكتب إلا وأنا في حال وجد أو جذب بها.. لأن "خضرا " سكن وكيان  ورمز ...
 أكتب إذن بتأثير من باعث.. والباعث عشق.. والعشق خضرا..إلى حدود الساعة..ينضاف إلى ذلك  كله رواسب وآثار من ثقافة أكاديمية نتيجة تدريسي بالجامعة فنون الشعر العربي والقصيدة العربية القديمة .
*****
عن خضرا والمجذوب
البداية مسودة نص كنت أنوي كتابته قصة قصيرة.محتواها أضغاث ذكرى غائمة للحظة من طفولة المؤلف المبكرة حين أيقظته أمه منتصف ليلة شهباء لاحتجاب البدر وراء غمام أو ضباب..وأرسلته إلى المدرسة بالركادة  ظانة أن الوقت صبح وقد سبقه إليها  الصبيان..فكان ما كان من وصوله العين ولم يجد أحدا، وانتظاره المشوب بخوف طفولي. هذا كل ما حدث ووقع، ولا شيء  مما تخيله السارد في "خضرا والمجذوب" من انبعاث حورية من العين وتعميدها للصبي الخائف بماء العين لتسكن نفسه ويهدأ روعه، ويقظته وقد أحيط بوالديه وقهوجي العين. وأصل هذا الفصل هنا توظيف حكاية  شعبية قصيرة  وردت في كتاب أحد المؤلفين الكولونياليين، ومفادها أن عين الركادة تسكنها جنيتان أحداهما بيضاء حسناء إذا بدت من البئر كانت علامة على بدء انهمار العين وفيضها، واخضرار ما حولها، ومن ثم سميت العين في المخيال الشعبي لالا خضرا. والأخرى سوداء دميمة تمتطي ظهر سلحفاة إذا طفت على الماء كانت نذيرا لغيض العين ورقاد عميق لها مع شخير، ويباس ما حولها. ومن ثم سميت العين عين الركادة.

 كتبت هذا النص أو بعضه وأنا شبه ساهم، بمقصورة القطار مصطحبا ابنتي البكر إلى مطار محمد الخامس لتستقل الطائرة.. كان ذلك منذ بضع سنين.. وتعلمون أن السفر مبعث أشجان، والعلة اغتراب ذات وفلذات أكباد.. والغريب أنني بمجرد عودتي إلى المنزل أضعت ما كتبت.. لكن بقي لي منه لمحات غائمة بذاكرتي.

       وقبل ذلك كنت أصدرت "الجناح الهيمان" وأساسها خبر اكتشاف نبع الركادة  وقد سمعت بعض عناصره شفاهة من أحد أبناء المنطقة يسكن القنيطرة بمقهى يملكه...وأضفت إليها  أحداثا وشخوصا جديدة حتى استوت لي حكاية شعبية بطولية من اختلاقي يمكن أن تروى  للأهل والأولاد والأجيال..

      حكاية الحورية الحسناء وحكاية  القائد دحمان ولالا خضرا  مزجتهما في  حكاية واحدة ووضعت لها إطار الحلقة، ويرويها الڭوال والدلالة بساحة العين.

غدت عين الركادة أو لالا خضرا الركادة إذن بطلة لحكاية و"أسطورة شخصية"( على قول كويلو في الكيميائي) ليس للراوي فحسب، بل لأقرانه  ولجيله.. وقد أثمر تواصل بعض الأقران الافتراضي رسائل ونصوصا أدبية وتاريخية تبادلوها يبغون بها  استعادة  الماضي البطولي لبلدتهم، تعهدا من أنفسهم أن تستمر الأسطورة رغما عن غؤور العين، ورغما عن النسيان الذي أخذ ويأخذ الأجيال الحالية لمكونين ثابتين من مكونات الهوية، ألا وهما الأرض الأم، والثقافة.ثم التعبير عن مشاعرهم وأمانيِّهم تجاهها، وبلورة مشروع عمراني وثقافي ذهنا وتصورا للمساهمة في تنمية بلدتهم الصغيرة ثقافيا وبشريا في الحاضر والمستقبل، خلافا لمشروع آخر هدفه استنزاف ماء العين لصالح الرأسمال المتوحش الذي يأتي على الأخضر واليابس ويدمر كيان الإنسان. وكانت  للبتول في الرواية، ابنة السارد أحمد، المهندسة المعمارية فضل رسم هذا المشروع وتصميمه في شكل إبداع جميل  أضفته للرواية باعتباره واحدا من الأشكال المتعددة  التي تضمنتها الرواية ... 

