بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

ذ.عبدالمالك المومني

Ahfir : Les racines et les ailes

 

صورة غلاف الكتاب                                                            

نقاط البيع                        

الرباط :                             

- مكتبة دار الأمان

-  المكتبة الألفية

الدار البيضاء:

 -  مكتبة خدمة الكتاب

 - كشك الراشد حسن ، جنب مقشدة vogue ومحطة الترام ، وسط المدينة

وجدة: مكتبة دار الصحافة للسيد بلهاشمي.

تازة: بالمكتبة القريبة من ساحة الاستقلال بتازة السفلى .( قرب الساتيام )

القنيطرة : كشك السيد سالم جنب مقهى طارق.

 

 

الواحد المتعدد وإشكالية التجنيس في رواية "خضرا والمجذوب" لعبد المالك المومني.

بقلم الدكتورة إلهام محمد الصنابي

أضحى اسم عبد المالك المومني مرتبطا بمكان لا يكاد يمر اسمه على مستمع إلا وترك في نفسه أثرا، إنها "الركادة" أو "الناعسة"، المكان/ الرقصة/ الكلام البدوي الموزون، كلها دلائل لمدلول واحد، المكان الذي أسر قلب الكاتب وفكره، ولا أدل من هذا الأسر والعشق السرمدي هو هذا الارتباط الذي يتجلى في كل انتاجاته الأدبية والتوثيقية، "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" "ريحة البلاد خضرا" ولو تسنى له لقدم دراسته الأكاديمية حول العين الناعسة، لالة خضرا

إن هذا العمل الجديد يعتبر لبنة جديدة يضيفها الكاتب عبد المالك المومني إلى بنائه الصلد الذي يحاول جاهدا رفقة مجموعة من الغيورين من أبناء الركادة إنقاذ ما تبقى منها من أيدي المستعمر الجديد الذي يسعى إلى استغلال خيراتها لصالح أطماعه الشخصية، ومن أنياب الجرافة التي باتت تحصد ذكريات محفورة في عمق التاريخ

وانطلاقا من قراءتي لهذا العمل الذي صنفه صاحبه ضمن جنس الرواية، وجدت أن ثمة مجموعة من المكونات التي اتخذت أبعادا متعددة ودلالات مختلفة، لذلك بلورتها في موضوع "الواحد المتعدد في خضرا والمجذوب"، وهي مكونات تجلت بصورة أوضح في العنوان:

1 -  خضرا

- 1-1من الخضرة والخصب والنماء، دليل على الربيع وما يستتبعه من طبيعة آسرة مائية ونباتية وحيوانية، وخضرا تعود بنا أيضا إلى بيبليوغرافية الكاتب نفسه، فسلسلة إصداراته لا تكاد تخلو من هذا الدال: إذ سبق للكاتب إذ أصدر ديوان زجل بعنوان: "ريحة البلاد خضرا" عام 2011، كما أنها كانت محور عمله السابق الذي وسمه ب "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان"1996 حيث كان المكان "عين الركادة" بؤرة الحكي في علاقته بطائر اللقلاق،

- 1-2حنا خضرا: تلك الدَّلاَّلة التي توفي عنها زوجها وتركها دون ولد يكفيها مذلة الحياة أو بيت يؤويها من حر الطبيعة وبطش الألسن، حيث تناسلت الأقاويل عنها وتولدت الحكايات عن سيرتها وصيتها، فسلقتها ألسنة آهل البلدة، فاضطرت في الأخير إلى مغادرتها باكية شاكية تحت وطء حجارة رميت بها في مشهد درامي، نقل من خلاله السارد أبشع الممارسات التي تعرضت لها هذه المرأة التي كانت في الأيام الخوالي سببا في حياة الكثير من أبناء القرية، لأنها كانت المولدة أو ما يعرف ب "القابلة"، كما كانت "العطارة الوحيدة " التي تدخل البيوت لتبيع سلعة بسيطة حسب احتياجات نساء القرية ،فاختلفت الأقوال حول مصيرها ليكون الرأي الأرجح هو التحاقها بأخيها الذي يقطن في مدينة من مدن الغرب المغربي كما جاء على لسان والدة السارد

- 1-3 خضرا زوج القائد دحمان، بعد أن حقق القائد دحمان انتصارات على العدو، قام السلطان المغربي بإهدائها له حسب بعض الأقوال- إلا أنها كانت عاقرا، فاقترحت على القائد الزواج من ثانية ليحظى بالولد، وقد كافأها على موقفها هذا بأن أهداها ضيعة وبعض الخدم، فعزلت نفسها عن الدنيا ومفاتنها وانتبذت مكانا قصيا تتعبد وتذكر الله، تاركة أمر الزراعة والرعي للخدم. وفي رحلة بحث عن ثور ضائع اكتشف الخادم وابنه عينا جارية في أرض لالة خضرا لتسمى بذلك العين باسمها، بل أضحت مزارا يقصده الناس من كل حدب وصوب فانتشر البناء وأصبح المكان معروفا باسم "رباط لالة خضرا

- 1-4 خضرا: الاسم المتداول: نظرا للمكانة التي حظيت بها للا خضرا زوجة القائد دحمان. ونظرا لروحانياتها وقربها من الله ونظرا لكرمها، فقد أصبح يشاع أنها لا تزال حية ، بل أصبح اسمها دالا على الخير والبركة والإيمان. لذا ما ولدت أنثى في البلدة إلا وسارع الأب إلى تسميتها خضرا، فأصبحن "خضرات هما في البلاد" ، وأصبح الاسم مفخرة ،

2- المجذوب: وهو اسم مفعول من فعل جذب، وهو من المصطلحات الصوفية التي تدل على شدة الوجد والهيام بين الإنسان والله، وشدة الإيمان بالقضايا الغيبية الروحانية، وببعض الخوارق الطبيعية، فيكون المجذوب عاشقا ولهان يفسر أفعاله وأقواله بالغيبيات واللامرئيات، وهو إنسان عارف بالأسرار أو هكذا يشاع، رمى زينة الحياة الدنيا ولبس الزهد والتصوف، وعاف المأكل والمقام، واكتفى بالمرقع والقليل من الزاد. فالجذب إذا هو حالة من أحوال النفس تغيب فيها عن العالم الخارجي وتستبطن العوالم الباطنية. ولما كانت لالة خضرا عينا جارية تنضح بالصفاء، كان لابد من وجود عارف بأسرارها، خبير بخباياها، متزهد عابد عارف بالقدرة التي فجرتها، فكان المجذوب الواحد في السلوك والعشق، المصرح به في عنوان المؤلف، المتعدد في التجلي والتمظهر:

- 2-1 المجذوب: قد يكون أول عشاق لالة خضرا وأول العارفين بها، وقد ظهر إبان حفر العين وسيلان مائها، وقد جاء ذكره في موضع متأخر جدا مقارنة مع باقي المجاذيب، وقد كان يتردد على العين ويغيب إلى أن اختفى كليا اسمه "عبد الرحمن"وكان ب الكلام المنظوم مشهور، 

- 2-2،المجذوب الكوال: الذي وجد أول مرة في باحة العين بعباءة بنية مائلة إلى السواد، مجهول أصله ومأواه، إنه الكوال التي تعرض لشتى أنواع السب والشتم والإهانات من أهل البلدة كبارها وبعض صغارها. وهو صاحب سر لالة خضراء الناعسة.كان يتحلق حوله الصبية في فترة الاستراحة بين مادتي العربية والفرنسية، يستمعون بإحساس كبير وبامتعاض أيضا لما يسرده من قصة العين وأهلها. إلا أن معاملة بعض الأهل لم تكتب له أن أكمل القصة، لتتكفل بعد ذلك حنا خضراء بإتمامها . وقد ربطته بالسارد أحمد علاقة غريبة تختلف عن باقي علاقات الصبية به، حيث كان غالبا ما يدافع عنه إذا تعرض للإهانة في وجوده كما في غيابه، وكان يستمتع بأزجاله وينصت إليها بإمعان، ويعترف بذلك إذ قال: لم يكد ينتهي إنشاده حتى اهتززت طربا وصفقت، وكنت الوحيد الذي فعل،." لذلك خص المجذوب الكوال السارد وحده بوعد تكملة حكاية العين الناعسة 

-3-2 المجذوب السارد: إنه المجذوب الذي افتتن بلالة خضرا وجلس يناظر العين والخضرة والشجر والصخر، إنه المجذوب "أحمد" السارد الذي يتخفى وهو المعلن عن نفسه، إنه الهيمان بحب العين والمكان، ابن الناعسة، شرب ماءها فأحيت فيه الحب وجعلته سرمديا. أنه ذلك الطفل الذي أيقظته أمه ذات فجر ظنا منها أنه وقت الدراسة ليجد نفسه وحيدا في الطريق إليها، وحيدا على أبوابها، فيصاب بهزة جذبة إثر حلم غريب. وهو يصرح بهذا العشق والوله منذ أول صفحة يقول: "تعروني حبيبتي هزة... "جذبة"؟؟ كلما خطر اسمك بالنفس والبال، يمور في الأعماق هادئا.. ثم ما يلبث ان يثور ويفور" ، وقد تجلى انجذابه للعين الناعسة الجافة للجميع بدءا بأبنائه إذ تصرح منى أن ما تراه من حب أبيها للعين لا يفهم، لأنها حالة غير عادية، انه "مجذوب وخلاص

وها هو ذا قد وجد صدى حبه عند الأصحاب، تلك الثلة التي اجتمعت على حب المكان والارتباط به والحسرة على مآله والرغبة في تحويله حاله. إلا أن عشق "أحمد" كان يفوقهم. يقول عنه عبد القادر "الله على الناعسة وما فعلت ف أولادها احمد بهواها مجذوب وجمال بماها سكران

ويتبدى هيامه وعشقه للناعسة لصديقه جمال جليا عندما تأمل أحمد بطاقة ورقية للعين الناعسة، يقول: "أرى أخانا الهيمان اهتز كالمجذوب حين تأمل البطاقة" ، هذا ما فعلته بطاقة ورقية، فماذا عنه عندما يقف على المكان عينا، وهنا أجدني أقف عند لفظة "الهيمان" وهي في حد ذاتها إشارة إلى المؤلف السابق للكاتب عبد المالك المومني، "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان". بالتالي فإن نصوص المؤلف تكاد لا تغادر تيمة الحب والعشق والجذب بمكان واحد وهي العين، ولعل في العين نفسها ما يوحي بهذا العشق الأزلي. فالعين هي المنبع وهي الحياة،

3- بلارج: من يجهل سيقانه الطويلة النحيفة، وعنقه الممتد على طول يناطح به السحاب، من الطيور المهاجرة التي إن فكر في الاستقرار فلا يرضى إلا بالمنازل العالية الضاربة في كبد السماء، ولعل أول منزل هو المآذن، إلى حد جعلنا ننظر إلى هذا الطائر نظرة دينية روحانية. وبالتالي فإن ارتباط الناس به لارتباطه بالمسجد، كما أنه مرتبط بالماء نظرا لاعتماد غذائه على المخلوقات المائية. لذا فإن منطقة أبركان تعد من المناطق المستقطبة لهذا الطائر،إلا أنه قد هاجر من ملوية ومن المدينة نظرا لكونه أولا من الطيور المهاجرة، ونظرا ثانيا للتحولات البيئية التي تعرفها المنطقة، وخصوصا بعد ركود العين وجفافها، فهل من عودة؟ وقد اتخذ هذا الطائر صورا متعددة يمكن إجمالها صورتين، هما:

3-1 بلارج اللقلاق الحقيقي: إن اتضاح فكرة طائر اللقلاق في كتابات عبد المالك المومني وجب أن ترتبط بالسياق الخارجي أيضا ضمن سيرورة كتاباته. فبالعودة إلى مؤلفه السابق "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" حضر طائر اللقلاق بشكل قوي جدا وقد هاجر المكان بعد الجفاف وانعدام الهدوء والسكينة. إلا أن هجرته مهما طالت فلابد من أوبة إلى عشه الأصلي، والمقصود به طبعا "العين الناعسة"، فتلازم اللقلاق والعين هو كتلازم الدال والمدلول، وهنا ارجع إلى "خضرا والمجذوب"، حيث يتجلى اللقلاق بلارج على صورة الغلاف أولا باعتباره العتبة الأولى للقراءة، طائر يحلق عاليا محتضنا طيورا أخرى أصغر حجما لعلها الخطاطيف كما جاء في المؤلف، بنى اللقلاق عشه أعلى شجرة السروة حيث كان الكوال المجذوب يمر بمحاذاتها، ويتأملها مرات ومرات ثم ينصرف. فالبستان كان في ملكية المعمر شقرون، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن اللقلاق ما كان ليشعر بالطمأنينة والهدوء، فغادره عله يعود إليه مرة ثانية، أو يكون قد استبدله بمكان أخر 

ثم تأتي الإصلاحات إلى عين الركادة، حيث يصر احمد رفقة قدماء تلاميذ مدرسة الركادة على إرجاع اللقلاق إلى وكره، عن طريق المخطط الهندسي الذي شاركت في إعداده مريم البتول ابنة أحمد، السارد، عبد المالك المومني، وهو تصور نظري لعين الناعسة جاء وصفه في أكثر من مقطع، لذا كان التفكير في تأسيس جمعية تنظم العمل وتقننه من أهم الخطوات الإجرائية لذلك، ولعل بناء المسجد هو أول خطوات رجوع اللقلاق، وسيكون من مكونات شعار الجمعية أيضا

3-2 بلارج الناعسة-السارد: عندما لقيه قويدر بعد طول غياب عانقه وقال له:"عاش من شافك أخويا بلارج" ، يجد متعته في هذا النعت إذ يقول "هل منكم من يرغب في مجاورتي..؟ ولكن تندمون لأن لقلقة بلارج مزعجة

كان نحيفا طويل القامة طولا لا يتناسب مع سنه أيام الدراسة، دقيق الساقين، إنها أوصاف تتناسب وأوصاف اللقلاق وأول من أطلق عليه هذا الوصف هو معلم العربية كما أشار بذلك بقوله:"اسكت آبلارج" ، ومن يومها أصبح الاسم لصيقا به، وكان مزهوا به مفتخرا بانتمائه للطائر أو ربما انتماء الطائر إليه، لما لهذا الطائر من حظوة عنده وعند آهل الناعسة عموما، ومن ثمة أصبح لا ينادى إلا به تارة مفردا، بلارج، وتارة منسوبا إلى العين، بلارج لالة خضرا، أو بلارج الناعسة. ولعل درجة التصاقه بهذا اللقب تجلى عندما أراد أن يقدم نفسه للمرأة التي أحبها عارضا عليها الزواج قال: "يسمونني بلارج خضرا، وخضرا حورية مكان سكنته وسكنني منذ صغري" ، فيتجلى انتساب الشاب للمكان والطائر أكثر من انتسابه إلى اسمه وعائلته، ثم هو تصريح مباشر لهذه المرأة بأنها ستكون مزاحمة بأنثى أخرى هي حورية المكان، ومن ثم نفسر معنى أن يتحول اسم الزوجة من حياة إلى حورية في هذا العمل،

إشكالية التجنيس

اعتدنا في دراساتنا أن نبدأ بالعتبات باعتبارها معينا على القراءة، ونصوصا موازية تسهم في تحليل النصوص وقراءتها، إلا أني ارتأيت أن اجعلها أخيرا لمقاصد متعددة، من بينها:

أولا: العنوان والمتن:

اتضح إذا أن العنوان جاء يحمل في مكوناته عنصرين أساسين هما خضرا والمجذوب، ومن خلال التحليل اتضح أن خضرا وإن توحدت في الاسم، الدال، إلا أنها اتخذت دلالات وتجليات متعددة ومدلولات مختلفة، فهي العين، وهي حنا، وهي الزوجة الأسطورية، وهي الامتداد في القرية.

أما المجذوب، فاتضح أيضا أنهم مجاذيبهم في هذا العمل، إلا أن الأرجح هو أن يكون السارد أحمد الذي يتخفي عبد المالك المومني في جلبابه هو المقصود الأول، وهو نفسه الهيمان في رواية "الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان" أحمد بن السي عمر بن الفقيه الاخضر

ثانيا: الصورة

وأنا أطالع الصورة أول الأمر تهيأ لي أنه يتعلق بأيقونة إدارية، خاصة ببلدية أو جماعة،، وهي غالبا ما تأخذ هذا الإطار الذي هو عبارة عن مربع أو مستطيل ظلعه الأسفل معقوف إلى من وسطه، تتوسط الصورة التشكيلية شجرة شامخة نحيلة الجذع باسقة الأوراق مع طائر لقلاق يحضن طيورا صغيرة لعلها الخطاطيف مع قطرة ماء على صفحة بيضاء معلقة بين الطائر وبين أرضية خضراء بجوفها بحيرة مائية عميقة، إلى الجانب الأخر جزء من سور قديم على شكل قصبة تاريخية ذات طابع معماري مغربي يعود إلى العصور المغربية الزاهرة، 

هذه الصورة تشكل بحق تجليا من تجليات الحكاية التي أسهب أحمد بلارج خضرا في سردها، وتجد تجليا لها أيضا في الحوار الذي دار بين جمال وعبد الكريم وعبد الله وأحمد حول مشروع "جمعية قدماء تلامذة الناعسة" وهو مشروع يحاول إعادة الوضعية الاعتبارية للعين والقرية باعتبارها منطقة تاريخية وثقافية، حيث قال جمال: "بلارج وخطاطيف في سماء العين: لوحة فنية جميلة تكون شعارا لجمعيتنا الفتية لو اقترحتها على ابنتك البتول يا أحمد.

عبد الكريم: ولماذا لا تكون لوحة غلاف للحكاية الرواية التي تكتبها كما أخبرتنا؟

أنا: فكرة تجول بالبال والله، قد يضاف ما يدل على القصبة المندثرة سأعرضها على البتول إذا عزمت النشر" .

وقد تم النشر فعلا وجاء الغلاف مؤثثا بمعالم الصورة أعلاه،

التجنيس:

عندما يوثق الكاتب على غلاف صفحته جنس مؤلفه، فهو يدخل في تعاقد صريح مع قارئه حول جنس المحتوى، إلا أن التجنيس في بعض الأحيان يكون موهما، فنكتب رواية لنجدها في حقيقة الأمر سيرة ذاتية توثيقية كما هو الحال في هذا العمل للكاتب عبد المالك المومني،

إن المعطيات السابقة، من داخل هذا المتن الحكائي، ومن خارجه أيضا، القصد منها النصوص السابقة سواء منها الحكائية آم الزجلية تجعلنا نرجح أن يكون العمل سيرة ذاتية، حيث الانطلاق حقائق واقعة فعلا وأحداث عرفت تحققها في الزمان والمكان،طبعا مع عدم خلوها من المتخيل السردي، والعمل هذا يؤسس لعلاقة وثيقة تربط السارد عبد المالك المومني "أحمد" بمكان عين الناعسة وهي علاقة تجمع بين الوجداني والثقافي والنفسي والتاريخي، وتتجلي في العديد من المحطات عبر هذا العمل، ولعل القول إنه سيرة ذاتية توثيقية يرجع إلى العديد من الدلائل من بينها:

أولا: الفضاء الجغرافي، عين الركادة، تلك القرية الوقعة بين أحفير وبركان، التي شهدت ميلاد السارد وتسلسل أحداث حياته.

ثانيا: الصور التاريخية التي عزز بها السارد حكيه، ومثاله تلك البطاقة البريدية التي كانت بحوزة جمال المتخصص في جمع نوادر العين الناعسة، وهي تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي

ثالثا: بعض الحقائق التاريخية، مثل قصة السور الذي يقع في مزرعة المعمر شقرون الذي يرجع إلى الحقبة الإسماعيلية نسبة إلى المولى إسماعيل كما جاء في العديد من المحطات، 

رابعا: اسماء الشخصيات، سواء منها المنتمية الى الأاسرة أم تلك المنتمية الى عالم الأصدقاء جمال عبد الحميد عبد الكريم، وان حاول ان يدخلنا عالم المتخيل عبر أسماء أخرى مثل يونس ابنه الذي هو في الأصل يوسف واسم زوجه حياة التي أصبحت حورية، وان كان للاسم دلالته حيث وصف عين الناعسة بحورية سكنته، 

ختاما:

"خضرا والمجذوب" محطة أخرى من محطات الارتباط بالمكان، تجلى في كل أبعاده التاريخية والنفسية والثقافية، انطلق السارد من نقطة العين الناعسة، وانتهى إليها، 

كنت من قبل أمر على عين الركادة وأنا مستبشرة بعمليات التوسعة وإعادة هيكلة المكان، وتثنية الطريق، لكن بعد قراءة هذا العمل، صرت أتساءل عن مصير العين ومآلها، وعن المدرسة وفصولها، وعن القصبة وما جرى بها، وعن اللقلاق هل عاد من هجرته، وأمام هذا أجدني أسأل أيضا عن مشروع جمعية قدماء تلامذة لالة خضرا، وهل تم استبعاد المعمر الجديد الذي أراد استنزاف ماء العين في القنينات؟ تلك هي أسئلة المشروع الحضاري للالة خضرا.