        ما تبقى تفاصيل كثير منها من نسج الخيال المحض، وقليل منه واقع أو بالأحرى تاريخ مخيَّل محلوم به..ف"خضرا والمجذوب" الرواية، انطلقت من حلم طفولي...برؤيا، وانتهت برؤيا... وإذا كان قد قيل :الواقع لا يرتفع، فإني أقول: إن الواقع يرتفع ويسمو ويرقى بالحلم والرؤيا في الأدب والفن... 
وقديما قالوا عن الشعر:إن أعذب الشعر أكذبه وأنا أقول: إن أعذب الأدب كله أكذبه.

 أيكون ما كتبت رواية أم سيرة  ذاتية ذهنية أو روحية، أم تخييل ذاتي؟ لقد استعصت الأنواع الثلاثة عن التحديد، وأبت أن تستقر على شكل على العلماء بها والمنظرين لها. فكيف تنقاد  متأدب مقل؟!
     أنا أقول هي رواية وكفى. وقد أملت أن تكون  رواية على نمط السيرة الشعبية،بصياغة ورؤيا حديثة.  ولذلك خالطها كثير من النصوص الشاعرية والأقوال الهجينة المبتذلة. فإن  كانت  كما أمَّلت، فذلك أقصى المنى، وإن لا، فما أنا إلا  متأدب حالم، أعبُر أحلامي  وأبث أوهامي وأنشر بعضها زجلا وسردا وقصا.
وعذرا للحضور على ثرثرتي وكلامي  الذي ربما بدا كلاما مخلوطا... فقد أصبح بعضكم بعد اليوم، أعلم بعلتي مني بعد ما علمها من قبل بعض خلاني وخلصائي!

********

 

ممتن للأستاذ جواد المومني لهذه المقالة النقدية المؤلفة بين الفكر والشعرية

جريدة الاتحاد الاشتراكي،الجمعة 22 دجنبر2017، 3 ربيع الثاني 1439هـ

1ـ إحتفاءً بالماء:

الماء هذا العنصر الحيوي، الماء ذاك الكائن الفريد، الماء لازمةُ الموجودات والمحسوسات. الماء الوجودُ وكفى.

يحتفي النص الروائي خضرا و المجذوب لعبد المالك المومني الصادر عن مطابع الرباط نت سنة 2015 في نسخته الأولى بالماء، ويُفْرد له مجالاتٍ بهيجةً ووارفةً، ستكون محور تقصٍّ وٱستجلاء في ما سيأتي.

و قد راهن الكاتب على الماء منذ العنوان، حيث الخضرةُ و حيث الجذبُ؛ فالأمران معا في هذه العتبة وثيقا الصلة بعنصر الماء، يكفي أن نشير إلى أنّ لَا خضرةَ في الطبيعة دون ماء، كما أن الجذبَ فيها إنما يتأتَّى بفعل نقصانه و قِلَّتِهِ. على أن العناوين الفرعية الستة و العشرين داخل العمل الروائي تُفصحُ مباشرة عن تبنِّيها لنفس التِّيمة ، فهي تبتدئُ بعنوان: ماء ص7، هكذا بطريقة مُنَكَّرَةٍ نكِرَةٍ، لكنها مَعْرِفة مُعَرَّفة، هي الماءُ.

و الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل إن بُؤرةَ الحَكِيِّ ككل تدور حول عين الرّكّادة ، الناعسة، حيث السرد و نسْجُ الأساطير و الرواية للأحداث. وتُطِل علينا أيضا لوحةُ الغلاف، و لعلنا في الحقيقة أمام لوحتين أو تصميمين.