 

 


نداء المكان"
أو
حكاية المجذوب سيدي أحمد الكوال
وما جرى له مع روحانية العين لالة خضرا
مولاة الركادة
.
***
قراءة في رواية : عبد المالك المومني
"
خضرا والمجذوب".
*
بقلم : جمال الدين حريفي.
القنيطرة:04/02/2016 .
***
الحلقة الأولى: العين والجوابي

" روائي بعيد الرؤيا وعميق الغور، يستشرف الآتي ببصيرة الحكماء ويعتبر الكتابة رافعة للتنمية الاجتماعية ووسيلة لحفظ ذاكرة المكان وكرامة الإنسان، ذلك هو عبد المالك المومني حفظه الله وأطال عمره."
إذا كانت عبارة " مع سبق الإصرار والترصد" تفيد بأن الفاعل قد أتى فعله عامدا، فإن أخذها بالمعنى الإيجابي مع تحوير بسيط، يجعلها تنطبق على المنجز الروائي الأخير " خضرا والمجذوب" للدكتور عبد المالك المومني، فالرواية كُتبت عن سابق تفكير وتخطيط وتدبر، ولم تخرج إلى النور عفو الخاطر، وهو تفكير وتخطيط وتدبر ليس ابن السنة أو السنتين أو العشر سنوات، بل واكب كل أطوار وتقلبات حياة الكاتب، إنها روايةٌ حلمٌ، روايةُ عمرٍ وروايةُ حياةٍ. روايةٌ نشأت مع طفولة البطل بذرةً وحلما ثم نمت مع شبابه واستوت ناضجة، لتصير واقعا حيا مع عودته إلى مسقط رأسه، بعد أن طوف بأرجاء البلاد وخبر معادن العباد.
ولن أجازف إذا أعلنت بأن بذرة " ما سيصير" قد وقعت في قلب البطل وهو بعد طفل، يوم التبس على الوالدة الوقت، فاستعجلته الخروج إلى المدرسة فجرا، ليجد نفسه وحيدا عند عتبة باب القسم؛ هناك بين اليقظة والنوم، أو بين الحقيقة والحلم، ستأخذه مولاة الركادة "لالة خضرا" من يده وتعمده بماء العين، هي وهو، وحدهما فجرا يستحمان في ماء العين27، ومن يومها ستصبح خضرا مولاته وأمته، عاشقته ومعشوقته، من يومها ستكبر فيه البذرة وستكبر معه شجرة الحكاية ثم تزهر وتثمر ليأتي الكاتب ويقطف الثمرة.
إن رواية " خضرا والمجذوب " هي ثمرة لهذه التجربة التي يتماهى فيها الروائي ببطله والحكاية بالعين، والكتابة بسيدة الماء " لالة خضرا".
هي رواية في عشق المكان وترابه ومائه، وفي الوفاء لتاريخه وقيمه وناسه.
ما يؤكد أنها رواية استغرقت عمر بطلها وعمر كاتبها، أنها هي ذاتها تكاد تشبه في بنائها عين الماء وجوابيها.
فإذا كانت العين تغور عميقا في طبقات الأرض لتنصت لنبض الباطن، ثم تفور لتروي الحي بمائها، فإن الكاتب أيضا يغور عميقا في طبقات الأزمنة وفي باطن حياته وحياة بلدته وتاريخها، في الثقافة الشعبية للمكان، وفي الأحاجي والأقوال والقصص والخرافات والأزجال، يصغي للنبض العميق والبعيد ثم يفور ليملأ الجوابي بماء الحكايات والوقائع والأحداث، يملأ الجوابي بالذكريات، بمعاناة الطفولة وقساوة الحياة، يملؤها بالأحزان والمسرات ويملؤها بالتجارب والخبرات. "خضرا والمجذوب" رحيق عمر، وحلم طفل صار كاتبا فأوفى بالعهد.
ـ عين وجوابي ماء، هذه هي خضرا الركادة.
ـ كاتب وفصول رواية، هذا هو مجذوب خضرا.
وتلك جوابيها، " ماء وحكايات" في انتظار من يطلب الحياة ويروم الارتواء من عين الكتابة.
ـ جابية الأرض والخرافة والتاريخ والواقع.
ـ جابية الأسرة والأهل والأصدقاء والأحبة.
ـ جابية اللقلاق والخطاطيف والفراخ والدلالة والكوال.
ـ جابية الطفولة والفتوة والدراسة والفرح والدهشة والاكتشاف.
ـ جابية الأغوار العميقة للاشعور وللنفس وللروح العامة للثقافة الشعبية.
ـ جابية الهجرة والتيه والضياع وتقاطع الأقدار والمصائر.
ـ جابية التدافع والصراع بين الأصيل والدخيل، وبين الخراف والذئاب، والحمائم والثعالب، والطلح والزيتون.
جابية اللسان الفصيح، واللسان العامي الدارج، والزجل، واللغة الثالثة للصحافة، واللغة الحديثة للأنترنيت.
جوابي ملأى زاخرة وعامرة، لا تشبه أي جابية جارتها، كما لا تشبه كل قطرة ماء في كل جابية أختها.
جوابي تلقي إليها العين بماء حملها مثلما يلقي إليها الكاتب بدفق عقله ووجدانه.
وبعد: هذا ما كان بشأن التنويه بعمل الكاتب وتبصرة القراء بأجوائه.
فلننتقل الآن، من خلال المحاور التالية، إلى التفاصيل، آملين أن نغترف من كل جابية ما يطفئ بعض العطش إلى الأدب المغاير والمختلف .
 

نداء المكان
***
قراءة في رواية : د.عبد المالك المومني
"
خضرا والمجذوب".
*
بقلم : جمال الدين حريفي
.

الحلقة ( 2 )
******
1)
فاتحة الرهان :
***************
يستفيد السي أحمد ـ أستاذ الجغرافيا الثقافية بإحدى المؤسسات الجامعية بالعاصمة ـ من تعويضات المغادرة الطوعية، فيقرر العودة إلى مسقط رأسه الركادة، المشهورة بالرقصة التي تحمل الإسم نفسه148، وبعين الماء المسماة لالة خضرا، وذلك من أجل ترميم الدار الكبيرة، بيت الوالدين، حفظا لذاكرة العائلة. ومن أجل الدفاع رفقة أصدقاء الطفولة عن مشروع تهيئة العين ومحيطها حفظا لذاكرة المكان ووفاء لموطن الصبا و أحلام الطفولة69.
لقد تعذر على السي أحمد استرجاع الدار الكبيرة169، فهل سيحالفه النجاح في إعادة الاعتبار للالة خضرا؟ وهل سيجد آذانا صاغية لأحلامه وأيادي ممدودة لتحقيق مشروعه؟
ذلك هو الرهان الصعب لهذه الرواية، رهان الماضي والمستقبل، رهان السي أحمد الإنسان وعين الركادة المكان.
وهو في الآن نفسه، درس بليغ في ارتباط المثقف بمحيطه، ومساهمته في تنمية منطقته.
2)
الركادة المكان :
*****************
يعرف السي أحمد أستاذ الجغرافيا الثقافية بأن المكان لا يغادر مكانه، فعين الركادة كانت هنا قبل أن يوجد أو يولد، عين ماء وجوابٍ، استراحت حولها قوافل السيارين ثم واصلت رحلاتها بين شرق وغرب. وفوق المكان عاش ناس وماتوا، ومنه مر آخرون في أسفارهم التي لا تنتهي، وبه حط غيرهم الرحال، وبنوا أعشاشهم، وفرخوا البنين والبنات، واللقالق والخطاطيف والخرافات، والعين في مكانها تفور و تغور على إيقاع فريد ينظمه الجدب و الخصب الذي قدر للفصول.
يعرف أستاذ الجغرافيا الثقافية من خلال الدراسات والأبحاث التي قاده اهتمامه بتاريخ الركادة إلى تقليب أوراقها بأن العين المسماة "لالة خضرا" تعد عند كثيرين أثرا من الآثار الرومانية، الدليل على ذلك عندهم أن أحجارها وضعت على شكل الكتل الصخرية التي كان يستعملها الرومان في حصر الماء114، هذا ما يقوله ِكتاب "مغرب الرومان" 115.
كما يعرف من خلال ما خلفه الرحالة والمدونون بأن شعائر المسيحية أقيمت هناك، الدليل على ذلك أن الراهب " غراسلي" قس بركان، وَجَدَ بالركادة قطعة رخام مزخرفة بصليب منقوش يبدو أنه كان لمعبد مسيحي يعود إلى القرن الرابع أو الخامس عشر.
أما اليقين الذي لا يحتاج عنده إلى إخباريين ومدونين ورحالة، فهو أن العين كانت هنا قبل الرومان، في المكان نفسه الذي هي فيه الآن، بين مدينتي أحفير وأبركان، وعلى بعد عشرة كلومترات فقط من هذه الأخيرة114.
(
عين ماء وجواب وبضع صفصافات على حاشية الطريق المتجهة إلى وجدة).
وقد كان عهد بين ذاك وهذا الماثل الآن للعيان، شهد السي أحمد نهايته أو سمع بأحداثها وأخبارها من معاصريه ومجايليه، حيث عمد المستعمر الغاشم إلى قصبة مولاي اسماعيل فهدمها وحط محلها ثكنته وضيعة معمريه12، ولم تكن له من حسنة في ما عمل بالبلاد والعباد غير إعادة بناء بئر العين وساقيتها وبناء نواة للتعليم الابتدائي، منها تخرج الصبي أحمد وأقرانه الذين سيتقاسم معهم الهم والحلم50. أما الضيعة فستؤول إلى " المهندس بنعيسى " كما آلت شبيهاتها إلى أشباهه من سماسرة الوقت و العَرَق12. وأما العين وجوابيها، فستكون على مرمى مخلب وناب، من مخالب وأنياب الكواسر والضواري التي لا تعترف بتاريخ ولا بأحلام 66.
و بين الرومان والاستعمار أنشأت الذاكرة الشعبية للعين تاريخا موازيا واسما رمزيا وحكاية تتناقلها الأجيال، مثلما أنشأت لغير هذا المكان على طول البلاد وعرضها أسماء وتواريخ وحكايات.
فكما نشأت هنا وهناك، قصة لالة ميمونة وسيدي عبد الجليل الطيار( نواحي القنيطرة) أو لالة عيشة البحرية و مولاي بوشعيب الرداد ( نواحي الجديدة)، فقد نشأت حول العين قصة لالة خضرا والقايد دحمان. ولعل الخيال الشعبي قد نسج هذه القصص حول بعض من الحقيقة ثم أَسْطَرَها في الفترة نفسها من الزمان، فحظيت الكثير من الأمكنة المرهوبة أو المرغوبة بنصيبها من الخرافة، وكان للعين نصيب منها، ونصيب آخر وافر من خيال مؤلف الرواية.
تقول الخرافة إذن إن المكان ذاك المسمى الآن بالركادة، كان يخضع لنفوذ قائد همام هو القايد دحمان، وإن الفارس الرصين الحكيم كانت له زوجة تفوقه صلاحا وعفة وتقوى. فلما لم يرزق منها بالولد ولم تشأ هي حرمانه من العقب، دفعته دفعا إلى الزواج بغيرها على أن يخصص لها في منطقة نفوذه وسلطانه ربعا تأوي إليه لعبادة ربها، ويخصها بمن يخدمها، وكذلك كان.
اشتهرت المرأة في خلوتها تلك بالزهد وفراغ القلب من هم الدنيا، وكانت غوثا للملهوفين من فقراء ومساكين وأبناء سبيل، ومرسى لشكاوى المظلومين والمحرومين، حتى حصل أن تاه ثور عن القطيع الذي كان يحرسه رابح ابن خادمها العبد ميمون، فتعقب العبد وابنه أثر الثور فقادهما إلى أروع وأعجب خبر زفه ميمون على عجل إلى مولاته خضرا، لقد قادهما الأثر إلى اكتشاف " عين ماء"105.
هكذا ظهرت العين واشتهرت باسم صاحبة الربع المرأة الصالحة لالة خضرا، وصار الربع رباطا تحلق حوله الأتباع يتبركون بكرامات الولية ويلهجون في الآفاق بفضلها. غير أن الحساد والوشاة لا يتركون بهجة إلا نغصوها، ولا ربعا إلا دكوه وردموه، وذلك ما حصل لرباط المرأة الصالحة ، فقد أغري بها سلطان الوقت، فهدم صرحها وخرب ربعها وشتت شمل أتباعها وأتباع القايد دحمان. واختلفت حول مصيرهما الأقاويل، مضيفة المزيد من الغرابة والإبهام على الحكاية، هل أقبرت المرأة، أم جلدت ورجمت حتى زهقت روحها أم ألقي بها في كهف، أم طمرت في حفرة؟ وكيف بات الفارس دحمان ولم يصبح، هل طلعت بروحه السيوف التي تناوشته حين اقتحم الصفوف في معركته ضد جند الطاغية؟ أم ألقي به في كهف، أم داسته حوافر العسف أم ابتلعته مغارة الحتف؟ لكن الذي لا يختلف حوله راويان هو أن لالة خضرا الرقادة والفارس دحمان حيان يرزقان حياة الشهداء والأبرار.
أما لالة خضرا، فيقول القوَّال إنها عادت إلى رحم الماء لتنشأ فيها النشأة الأخرى، ويقول إن روحها تحولت إلى كل نبتة وإلى كل زهرة وإلى كل طائر يحلق في السماء أو شجرة تظل الأحياء. لقد حلت من وقتها في العين وصارت روحانيتها ومولاتها. وأما الفارس دحمان، فيقول القوَّال إبأنه صار لقلاقا ، وبنى عشه فوق الصنوبرة القريبة من العين لكي تكون المحبوبة على الدوام على مرمى القلب والنظر. إنهما، يقول الرواة، حَيَّان. الروحانيةُ تتخلق حورية من أبهى وأجمل الحوريات، ترقد فيغور الماء، و تفيق فيفور، ويعم الخير والنعيم، وتبتسم شقائق النعمان لرقص البنات وأزجال الفتيان. وكثيرا ما كانت ترقد،، فسميت لذلك الرقادة، الرقادة لالة خضرا148. الركادة المكان.
وهو، " الفارس دحمان"، يحط على الصنوبرة الوحيدة القريبة من مائها ويرقب إطلالتها حين تفيق، أو يحرس إغفاءتها وهي تنام، في انتظار أن يأتي الفتى المختار ويكتب ملحمة العاشقين. فتلك العين " عين بلارج "التي كان يرقب بها الفارس إطلالة معشوقته، هي، وفي الآن نفسه، عين السي أحمد بطل الرواية 70 وعين الفارس دحمان بطل الخرافة؛ وهل من شك في أن السي أحمد هو نفسه "دحمان "؟، ما أقرب الاسمين إلى بعضهما وما أشبه البطلين الواحد منهما بالآخرفي التتيم والهيام، فكلاهما عاشق موله بالمحبوبة نفسها. وهل من شك أيضا في أن رواية اليوم هي نفسها خرافة العين؟.( انظر التنويه على الهامش ).
لقد بذل الكاتب مجهودا معتبرا في البحث والتقصي والتنقيب، واستطاع باقتدار كبير أن يموضع المكان، "عين الركادة" في التاريخ، من خلال الآثار والوثائق وأخبار الرحالة والمدونين. وفي الذاكرة الشعبية، من خلال الحكاية والأهازيج والأزجال. وفي الواقع الراهن، من خلال ما آلت إليه جراء تكالب أطماع السماسرة على مائها وتفريط المعنيين بشأنها في قيمتها، حتى صارت مجرد صفصافات وجواب وكومة أحجارعلى قارعة طريق41، لا يلقي عليها منه المارون غير نظرات الإشفاق.
تاريخ موثق، وخرافة محكية، وراهن شاخص للعيان، هكذا يستعيد الروائي مسقط الرأس باقتدار كبير. وكذلك سيفعل، وباقتدار أكبر، حين سيموضع المكان الحبيب في الوجدان.

 

قراءة في رواية خضرا والمجذوب : د. عبد المالك المومني
بقلم الأستاذ جمال الدين حريفي
*****
الحلقة
( 3 )

أحمد الإنسان :
****************
بالركادة إذن ولد الفتى، وبها عاش طفولة كماء النبع الشفيف، زاخرة بالمعنى، مثله في ذلك مثل أقرانه من الصبية والصبايا، بين الأخوال والأعمام والجيران الذين محضوهم المحبة وأحاطوهم بالرعاية والعناية على قدر ما يستطيعه من كانوا في مستواهم الاجتماعي ذاك.
سبح الفتى في ماء العين كبقية الصبيان، وتسقط أخبار "حنا الدلالة"، وتعقب حلقات الكوال48 وساجله في خاطره وردد أزجاله. لم تختلف طفولته عن طفولتهم في شيء، فقد أكلوا الطعام نفسه، وآووا إلى البيوت نفسها، وارتادوا القسم نفسه من المدرسة تلك التي بنى نواتها الاستعمار. غير أن الفتى الصغير فاز من بينهم بلقب سيسكن قلبه ويرافقه العمر كله، " بلارج "، هكذا سماه معلم العربية29، "بلارج خضرا"، هكذا سيصير، قبل أن يجمع بين صفتين، " بلارج خضرا " و" مجذوب خضرا، " بلارج ومجذوب17، جناح هيمان بالنبع، يحط على الصنوبرة، ويترقب من هناك إطلالة المحبوبة روحانية الماء.
كان الفتى أيضا متميزا في دراسته، متميزا في إتقانه للفرنسية ومتميزا في محبته لأقرانه ودفاعه عن الحق، لذلك سينتصر للكوال حين تعرض الأخير للاعتداء131، مثلما سينتصر لحنا الدلالة حين تعرضت للقيل والقال86.
ستكون الطفولة هي اللوح الذي سيُرسم عليه مستقبل الصبي و تُكتب عليه مقادير الرجل.
في تلك الطفولة ستستحوذ عليه الروحانية وتعمده بالماء ليكون الفتى المختار الذي ينطق باسمها ويتكلم بلسانها بين الناس.
ولكن قبل ذلك، سيعيش الفتى منعطفات قاسية تترك هي أيضا أثرها في النفس، وتحفر تجاعيدها على الجبين.
فبعد وفاة الأب، ومن أجل أن يتابع دراسته الإعدادية سيغادر دفء الرحم للمرة الثانية، ستصحبه الوالدة إلى وجدة ليعيشا في كنف الأخ الأكبر170، ومن هناك، سيكد الفتى ويجد، ويعض على الصخر بأضراسه ليصنع له طريقا في الحياة، واسما بين الأسماء، سيجوب " بلارج " الآفاق ويحط رحله بالرباط؛ سيجمع حكايته قشة قشة ليبني عشين، واحدا للزوجية والثاني للرواية، وليفرخ حروفا وبنين تقر بهم العين42.
لقد صار الرجل إلى ما صار إليه، أستاذا جامعيا للجغرافيا الثقافية بالعاصمة الرباط، هو الآتي إليها من الركادة. لكن حنينه للعين لم ينقطع، وذكرى الروحانية لم يطلها البلى ولا النسيان، فقد ظل الحنين وظلت الذكرى جمرة تلهب القلب كلما خفق، وتكوي اليد كلما فتحت كتابا أو رفعت قلما.
سيتسقط الرجل الأخبار، ويشبع نظرته من المحبوبة كلما واتته الفرصة لزيارة مسقط الرأس56، وإن كانت الأخبار و النظرات لا تشفي الغليل. فقد اكتفى الرجل لمدة ليست بالقليلة بالقليل. حتى جاءت فاتحة الخير بماء وغيم وموج قَرَّب البعيد، ويسر المعرفة، وسهل التواصل، وفتح العين على ما لم يكن يُرى، و أصبح الإبحار في عالم الأنترنيت طوع البنان49، فاتصل ما انفصل، وأطل الأحباب على الأحباب بالصورة والصوت والكتابة، فنال الرجل حقه من هذا الخير، وصارت أخبار المحبوبة في متناول نقراته على اللوح، فقرأ المدونات، وتتبع الصفحات وتبادل الرسائل مع أصدقاء الطفولة31، وهب لتدارك ما فاته من وفاء بالدين للبلدة وعينها ومائها ولقالقها وصفصافاتها وأهلها وتارخهم وثقافتهم وذاكرتهم؛ ووجد أن ذلك لن يتحقق إلا بمشروع ثقافي وتنموي شامل ومتكامل، فانكب مستفيدا من دراسته الأكاديمية على البحث والتنقيب في تاريخ البلدة والعين، واستعان بابنته خريجة المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية لكي يضعا معا مشروعا لتهيئة العين ومحيطها44؛ كما اتفق مع ثلة من أصدقاء طفولته على تأسيس جمعية لخدمة هذا الغرض. وكان حصوله على المغادرة الطوعية مناسبة ليحزم متاعه، ويضع حاسوبه في حقيبته ويشد الرحال لتجديد العهد مع الروحانية التي سلبت لبه والمكان الذي سحر عقله. إلى هنا تنتهي حكاية السي أحمد أستاذ الجغرافيا الثقافية، ومن هنا تبدأ رواية "خضرا والمجذوب".

قراءة في رواية خضرا والمجذوب : د. عبد المالك المومني
بقلم الأستاذ جمال الدين حريفي
*****
الحلقة
( 4 )

****************

4 - رواية خضرا والمجذوب/ البناء والتأويل:

ذلك هو السي أحمد الإنسان، وتلك هي عين الركادة المكان، والرواية في الأخير تحكي عن ذلك العشق العجيب، والتوله الغريب، والهيام التام الذي قام بين روح امرأة صالحة ظلت بعد موتها تحرس العين والبلدة وأهلها، وتصطفي في كل فترة من الزمان من يكلم الناس باسمها، وبَشَرِيٍّ كان من حظه أن تصطفيه لهذه الفترة مختارا وخليلا فتجذبه إلى عين مائها.

أقول روحانية تتخلق كيف تشاء، فمرة تكون ماء، ومرة لقلاقا ومرة أنثى حسناء فائرة بالرمز والمعنى، ومرة غيمة أو حفنة تراب أو نسمة هواء. وبَشَرِيٍّ يتخلق هو أيضا كيف شيء له، فمرة ريحا لذكرى، ومرة جناحا هيمان بالوسنى، ومرة كوالا، وأخرى زجالا؛ وفي كل الأحوال هو مجذوب ولقلاق يحط بجوار لالة خضرا على أقرب صفصافة من الصفية البهية عين الركادة.

فما هي التقنيات السردية التي اعتمدها الكاتب في عرض حكاية الروحانية مولاة الركادة26 والبشري المجذوب سيدي أحمد الكوال وبناء عوالمها ورسم مسارات شخوصها؟

في هذه الرواية، تتواتر الأحداث و تتوالى الوقائع وتتطور مسارات الشخوص داخل ثلاث حلقات/ لحظات متمايزة ومتصلة في الآن نفسه.

( بداية وذروة ونهاية مفتوحة).

4 ـ 1ـ اللحظة الأولى : " حلم التعميد" وتؤرخ لاستحواذ الروحانية على كيان الطفل وعقله ووجدانه19.

4 ـ 2 ـ اللحظة الثانية : " المواجهة والتهديد" وتؤرخ لمواجهة البطل أحمد للغريم الذي جاء ليستولي على ماء العين من أجل تسليعه وبيعه192.

4 ـ 3 ـ اللحظة الثالثة : " الأمل الجديد" وتؤرخ لتعرض السي أحمد لمؤامرة اعتداء حاكها خصوم العين ضده، ونجاته ( حلما ) بفضل روحانية، وبفضل أحد أصدقائه الذين ترك لهم مهمة حمل مشعل الدفاع عن العين من بعده إن لم تكتب له النجاة204.

وقد كان الكاتب موفقا كل التوفيق حين استعاض في روايته عن الزمن الكرونولوجي ( بداية ـ ذروة ـ نهاية ) بزمن سردي يسمح له باسترجاع الأحداث، واستحضار الحالات، والانعراج بمسارات الشخوص دائما نحو واحدة من الحلقات الثلاث التي تنتظم نسيج الرواية؛ فكانت بدايته من لحظة الذروة ليعود بعدها إلى لحظة البداية، ويختم بالنهاية المفتوحة على الأمل، وهي اللحظات نفسها التي سأحاول استرجاعها معه مؤكدا على أن الرواية مبنية على تصور مسبق وتخطيط محكم لمساراتها، وأن كاتبها صاحب رؤية فنية وجمالية راقية ومتكاملة للعمل الإبداعي.