فالتصميم الأول في الواجهة ، إذْ يُظهر بألوان مختلفةٍ يتخذها الماء خلال حالاتٍ، في البِرْكة، أو في النهر أو في البحر أو في العين، و يتأثَّثُ التصميم بقطرةِ ماءٍ مُوشِكةٍ على سقوطها فوق سطحِ مياهٍ راكدةٍ ناعسةٍ. أما عن صورة ظهر الغلاف، فثمة تصميم ثان لعين الركادة ، لكنه يحيل على الفرح أكثر، إذ يلعب أطفال بجوار بناء دائري محيط بنبع مائي، كما يحمل أب إبنته في حنو ظاهر بالقرب من ناعورة تدور بفعل تدفق المياه، مما يضفي على المكان رونقا خاصا، يبين الالتجاء إليه ساعة الحبور و المسرة.

 

2 -  عشق من الماء و إلى الماء:

لعلنا أمام تقاطع بهي مع الروائي العراقي الدكتور علي القاسمي في عمله : مرافئ الحب السبعة بالصفحة رقم 90 ؛ حين قال : ما رأيت الماء إلا أحسست بنوع من اللذة الخفية. كنت أعتقد في طفولتي أن اللذة والألم من مشتقات الماء ، أو أن الماء من مشتقاتهما.

يبقى الماء إذا أسطقسا حاضرا بكثرة في النص الروائي، وقد تقصد الكاتب إقحام أسماء أماكن بالمغرب الشرقي، ذات نبع مائي،   مثل: بئر اجراوة أو بئر مللي أو عين الركادة، كل ذلك في تماه جلي وصل حد الحلول. يقول الكاتب السارد متحدثا عن عين الركادة: كانت عيني التي أنظر بها إلى العالم. ( ص121 من الراوية) ، فاعتبار العين كمصدر للماء عينا للنظر و للبصر و للرؤية وفي ما بعد للرؤيا لعمري هو قمة التماهي والانصهار . ونعثر في الصفحة 17 على قول الكاتب متحدثا عن عين الركادة :

 

كتبت حكايتك/حكايتي

وحين قرؤوك/قرؤوني قالوا :غرقت.

يتبين أن الكاتب قد اختار التعبير عن إحساس داخلي دون إقامة حدود فاصلة بين الواقع والتخييل ، وذاك ما وضعه في سرد بعيد عن التكلف. حيث كانت الغاية التعبير عن مكنون جواني متعالق جدا مع واقع خارجي. و تدعم ذلك أيضا بتدافع كثيف للأصوات، لكنها في الحقيقة صوت واحد، فالسارد هو الحاكي، وهو البطل أحمد، وهو الكاتب عبد المالك المومني، كلها أصوات لإحالة ولمرجع موحدين متحدين.

ويبدو أن الانسيابية في التعبير عن المختلجات ما كان لها أن تصل ذروتها دون أساليب راقية، عمد إليها المؤلف قصدا، من ذلك النصوص الشعرية الزجلية ، والتي كانت عميقة في مغازيها ، غائرة في مدلولاتها. وقد حفت الرواية بالكثير منها ( انظر الصفحات أرقام: 9-27-38-45-100-123 ) وردت جلها إن لم يكن كلها غنائية ملئى بتراتيل عبارة عن كلام موزون ذي نوتة موسيقية رائعة الصياغة و القول.

إن لهذه المادة واستعمالاتها القوية هنا غرض أساسي يتمثل في الاستطراد أو الاسترسال، تأتي لتورط المتلقي في لحظة السرد التي انخطف بها وإليهاالسارد/ الكاتب، حيث ما تفتأ تعود به صوب المعاني السابقة، التي وردت على لسان أحد الشخوص. فحين يقول الصوت المخاطب لأحمد البطل في الصفحة رقم 9:

 

مولاتي خضرا

الزينة العذرا

مرة زينة خضرا

ومرة خالية صحرا

هي ما تعذر

ونا من غرامها

عمري ما نبرا

 

فإنما الكلام هنا مساق للحديث عن عين الركادة، عين الماء الناعسة التي هي حينا جنة خضراء، وحينا قاحلة صحراء، أو حين تهيج المشاعر في الصفحة رقم 38 عند الوقوف على رسمِ أو طلل القسم الدراسيبها، فللحديث أيضا شجنٌ وتعريج على عين الماء:

 

يا حباب من ذاك السرجم

يا ما سهيت زمان نخمم

به عرفت سر الحكمة

وطلعت ب العلم محزم

دخلت من الباب طفل يتيم

وخرجت بيه طير يحوم.