 

1-1-4 اللحظة الأولى: حلم التعميد:

************************

يمكن القول بدون أدنى مجازفة بأنه لولا هذه اللحظة/ التجربة في حياة أحمد ما كانت لتوجد رواية خضرا والمجذوب ولا بطلها، بل ربما ما كانت لتوجد قبلهما رواية "الجناح الهيمان..."، ولا أزجال "ريحة لبلاد خضرا" ــ علما بأنه حتى ولو كان في البطل شيء من الكاتب، وكان في حياة هذا الأخير شيء من حياة الأول، فليس المؤلف بأي حال من الأحوال هو السي أحمد، وإنما الأخير حامل لبعض من أحلام الأول وأمانيه وأفكاره وتطلعاته واختياراته. إن البطل في النهاية مجرد " صنيعة" للمؤلف، وقد يختار في الآتي من الروايات أبطالا آخرين ــ

أما اللحظة تلك، فهي النواة التي تأسست حولها ذات البطل ورسمت مساره و اهتماماته ودائرة أصدقائه؛ إنها "الواقعة الأم" التي شكلت عقله وعاطفته ووجدانه.

هي إذن، وبكل المقاييس لحظة وواقعة مؤسسة للتجربة الشخصية للبطل. بل أكثر من ذلك هي واقعة/ مرجع، لا يمكنه تجاوزها على وجه الإطلاق. إذ بها سيفسر ويواجه ويرفض أو يتقبل كل ما يعترضه في الحياة من أتراح أو مسرات.

تقول الواقعة ـ التي جئنا على ذكرها سابقا ـ بأنه ذات يوم أخطأت الوالدة موعدها مع التوقيت المدرسي فأيقظت الطفل على غير العادة وأعدته للخروج فجرا، وذاك ما حصل، خرج الطفل ولم يجد في طريقه رفاق الطريق ولا من اعتاد رؤيتهم في مثل ذلك الوقت على الطريق، ولأنه ظن بأنه مسبوق إلى المدرسة، هرول يطلب اللحاق بأصدقائه، فما وجد غير ساحة فارغة وقسم مغلق، ولا سمع غير نقيق الضفادع، وصوت مرور شاحنة أو سيارة19.

طفل وحيد، أمام باب القسم، يعتصره الخوف، جلس عند العتبة، واضعا رأسه بين ركبتيه وليس تمر بذهنه غير صور الغيلان والأشباح التي تجوب الأودية وتملأ العيون، هكذا كانت تقول الخالة حدوهم، طفل وحيد وخائف يستعرض صور الأم والأخت والجارات ورفيقات الدراسة فينام، ينام فيراها، يرى روحانية العين تتقدم نحوه، تهدئ من روعه، تأخذه إلى العين، تغسل وجهه بمائها، تجعله يغطس، ويسبح، ثم تعود به إلى مكانه عند عتبة القسم27، يستيقظ الطفل لاهثا، فإذا بأمه عند رأسه تحنو عليه، وتلوم نفسها على خطئها، وإذا بوالده أيضا يفعل مثل فعلها23.

من يومها يقول أحمد : " ... لم يغادرني قط ليلي ونهاري في صغري وفي كبري ذاك الطيف المحبوب المحفوف بهالته البدرية الموارية بغلالته الكدرية وأفقه الحي الريان بالعين النعسانة وبئرها ومائها الدافق دوما، واقعا وفي عيني... وفي وهمي والخيال23."

من يومها سيصبح الطفل عند نفسه وعند أهله مسكونا بالروحانية30، كما سيصير السي أحمد في ما بعد، مجذوب لالة خضرا17، لا يتحدث إلا عنها ولا يتكلم إلا بها؛ وكلما غارت أو فارت كانت تلك صورة من صور جذبها.

ليس الجذب غير شطح الروحانية ورقصها.

وحين ترقص روح الماء غائرة أو فائرة، يشطح المجذوب ويرقص على إيقاعها.

يرقص زجلا أو قصة أو رواية أو حكاية أو قصة أو وقفة أو سفرا أو راحة أو رحلة. فليست حركة السي أحمد غير استجابة للإيقاع الذي يحدثه جذب الروحانية وشطحها.

* سيقول المحلل النفسي بأن الحلم ذاك لم يكن إلا آلية دفاعية استدعاها العقل الباطن للصبي، لكي تهدئ من مخاوفه وتحميه من محيط عدائي، وتساعده على مواجهة الرعب الصارخ لذلك الفجر.

طفل وحيد، ذاكرته الصغيرة مشحونة بقصص الغيلان وجنيات الأودية وأشباح العيون، هل يستطيع حقا أن ينام ويحلم؟

* سيقول المحلل النفسي بأن النوم لم يطرق أجفان الصبي، وبأن حلمه كان واقعا توهمه، فقد أخذ الفتى يستصرخ أمه وأخته الكبرى لكي تنجداه في ذلك الموقف العسير، فإذا بكل النساء الحانيات الرحيمات يأتينه في صورة لالة خضرا التي ستأخذه من يده إلى العين، وتجعله يستحم في رحمها الآمن22، ثم تعود به بعد التعميد، كما لو أنه ولد من جديد، إلى مقعده الأول من باب القسم. يفتح الطفل عينيه لاهثا فيجد أمه عند رأسه. لقد أصبحت له أُمَّان، أمه البيولوجية الواقعية الفانية التي تسري عليها عوادي الزمن فتشيخ وتموت. وأمه المثال، الروحانية التي لا تشيخ ولا تموت.

* سنتذكر جميعا بأن أمهاتنا حين كنا ونحن صغار نشعر بالخوف من بعض الأشياء في محيطنا " حيوانات أو دمى غريبة" كن يأخذن أيدينا الصغيرة ويضعنها على ظهر تلك الأشياء، ويشرعن في تمريرها بهدوء حتى تطمئن نفوسنا، وتسكن خواطرنا وتزول مخاوفنا. وذلك ما حصل للفتى؛ لقد استحضر عَقْلُه الباطن ذلك الفعل، واستحْضَر أُمَّه الحقيقية في تلك الأم المثال التي أخذته من يده وذهبت به إلى الماء وجعلته يضع يديه عليه ثم يسبح فيه، فاطمأن بعد خوف وهو يحتمي بالرحم الآمن، ويحظى برعاية الأم / الروحانية.

فما أغرب وما أعجب حيل اللاوعي،، لكن كيف نستطيع فهم لغته المشفرة والمكثفة والرامزة؟

ستصبح هذه اللحظة /الواقعة، علامة فارقة في حياة السي أحمد بطل " خضرا والمجذوب " منها المبتدأ وإليها المنتهى. وتلك الأم المثال، تلك الروحانية ستمثل له دائما الملجأ والملاذ، الأم الثانية التي يبثها مواجده وشكواه، ويعود إليها ليستمد العون والطاقة والقوة، سيصبح من العسير عليه، بل ومن المستحيل أن يتخطى أو يتجاوز تلك الواقعة المؤسسة لذاته وكيانه؛ لقد انطبعت في الباطن بحبر لا يمحى ولا يزول، ولن يتمكن الطفل من الخروج من طفولته إلا ليكتبها بلغة الحلم الذي لا يمحى ولا يزول. سيشعر دائما بدين ثقيل نحو الروحانية التي آمنته بعد خوف، وآوته إلى حضنها في لحظة كان فيها وحيدا ومعزولا وضعيفا وعاجزا عن مواجهة رعب الليل.

ما يشبه هذا التأويل " المختزل" قد يلاقي هوى في الكثير من النفوس وقد يشبع بعض الفضول الخفي ويرضي بعض العقول، ولكنه في كل الأحوال، لا يرى من الرواية غير رأس جبل الجليد الذي يعلو ناتئا فوق السطح، بينما الجبل الفعلي يغوص هناك بعيدا وعميقا في أغوار بحر الحلم الحقيقي والكبير للروائي، أقصد الحلم الروحي الذي يحتاج إلى أدوات أخرى لتفسيره والنفاذ إلى معانيه وفك رموزه.

وأنا أميل شخصيا إلى تفسير آخر مختلف لواقعة الحلم، ولغيرها من وقائع هذه الرواية المتعددة الأبعاد الواسعة الأفق. ولعلني أوفق إلى الصواب حين عرضه بعد الانتهاء من هذا المحور. ولعل شهيتي تنفتح على تأويلات مغايرة لما قدمته في هذه الورقة نفسها، فوحدها الأعمال المركبة تسمح بهذا النوع من القراءات المتعددة للواقعة الواحدة.

 

قراءة في رواية خضرا والمجذوب : د. عبد المالك المومني
بقلم الأستاذ جمال الدين حريفي
*****
الحلقة
( 5 )

****************

4 ـ 1 ـ 2. اللحظة الثانية: المواجهة والتهديد:
هي لحظة المواجهة مع الغريم الصلف المُعْتَد بماله وسلطته ووجاهة حلفائه، والذي أغراه ماء العين " السائب في ظنه" فقرر أن يحولها إلى عين تذرف الدرهم في جيوبه وحسابات أحبابه.
هي لحظة الذروة
.
وسيكون على البطل العاشق أن ينقذ المحبوبة، وأن يفي لها بعهد وميثاق أخذته عليه وهو بعد صبي في غبش الفجر بلا رفيق ولا حبيب ولا حضن دافئ يسكن إليه
.
هكذا تبدأ الرواية، ويصور الكاتب مشهدها الأول ببراعة أخاذة
.
السي أحمد يقف عند العين أصيلا يبثها لواعجه،، يأسى لحالها ويشكوها حاله ويسترجع معها بعضا مما كان ذات زمان، فجأة يسمع صوتا صاعدا من الأعماق يتصادى مع خواطره، فيحتار، هل رأى طيف صاحبه أم هو صوت الماضي يحوم بجناحه على المكان؟ لكنه في كل الأحوال صوت الكوال يشاركه أشجان اللحظة8. غير أن اللحظة لن تدوم، إذ تقف سيارة بالجوار ينزل منها ( بنحيدة المقاول) ليشرع بعد تقديم نفسه في السخرية من الكوال ومن حال العين10 وفي الإيحاء بالمشروع الذي أعده لإنقاذها
.
مشروع ؟ يا للمفارقة. نعم مشروع، هذا ما سيتأكد للسي أحمد بعد هذا اللقاء
.
مشروعان إذن يقفان وجها لوجه، مشروعان متضادان، واحد أصيل والثاني دخيل
.
مشروع للنهوض بالعين وآخر للاستحواذ على مائها
.
مشروع ابن الحال، ومشروع صاحب المال، وغريمان يلتقيان في اللحظة نفسها وفي المكان نفسه، الراعي والذئب
.
وليست هذه هي المرة الوحيدة التي سيلتقيان فيها، سيلتقي الغريمان مرة ثانية في مناظرة فكرية واجتماعية بأعلى الجبل196، عندما صعد أحمد لزيارة أخته، واستذكار بعض من أغاني الطفولة وأزجال الخلان حول العين وصبايا العين، بينما صعد (بنحيدة رفقة حليفه وشريكه بنعيسى) لاصطياد الخنزير، فهو مجرد صياد198، لا وقت لديه للثقافة وللشعر والهذر14
.
ثم سيلتقيان وقد فرقت بينهما مقادير الأحداث، بنحيدة ليبحث عن طريدة أخرى يغرس فيها أنيابه، ويمتص دمها أو ماءها أو رحيق زهرة عمرها206، وأحمد ليسلم المشعل لخلانه، أهل وعشيرة "خضرا"، معلنا عن وفائه بالعهد الذي نذر له نفسه، وعلى إصراره واستمراره207 في رعاية المحبوبة وحمايتها من خفافيش المال
.
أليس هذا هو الرهان الثقافي والفكري والروحي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي الفعلي لهذه الرواية؟؟

رهان الكوال ضد أرباب المال.
رهان المدافعين عن الحضارة والماء والخضرة والنضارة ضد " أصحاب المنشار والشكارة
".
رهان الوفاء ضد الغدر والصدق ضد التزوير والإصلاح ضد الفساد والمفسدين
.
ولمن ستؤول الكلمة في الأخير؟

أللحق والصدق والوفاء، أم للجشع والتسلط والتغول والأنانية؟
استراتيجيتان متناقضتان.
استراتيجية الحب ضد استراتيجية النهب
.
لذلك كانت لحظة المواجهة تمثل ذروة الأحداث في الرواية، ولذلك ولا شك اختارها المؤلف بداية لسرده
.

 

قراءة في رواية خضرا والمجذوب : د. عبد المالك المومني
بقلم الأستاذ جمال الدين حريفي
*****
الحلقة
( 6 )

****************

4 ـ 3 ـ 1. اللحظة الثالثة: الأمل الجديد:

والآن ستكمل الحياة دورتها ويغلق السرد حلقاته الثلاث.

إن عمرا كاملا من الزمان كنهار واحد من اليوم، لكل منهما فجر يبدأ به، وأصيل إليه ينتهي حين يشرف على المغيب.

هكذا تشرف الحكاية على أصيلها قبل أن تنتهي، وكذلك حياة البطل.

لقد بذل السي أحمد كل ما في وسعه وطاقته وثقافته ليرد بعض الدين المستحق لروحانية الركادة التي عمدته بماء العين ذلك الفجر ووهبته حلم حياة أخرى، مختلفة ومغايرة.

لقد استعان بعلمه ومعرفته لإعادة كتابة تاريخ العين.

واستعان بدراسة ابنته البتول لوضع تصاميم لتهيئة مجالها وتأهيلها لتواكب ركب التطور والتقدم.

واستعان بخبرة وعشق خلانه للعين لتأسيس جمعية تلتف حول المشروع وتدافع عنه.

ودَوَّنَ كل الوقائع والأحداث على حاسوبه وحملها في مفتاح لا يبارح جيبه كتعويذة تحرسه من المخاطر.

فهل يمكن أن يساور الروحانية الآن شك في مدى وفائه وإخلاصه؟

هل يمكن أن يساورها شك في استجابته هو بالذات لنداء الفجر الذي كان حُلْمُه عهداً بينهما على الوفاء والإخلاص؟

أليست هي التي همست في أذنه ذلك الفجر: " حبيبي اطمئن، حبيبي، أنا معك وإن غبت، كن رجلا، كن فارسا أكن حورية أحلامك22.."؟

ألم يحاول طوال حياته أن يكون رجلا، وشهما ونبيلا، وفارسا؟ فهل ستفي له بوعدها،هل ستبقى دائما حورية أحلامه؟

أم تراها تعبت من الإهمال والجحود، ومن أحياء لا يسمعون النداء؟؟

أما هو، فلن تتعب منه، لن تتعب منه ولن يتعب منها إلا كما يتعب التراب من الماء، كلما ارتوى ربا و أنبت من كل قول بهيج، وكلما عطش جف طينه وتيبس زهر الكلام في حلقه، وبح صوته وضاع النداء.

وها هو في هذا الأصيل الأخير من الحكاية يقف عند رأسها ـ في انتظار صديق ضرب له عندها موعدا ـ كما وقف مرات ومرات يشكوها همه ويبثها شكواه، غافلا عما يتربص به من أخطار. فما كان السي بنعيسى ليغفر له فشل مشروع صديقه بنحيدة في استغلال ماء العين، خاصة وأنه محاط بنساء ورجال دواوير "ميكا" التي أنشأها حول ضيعته وعاء للأصوات الانتخابية التي تقلده كرسي الوجاهة ويدا ضاربة ونابا ومخلبا ينتقم بهما ممن يعاكس طموحاته ولا يأتمر بأمره14.

ها هو يقف عند رأس العين يناجي لالة خضرا الروحانية، وهاهي امرأة غريبة تتقدم نحوه مسلحة بظهر سلحفاة، فتكيل له من الشتائم ما طالته وقاحتها ورطانة لسانها الأعجم عن أبناء المنطقة204، وتأمره بالرحيل عن مائها وبلدتها وعينها، هي التي لا تتقن حتى الكلام بلهجة أهلها. وقبل أن يستفيق السي أحمد من تساؤلاته ومن دهشته تصيبه في الصدغ بسلاحها فيسقط مغشيا عليه عند حافة العين205،، يرى نفسه يغرق، وبين الغيبوبة والصحو يدرك بأن الروحانية مولاة العين تعلو به فوق غيبوبة الماء ليتنفس الهواء المنعش للحواس،ويشم رائحة المحبوبة التي كانت في الموعد لإنقاذه، في الآن نفسه الذي يتداركه فيه الصديق الذي جاء هو أيضا في الموعد، فيسنده، ويهمس في أذنه أن يتمالك نفسه ويبشره بأن طلبهم إلى وزارة الثقافة من أجل العناية بالعين قد قبل، وأن بنحيدة المقاول لاشك راحل، وحليفه المحلي بنعيسى المهندس لم يعد له من الأمر شيء206.

حينها يعرف السي أحمد بأن حلقة سره قد انكسرت، وأن الرسالة لا بد أن تنقل إلى الخلف ليطلعوا بدورهم بواجب الوفاء بالعهد للمكان، فيطلب من صاحبه أن يسحب من جيبه المفتاح الذي حَمَّله كل ما كان من وقائع وأحداث من فجر الحلم الذي عمد فيه بالماء إلى هذا الأصيل الذي اكتملت فيه حلقات السرد 207 .

 

قراءة في رواية خضرا والمجذوب : د. عبد المالك المومني
بقلم الأستاذ جمال الدين حريفي
*****
الحلقة
( 7 )

****************
 

5-الروحانيون: ألسنة المكان وخدامه:
سأباشر هنا تقديم بعض من تفسيري الوجيز لحلم الفجر، ذلك الحلم الذي شكل شخصية البطل ومسار حياته وجملة الوقائع والأحداث التي أخرجها المؤلف للناس تحت مسمى" خضرا والمجذوب " .
لقد استطاع المؤلف فعلا أن يغوص بنا في عالم مغاير ومختلف، قلما تتيح الكثير من الأعمال الأدبية فرصة الالتفات إليه، عالم تتجسد فيه روح العين في صورة أنثى وينطق فيه المكان بلسان الكوال.
إنه لغريب حقا أن يكون المكان أكثر حفظا للعهد وللذاكرة من الإنسان. وإنه لغريب أكثر من ذلك أن يعيش الناس في أمكنة دون أن ينصتوا لنبض قلوبها أو يسمعوا نداءاتها في الغدو والرواح، كأنهم أحياء بلا أرواح. والأغرب من هذا وذاك أن يكلم المكان الإنسان فلا يفهم الأخير لغته،لأن الإنسان لا يمتلك معرفة بتاريخ ولا بثقافة المكان، فبالأحرى أن يفهم لغته.
أزعم إذن بأن العمل الإبداعي الأخير للعبد المالك المومني " خضرا والمجذوب " ليس تقليديا بالمرة، بل وهو فريد في بابه، لأن الكاتب يضعنا مباشرة في صلب العالم الروحاني الذي قلما نجد من يفك أسراره ويتوغل في تضاريسه بدون احتراس كبير.
عالم لا يجدر بأحد أن يستخف به أو يحمله على محمل التوهمات.
فبعض الأمكنة تمتلك أرواحا قادرة على اختراق الأزمنة كما تمتلك قدرة رهيبة على الجذب وعلى الاستحواذ على النفوس والتأثير فيها، مثلما هو الشأن في بعض العيون والآبار والمغارات والقنن والخلجان، ولولا ذلك ما حج إليها الزهاد ولا النساك ولا حط بها المرابطون رحلهم، أو بنى بها المجاهدون الرباطات والزوايا.
والأماكن الشريفة من بين هذه الأماكن كلها، لا يقع انتقاؤها ولا اصطفاؤها إلا للأبرار والروحانيين من ذوي الهمة الشريفة والقلوب الطاهرة. أولئك الذين غلب صفاؤهم الروحي صفاتهم وطباعهم البشرية فصارت أنفسهم لطيفة وحواسهم رهيفة حتى تكشفت لبصائرهم الدقائق والحقائق المتخفية وراء الحجب الكثيفة للماديات. إنهم خيار الناس وأفاضلهم. ولعل الفتى المختار في الحلم أن يكون واحدا منهم. ولعل العين المعروفة بلالة خضرا أن تكون واحدا من تلك الأمكنة التي اتخذت لها من الناس ألسنة وخداما ينطقون بحالها، فكان لها الحداة والرعاة والمجاذيب والسياحون والحكاؤون. وقد اصطفت لها بعدهم الكوال فتكلم بلسان النظم، ثم اصطفت لها من بين الأخيار السي أحمد، وهو بعد غلام، فأوقف عمره وأهله وأصحابه وثقافته ومعرفته ودراسة ابنته وعلمها على خدمتها أحسن ما تكون الخدمة، كما أوقف لسانه وقلمه وكتابته على الكلام باسمها. وقد تصطفي في القادم من الأزمان أصفياء آخرين يجيدون الإصغاء ويلبون النداء ويقومون بالخدمة أحسن قيام، وقد يكون من بينهم ابن السي أحمد أو حفيده أو ابن واحد من خلانه أو حفيده، في حلقات متواصلة لا تنتهي مادامت العين تغور وتفور بحسب ما قدر لها في هذه الحياة41.
إن ذاكرة المكان أقوى من ذاكرة الإنسان، ولسانه أفصح من ألسنة الناس، وهو يحمل على ظهره من آثار التاريخ أكثر مما تستطيع ذاكرة الإنسان أن تحمله أو تحفظه أو تستوعبه. وثقافة المكان أوسع وأشمل من ثقافة الإنسان، هذا هو الدرس الذي أتاحت لنا رواية الدكتور عبد المالك المومني استخلاصه من حكاية المجذوب سيدي أحمد الكوال، وما جرى له مع روحانية الماء، لالة خضرا مولاة الركادة

 

قراءة في رواية خضرا والمجذوب : د. عبد المالك المومني
بقلم الأستاذ جمال الدين حريفي
*****
الحلقة
( 8 ) والأخيرة : الرواية والرسالة