و نفس الشعور نلمسه في نص زجلي آخر بالصفحة 123 ، حيث معاتبة العين الناعسة/الراكدة على طول جفافها أو اجتفافها، حين نضب الماء وغار ، يقول :

لْغيت ا خضرا الناعسة، فيقي

الذيب ما زال ف دارك، باقي

عنداك تّامني، عنداك تيقي

وفمي شحفونشف ريقي

آ خضرا لالّا، طال ركادك

 

إن تيمة الماء المحتفى بها في العمل الروائي ككل، موظفة هنا بشكل واعٍ يحيلنا مباشرة على كتاب الماء و الأحلام لغاستون باشلار، والمُترجَم من قبل: علي نجيب إبراهيم في طبعة 2007 حين يقول: موت الماء أكثر حُلميةً من موت التراب. لا نهائي هو عذاب الماء. وكأني بالمؤلف الكاتب يرى في هذا الجفاف عذابا وموتا، ولَعَمْري إن الأمر لكذلك !!

 

3 - بلاغة الأحلام

يستمر الحَكِيُّ في النص الروائي ويعرج بنا صوب الأحلام، وهي في الحقيقة صنفان هنا، أحلام افتراضية ( الصفحة 31 ) وأحلام يقظة (الصفحة 19)، وإن كان لهذه الأخيرة دور في ترتيب أحداث العمل الروائي و دفعها إلى سياق خاص بالسارد وهو طفل صغير متمدرس. سيتخيل شخوصا وأشباحا وامرأة في ليلة احتجاب للقمر(الصفحة 19)، إن كان ذلك، فإن الأحلام الافتراضية هي بؤرة النص ككل، إذ عليها ستقوم الفكرة المحور. فتأسيس جمعية لقدماء تلاميذ مدرسة الناعسة-الركادة بهدف إنقاذ العين وتجميل محيطها ووضع تصورات وتصاميم تليق بذكراها ذكريات الصبا والطفولة- قصد الحفظ والاعتناء والتخليد، هو الخط الرئيس الذي انبنت عليه جل الوقائع الأخرى (عوائق إدارية، طموح أجنبي للمتاجرة في مياه العين) والذي تفرعت عنه ومنه محكيات ذاتية مرتبطة بالاستدعاء الجميل للأسطورة أو للحكاية العجيبة/الغائبة، الفنطازية (حكاية للا خضرا المنقولة على لسان الكوال= القوًّال، أو المجذوب، أوالمهبول، أوالبهلول ) من الصفحة 94 الى الصفحة 98 في الحلقة الأولى، وكن الصفحة 103 إلى الصفحة 110 في الحلقة الثانية، كلها مصوغة بلغة راقية واقعةٍ بين الفصحى والعامية، ننعتها باللغة الثالثة، وهذا ما نستحسنه إيقاعاً ومضامينَ.

 

4 -  نصوص موازية

في خدمة تيمة الماء

ولعل ذاك ينقلنا مباشرة إلى استراتيجية سردٍ مستثمرةٍ للحكايا الشعبية وبالضبط لتقنية العمل على نصوص تراثية وتنميطها في قالب حكِيٍّ روائي. إن عبد المالك المومني في لحظة ما، قام بمسْرحَةِ العرض (الصفحة 142) حين تم الالتجاء إلى تنبيه المتلقي صوب مشاعر الحب الكبير المُهدى للعين الناعسة/الركادة، فكان تناوب الأصوات/ الشخصيات على إبداء هذا الإحساس في ترديد جماعي من الجوقة لِلَازمةِ القصيد المُؤدَّى.

وقد كان لافتا في النص اعتماده على مناصات أخرى، موازية للحكي، داعمة له، وهي الوثائق المختلفة و المتعددة التي أرفقها الكاتب و توزعت بين التصميم الطوبغرافي ( الصفحتان 79+ 80) وبين الوثيقة التاريخية التأريخية (الصفحة 159) وبين تضمينات مستقاة من مواقع التواصل الاجتماعي (الصفحة 34) وأيضا بين الاقتباس لنصوصٍ تاريخية: مقتطف من كتاب: مغرب الرومان le Maroc des Romains  لصاحبه  لوي شاتلان ( Louis Chatelain ) = الصفحتان 114+115.