****************                                                                                

وبعد، فقد ساد بين الناس أن المثقفين، والأدباء منهم خاصة، كالروائيين والقصاصين والشعراء، قوم يقتاتون على الأحلام، ويبيضون الأوهام، ويفرخون السراب، وهي فكرة ولاشك دفع بها إلى التداول بعض الساسة الذين يعملون على تتفيه الثقافة14، وتبخيس دورها بهدف إقصائها من المشاركة بالرأي والتصور والاقتراح في تدبير شأننا وفضائنا العام. ورواية عبد المالك المومني " خضرا والمجذوب " من تلك الأعمال التي تفند هذه الدعوى المُزَيِّفَة للوعي، وتؤكد على أن المثقف منخرط في قضايا مجتمعه41، ووفي لأهله بقدر ما هو منفتح على عصره، وقادر على المساهمة بالفكرة الصائبة في التنمية المستقبلية لبلدته ومنطقته وجهته ووطنه، وذلك ما لا يستطيعه الكثير من الساسة الذين أوكلَ إليهم اقتراعُ الناس تمثيلهم وتدبير شأنهم ومجالهم العام ... فالتصور الجمالي للوجود وللحياة وللمكان الذي يحيا فيه الإنسان لا يمكن أن يأتي إلا من الثقافة.
والكاتب المبدع، والمثقف الأصيل عبد المالك المومني روائي بعيد الرؤيا وعميق الغور، يستشرف الآتي ببصيرة الحكماء،و يعتبر الكتابة رافعة للتنمية الاجتماعية ووسيلة لحفظ ذاكرة المكان وكرامة الإنسان؛ وتلك هي الغاية التي من أجلها كتبت " خضرا والمجذوب" والله الموفق للصواب
.
                                                                                         
********
                                                                                        
 تنويه خاص
:
سيدرك القارئ الفطن، والملم بتفاصيل هذا العمل الشيق، بأن بطل الرواية السي أحمد المسمى بلارج خضرا ومجذوب خضرا، ليس في النهاية إلا الفارس دحمان. الذي تقول الخرافة بأنه تحول بعد "حَرْكَة" سلطان الوقت، وردمه للرباط وقتله للالة خضرا، إلى لقلاق مرابط في المكان الذي ضم محبوبته، فبنى عشه على الصنوبرة الوحيدة القريبة من العين لكي تبقى قرة العين على مرمى القلب والنظر
.
ذلك اللقلاق هو الذي تلبس الفتى
.
وتلك الروحانية هي التي سكنت كتابته
.
وكانت تلك فرصتهما الوحيدة للقاء بعد أن حال الزمان دونهما ودون امتلاك جسدين بشريين. هما اللذان لم يرزقا بابن، سيكون هذا الفتى المختار ابنهما بالتبني
.
لقلاق وروحانية، زوجان فرقت بينهما الخرافة وجمعت بينهما الرواية، ورزقتهما بعد الموت أعز ما يطلب، حين ساقت إليهما ذاك الفجر، طفلا وحيدا، وكانا وحيدين، هي في الماء، وهو فوق الصنوبرة، ألا يكفي هذا لإغرائهما بتبنيه
.
لقد سلبا لبه وأخذا روحه
.
ولعل نصيب الفارس دحمان من روح الصبي أن يكون أكبر من نصيب الروحانية، لأن الفتى كان دائما يرى بعين بلارج؛ هذا ما أفضى به إلى خلانه ذات سمر. كانت رغبته أن يطل على الأحداث بعين بلارج ويكتبها بعين بلارج، وهل تلك العين غير عين الفارس دحمان
.
ألا تكون الرواية في الأخير، إشارة قوية وواضحة، تبادلها ـ من وراء الحواجز المادية للزمان ـ بعد موتهما بزمان، زوجان متيمان، وقد اشتد بهما الحنين لربعهما الأول، مثلما اشتد الحنين بالبطل السي أحمد إلى مسقط رأسه؟ بل ربما أنهما قد وجدا فيه لسان حالهما، مثلما وجد فيهما لسان حاله، في تبادل عجيب للأدوار بين بطل الرواية وأبطال الخرافة. وحين همست الروحانية قائلة للصبي: " حبيبي اطمئن، حبيبي، أنا معك وإن غبت، كن رجلا، كن فارسا أكن حورية أحلامك.."؟ أكانت تُطمئِن الصبي الخائف أم كانت تخاطب الرجل الذي سيصيره أحمد؟ أم تراها كانت تناجي دحمان فارسها الذي هام بها عشقا في الزمن الأول؟ حقا، فالأرواح في النهاية جنود مجندة، كل روح تتعرف على أختها مهما اختلفت الحقب، وكل روح تحن إلى إلفها كما يحن اللقلاق إلى عشه فوق الصنوبرة." فَعُشْ فْ خَربَة،أصاحبي، ولا عيشة الغربة" هكذا قال السي أحمد وهو يناجي اللقلاق، ولعله أضاف، " ما أقسى غربة الروح يا صاحبي"، ووحدها الأرواح قد فهمت نجواه
.
                                                                                       
 تمت
                                                                                      ******
                                                                                        هامش
                                                         الأرقام في متن القراءة تحيل على صفحات الرواية.

 

 

 

خضرا والمجذوب في ضيافة فرع اتحاد كتاب المغرب، المركز الثقافي، القنيطرة. مع السادة الفضلاء الأحباء. الأساتذة: المصطفى لكليتي، ومحمد صولة وأحمد الجرطي ومحمد الشايب.

 

قراءة في رواية الدكتور الأستاذ عبد المالك المومني : مجذوب خضرا بقلم لمنور ( جريدة أحفير كم )

من يقرأ رواية المومني : " خضرا والمجدوب " يجد فيها ربط الماضي بالحاضر و امتزاج الأصالة بالمعاصرة ، التقت فيها لغة البلاد ، المحلية ، بالفصحى . كل هذا التلاقي وهذا التقاطع ، يصب في مكان واحد ، منبع عين الركَادة ، عين لالا خضرا .

قراءة في رواية خضرا والمجذوب للكاتب الروائي عبد المالك المومني/ ذ.جمال الدين الحريفي

روائي بعيد الرؤيا وعميق الغور، يستشرف الآتي ببصيرة الحكماء ويعتبر الكتابة رافعة للتنمية الاجتماعية ووسيلة لحفظ ذاكرة المكان وكرامة الإنسان، ذلك هو الدكتور عبد المالك المومني.

 

محمد موح :

حياك الله سيدي عبد الحق ولك مني جزيل الشكر على نشر هذه الدراسات لرواية الأستاذ المومني، هي بحق دراسات مستفيضة وموضوعية جد مهمة، أبرز فيها أصحابها كل مميزات الرواية من الناحية المعنوية والرمزية، واللغوية والأسلوبية، وما إلى ذلك من الخصائص الفنية التي تتميز بها رواية " خضرا والمجدوب "...هنيئا للأستاذ المحترم السيد المومني وهنيئا لدارسيه الأجلاء

 

الأستاذ الأديب الكاتب والفنان التشكيلي ومؤرخ المدينة، سي محمد سعيد سوسان يحتضن " خضرا والمجذوب" مقدما هدية فرع اتحاد كتاب المغرب...لحظة شعرت أن القنيطرة ونخبتها تحتضنني.. شكرا لمن قرأ ولمن حضر!

 

 

 

 الأستاذ محمدالهلالي :  قصيدة متواضعة شاركت بها في هذا اللقاء تكريماً ل " مجذوب خضرا " الدكتور عبد المالك المومني حفظه الله وأدام عليه الصحة والعافية ..

* الوسنى *

***

:

سبحان من لقانا بلا ميعاد

سبحان اللي ما جعل ل السما وتاد

سبحان من فجر منبع

ف الارض وكرم به العباد

ماه يجري ف سواقي

نقره صافيه الله بها جاد

عصيرها عتيق خمره

حللها الجواد

ربي لا تحرمنا من شربات

منها لذاذ

خضرا خذات لونها

من توراث لجداد

ظلت رمز لمحبه

ظلالها تفاجي لسهاد

فيها يرتاح كل مسافر

طالع هواد

الهيمان سْباه حسانها

وفعل به ما راد

رد بالك تسهى

راها محروسه من ناس شداد

هايمه ام العيون الخُضر

ريقها مداد

زاد الولهان

الملسوع ب غرامها محبه

به يدون صفحات وصفحات

منهم يشم ريحة البلاد

 

شهادات في حق رواية " خضرا والمجذوب " على صفحة التواصل الاجتماعي

 

 

 

 

حللت هذه الأمسية ضيفا مكرما غاية الإكرام في بيت المبدع، ومكتبه الجهوي بالقنيطرة، في محفل بهي لقراءة روايتي الأخيرة" خضرا والمجذوب.
 
ولأنني كنت في منتهى السعادة بين ثلة من المثقفين، والباحثين والمبدعين ،والأساتذة المدرسين في جميع الأسلاك. منهم أصدقاء ومنهم زملاء، ومنهم طلبة قدامى وحاليين، فإنني أعبر عن صادق ودي وعرفاني للحاضرين جميعهم، و أنوه خاصة ب:
-
السيدة الفاضلة والشاعرة المبدعة، حسون سبو ( مريقمة)
  تسييرها الشاعري الفائق الرائق للجلسة الحفل بما كانت تخلل فقراتها من كلمات شعرية من إبداعها مضمنة أياها اختيارات نصية من الرواية غاية في الإيجاز والدلالة. فأي عبارة توفيك حقك أستاذة خدوج؟
-
الأستاذ محمد صولة الذي قدم مداخلة هي- بلا منازع- بحث أكاديمي  دقيق وجامع،من حيث منهجه ومحتواه المعرفي العالم.
-
الأستاذ  والصديق الوفي والقاص المبدع سي مصطفى كليتي الذي قدم عرضا شاعريا في لغته، ديداكتيكيا تربويا في وضوح ومنهجه.محيطا بمضامينه
ا- لأستاذ عبد الإله ستيتو الذي قدم الرواية من مدخل دقيق من مداخلها. وكان أداؤه الحماسي شادا  الانتباه إليه وكأن لوثة الجذب التي تسود الرواية قد مسته!
-
أما الأستاذ والمبدع القاص سي محمد الشايب الطالب بكلية الآداب، فقد أدلى بشهادة ملؤها العواطف النبيلة والعرفان النبيل تجاه شخصي الضئيل.. فحمدت الله على أن مهد لي مكانة في قلوب طلبتي هي كل ما يطمح إليه المعلم ويبقى له من رصيد في حياته..
-
ولن أنسى شكر الأستاذ والشاعر سي عبد الرحمن الغوات، وكذا الأستاذ الشاعر محمد  لعوينة، والشاعرة بهيجة أكرو أعضاء البيت دعمهم المادي والمعنوي وعواطفهم النبيلة نحوي ..
وقد كان الغائب الأستاذ الشاعر التهامي شويكا حاضرا في الفكر والوجدان. وقد أدلى بعذره.. له مني النحبة والتقدير والاحترام.
زملائي الأعزاء، طلبتي، الحضور الكرام !
 
لم تسعني الدنيا وأنا بينكم، استمع إليكم وأرى في عيونكم بريق الصدق والوفاء لحد داخلني الزهو وخشيت منه على نفسي...
فشكرا لكم حضوركم المشارك والمثقف، وتحملكم حرارة طقس اليوم، وحرارة القاعة، خاصة وأن منكم من تحمل مشاق التنقل من سلا ومن فاس ومن أسفي.. فلكم مني أصدق الحب والامتنان. وتقبلوا هذه الباقة من الأقحوان وشقائق النعمان في من جنة الملهمة "خضرا" الجنان!

كلمة عن خضرا والمجدوب ألقاها الأستاذ عبدالمالك المومني بالمناسبة

بسم الله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين

أحبائي، سيداتي، سادتي:

1-                   الإبداع- في حقيقته- تذكر أو ذكرى" "de nerval. و الحقيقة أن  دونرفال لم يقل بدعا..