كل ذلك يندرج في إطار خطة استدعاءٍ للتاريخ الحقيقي للمنطقة، و ما ذاك الاشتغال إلا لغرض نبيل: رد الاعتبار للعين، عين الركادة، ما يعني شعرية المكان وما يعني تماسَّ كل الخطوط والمهارات في سبيل المقام، وسيدة المقام :

للا خضرا حورية المكان و مولاتو

من شافها وشافتو لبحرها جلباتو

واللي زارتو فمنامو و عاوداتو

ملكاتو وسكناتو عمرو و حياتو .

الصفحة 27.

 

5 -  بين الخروج والعودة

إشارتان أفضل أن أُفرد لهما موقعا خاصا وردتا في الرواية، وهما معا متناغمتان؛ وإحداهما تُؤنس الأخرى، بل وتفضي إليهما.

         الأولى: علاقة شخصية خضرا الدلالة التي كان دورها دايَةً أو قابِلة ( امرأة تساعد الوالدات في الوضع وتتلقى المواليد ) حيث سيتم طردها من القرية بعد ادعاءاتٍ و افتراءات في علاقة مشبوهة وغبر شرعية ب الكوال حسب زعم بعض الأهالي. فما يستوقفني هنا هو عملية الإخراج هذه، حيث مَنْ كان سببا و مساعدا على الإخراج من الرحم، سيجد نفسه مُخْرَجاً و مطرودا من رحم القرية/الحضن، يعني إعادة إنتاج، لكن بطريقة مُشوهة ممسوخة وغير سليمة !!

 

         الثانية: وهي علاقة السارد الكاتب، والذي هو أحمد الطفل، الصغير الذي لقبه أقرانه ب بلًّارج = اللقلاق، وهذا الطائر معروف عنه وفاؤه العظيم لمكانه، إذْ رغم هجراته الموسمية، فإنه يعود صوب عشه/ موطنه الأصلي. والأمر هذا يجد صداه في العمل الروائي، حيث يعود أحمد من الرباط بعد أن كبر وكبرت عائلته إلى عين الركادة وكله شوق وحنين إلى موطنه الأول. فقد شب وترعرع ونما، وهو يطمح رفقة أصدقائه/أقرانه في إعادة ترميم المكان/المقام/الموطن/العش بشكل أبهى حفظا للذاكرة ووفاءً للذكرى.

الواقعتان كما أسلفت، متلازمتان من حيث الخروج والإياب بشكل من الأشكال. فنحن نعثر على خروج خضرا من القرية، وخروج أحمد صغيرا منها، ثم خروج الأطفال من رحم أمهاتهم، وبالمقابل نجد إياب أحمد إلى القرية وإياب الأقران / الأصحاب كذلك، وليس ثمة عودة خضرا ! إلا أنها عادت، أو أُعيدتْ بفعل استراتيجية السرد التي مارسها الكاتب بلسان خضرا الدلالة ، ما يعني رد الاعتبار لهذه الشخصية التي طالما ساهمت في إخراج حيوات إلى الوجود، حيث قامت ب إخراج الأطفال من شوقهم وعطشهم المعنوي في معرفة بقية أحداث ووقائع حكاية/حجاية للا خضرا لَوْليّة مولاة المكان = الحكاية الغائبة في فصل:

حنَّا وختم الحكاية من الصفحة 143 إلى الصفحة 149، تلك الحجاية التي بدأها الكوَّال البهلول وأنهت سرد وقائعها هي، خضرا الدلالة من خلال القصّ الشيق.

 

على سبيل الختم:

قال الاستاذ عبد المالك المومني في آخر صفحة من روايته : خضرا والمجذوب بالصفحة 208 : هذه روايتي هذه ذاكرتي و نظرتي ، لا تلزم أحدا. لعل الصيغة التي جاءت هنا ، دليل قاطع على أننا أمام عمل من جنس المحكي الذاتي حيث تَذْويتُ الكتابة وحيث الحدود ملتبسة بين الواقع والتخييل.

 

 alittihad.info منقول عن وقع 

 

 

 

 

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط هنا

.........................................

 

الأستاذ عبدالمالك المومني:

شكري وامتناني لما أحظى به في الموقع  المشع من عناية ومكانة. جعله الله نبراسا للثقافة المحلية

 والوطنية،وبارك في عمر القائم عليه!

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

Compteur Global gratuit sans inscription