والإبداع الرفيع  والإنساني السائر في الزمان والمكان تذكر وذكرى لمعشوق.والعشق  أسمى الحب وأعفه، ويقتضي لزوم العاشق لمن وما يعشقه لا يفارقه واقعا أو خيالا..
فمن روائع استهلالات الشعراء، استهلال امرئ القيس معلقته ب:

"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" فتأملوا معي لما في تنكير حبيب ومنزل من معاني الإطلاق وتفخيم  أمر الذكرى ،ذكرى السكن والمعشوق المسكون إليه وبه معان تجاوزت الزمان والمكان وأعيان الأشخاص والأجناس !حتى قالوا عن القصيدة كلها فيما أرجح:" أشهر من قفا نبك.."

 ولنتذكر ونذكر استهلال البوصيري لصوفيته المشهورة بالبردة" أمن تذكر جيران بذي سلم...والشعر الصوفي في الأدب العربي والإنساني كما تعلمون- من أرقى وأبقى ما أبدعه الإنسان من أدب وشعر..

وسئل ذو الرمة- وهو شاعر أموي بدوي ومن عشاق العرب-  وقد جمع العشق والذكر-" كيف تفعل إذا انقفل دونك  الشعر؟ فأجاب: كيف ينقفل دوني وعندي مفتاحه؟قيل له: وعنه سألناك. قال: الخلوة بذكر الأحباب."

   ولو سألتموني كيف تفعل إذا امتنعت عنك الكتابة؟  لأجبت:كيف تمتنع عني وعندي مفتاحها ، وهي الخلوة بذكر خضرا.
 لم أكتب، منذ بدأت الكتابة، إلا حين عشقت خضرا. ولم أكتب ولا أكتب إلا وأنا ارتد طفلا ألهو أو أتخيل أنني ألهو بباحتها.. مثلما كان يلهو أحمد السارد في "خضرا والمجذوب" وهو طفل مع أقرانه ويتفاعل معهم ومع الكوال والدلالة والعمة وزينب...وكلهم أشخاص متخيلون كما الأحداث التي كانوا أبطالها وشخوصها..)، ولا أكتب إلا وأنا في حال وجد أو جذب بها.. لأن "خضرا " سكن وكيان  ورمز ...
 أكتب إذن بتأثير من باعث.. والباعث عشق.. والعشق خضرا..إلى حدود الساعة..ينضاف إلى ذلك  كله رواسب وآثار من ثقافة أكاديمية نتيجة تدريسي بالجامعة فنون الشعر العربي والقصيدة العربية القديمة .
*****
عن خضرا والمجذوب
البداية مسودة نص كنت أنوي كتابته قصة قصيرة.محتواها أضغاث ذكرى غائمة للحظة من طفولة المؤلف المبكرة حين أيقظته أمه منتصف ليلة شهباء لاحتجاب البدر وراء غمام أو ضباب..وأرسلته إلى المدرسة بالركادة  ظانة أن الوقت صبح وقد سبقه إليها  الصبيان..فكان ما كان من وصوله العين ولم يجد أحدا، وانتظاره المشوب بخوف طفولي. هذا كل ما حدث ووقع، ولا شيء  مما تخيله السارد في "خضرا والمجذوب" من انبعاث حورية من العين وتعميدها للصبي الخائف بماء العين لتسكن نفسه ويهدأ روعه، ويقظته وقد أحيط بوالديه وقهوجي العين. وأصل هذا الفصل هنا توظيف حكاية  شعبية قصيرة  وردت في كتاب أحد المؤلفين الكولونياليين، ومفادها أن عين الركادة تسكنها جنيتان أحداهما بيضاء حسناء إذا بدت من البئر كانت علامة على بدء انهمار العين وفيضها، واخضرار ما حولها، ومن ثم سميت العين في المخيال الشعبي لالا خضرا. والأخرى سوداء دميمة تمتطي ظهر سلحفاة إذا طفت على الماء كانت نذيرا لغيض العين ورقاد عميق لها مع شخير، ويباس ما حولها. ومن ثم سميت العين عين الركادة.

 كتبت هذا النص أو بعضه وأنا شبه ساهم، بمقصورة القطار مصطحبا ابنتي البكر إلى مطار محمد الخامس لتستقل الطائرة.. كان ذلك منذ بضع سنين.. وتعلمون أن السفر مبعث أشجان، والعلة اغتراب ذات وفلذات أكباد.. والغريب أنني بمجرد عودتي إلى المنزل أضعت ما كتبت.. لكن بقي لي منه لمحات غائمة بذاكرتي.

       وقبل ذلك كنت أصدرت "الجناح الهيمان" وأساسها خبر اكتشاف نبع الركادة  وقد سمعت بعض عناصره شفاهة من أحد أبناء المنطقة يسكن القنيطرة بمقهى يملكه...وأضفت إليها  أحداثا وشخوصا جديدة حتى استوت لي حكاية شعبية بطولية من اختلاقي يمكن أن تروى  للأهل والأولاد والأجيال..

      حكاية الحورية الحسناء وحكاية  القائد دحمان ولالا خضرا  مزجتهما في  حكاية واحدة ووضعت لها إطار الحلقة، ويرويها الڭوال والدلالة بساحة العين.

غدت عين الركادة أو لالا خضرا الركادة إذن بطلة لحكاية و"أسطورة شخصية"( على قول كويلو في الكيميائي) ليس للراوي فحسب، بل لأقرانه  ولجيله.. وقد أثمر تواصل بعض الأقران الافتراضي رسائل ونصوصا أدبية وتاريخية تبادلوها يبغون بها  استعادة  الماضي البطولي لبلدتهم، تعهدا من أنفسهم أن تستمر الأسطورة رغما عن غؤور العين، ورغما عن النسيان الذي أخذ ويأخذ الأجيال الحالية لمكونين ثابتين من مكونات الهوية، ألا وهما الأرض الأم، والثقافة.ثم التعبير عن مشاعرهم وأمانيِّهم تجاهها، وبلورة مشروع عمراني وثقافي ذهنا وتصورا للمساهمة في تنمية بلدتهم الصغيرة ثقافيا وبشريا في الحاضر والمستقبل، خلافا لمشروع آخر هدفه استنزاف ماء العين لصالح الرأسمال المتوحش الذي يأتي على الأخضر واليابس ويدمر كيان الإنسان. وكانت  للبتول في الرواية، ابنة السارد أحمد، المهندسة المعمارية فضل رسم هذا المشروع وتصميمه في شكل إبداع جميل  أضفته للرواية باعتباره واحدا من الأشكال المتعددة  التي تضمنتها الرواية ... 

        ما تبقى تفاصيل كثير منها من نسج الخيال المحض، وقليل منه واقع أو بالأحرى تاريخ مخيَّل محلوم به..ف"خضرا والمجذوب" الرواية، انطلقت من حلم طفولي...برؤيا، وانتهت برؤيا... وإذا كان قد قيل :الواقع لا يرتفع، فإني أقول: إن الواقع يرتفع ويسمو ويرقى بالحلم والرؤيا في الأدب والفن... 
وقديما قالوا عن الشعر:إن أعذب الشعر أكذبه وأنا أقول: إن أعذب الأدب كله أكذبه.

 أيكون ما كتبت رواية أم سيرة  ذاتية ذهنية أو روحية، أم تخييل ذاتي؟ لقد استعصت الأنواع الثلاثة عن التحديد، وأبت أن تستقر على شكل على العلماء بها والمنظرين لها. فكيف تنقاد  متأدب مقل؟!
     أنا أقول هي رواية وكفى. وقد أملت أن تكون  رواية على نمط السيرة الشعبية،بصياغة ورؤيا حديثة.  ولذلك خالطها كثير من النصوص الشاعرية والأقوال الهجينة المبتذلة. فإن  كانت  كما أمَّلت، فذلك أقصى المنى، وإن لا، فما أنا إلا  متأدب حالم، أعبُر أحلامي  وأبث أوهامي وأنشر بعضها زجلا وسردا وقصا.
وعذرا للحضور على ثرثرتي وكلامي  الذي ربما بدا كلاما مخلوطا... فقد أصبح بعضكم بعد اليوم، أعلم بعلتي مني بعد ما علمها من قبل بعض خلاني وخلصائي!

********

 

ممتن للأستاذ جواد المومني لهذه المقالة النقدية المؤلفة بين الفكر والشعرية

جريدة الاتحاد الاشتراكي،الجمعة 22 دجنبر2017، 3 ربيع الثاني 1439هـ

1ـ إحتفاءً بالماء:

الماء هذا العنصر الحيوي، الماء ذاك الكائن الفريد، الماء لازمةُ الموجودات والمحسوسات. الماء الوجودُ وكفى.

يحتفي النص الروائي خضرا و المجذوب لعبد المالك المومني الصادر عن مطابع الرباط نت سنة 2015 في نسخته الأولى بالماء، ويُفْرد له مجالاتٍ بهيجةً ووارفةً، ستكون محور تقصٍّ وٱستجلاء في ما سيأتي.

و قد راهن الكاتب على الماء منذ العنوان، حيث الخضرةُ و حيث الجذبُ؛ فالأمران معا في هذه العتبة وثيقا الصلة بعنصر الماء، يكفي أن نشير إلى أنّ لَا خضرةَ في الطبيعة دون ماء، كما أن الجذبَ فيها إنما يتأتَّى بفعل نقصانه و قِلَّتِهِ. على أن العناوين الفرعية الستة و العشرين داخل العمل الروائي تُفصحُ مباشرة عن تبنِّيها لنفس التِّيمة ، فهي تبتدئُ بعنوان: ماء ص7، هكذا بطريقة مُنَكَّرَةٍ نكِرَةٍ، لكنها مَعْرِفة مُعَرَّفة، هي الماءُ.

و الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل إن بُؤرةَ الحَكِيِّ ككل تدور حول عين الرّكّادة ، الناعسة، حيث السرد و نسْجُ الأساطير و الرواية للأحداث. وتُطِل علينا أيضا لوحةُ الغلاف، و لعلنا في الحقيقة أمام لوحتين أو تصميمين.

فالتصميم الأول في الواجهة ، إذْ يُظهر بألوان مختلفةٍ يتخذها الماء خلال حالاتٍ، في البِرْكة، أو في النهر أو في البحر أو في العين، و يتأثَّثُ التصميم بقطرةِ ماءٍ مُوشِكةٍ على سقوطها فوق سطحِ مياهٍ راكدةٍ ناعسةٍ. أما عن صورة ظهر الغلاف، فثمة تصميم ثان لعين الركادة ، لكنه يحيل على الفرح أكثر، إذ يلعب أطفال بجوار بناء دائري محيط بنبع مائي، كما يحمل أب إبنته في حنو ظاهر بالقرب من ناعورة تدور بفعل تدفق المياه، مما يضفي على المكان رونقا خاصا، يبين الالتجاء إليه ساعة الحبور و المسرة.

 

2 -  عشق من الماء و إلى الماء:

لعلنا أمام تقاطع بهي مع الروائي العراقي الدكتور علي القاسمي في عمله : مرافئ الحب السبعة بالصفحة رقم 90 ؛ حين قال : ما رأيت الماء إلا أحسست بنوع من اللذة الخفية. كنت أعتقد في طفولتي أن اللذة والألم من مشتقات الماء ، أو أن الماء من مشتقاتهما.

يبقى الماء إذا أسطقسا حاضرا بكثرة في النص الروائي، وقد تقصد الكاتب إقحام أسماء أماكن بالمغرب الشرقي، ذات نبع مائي،   مثل: بئر اجراوة أو بئر مللي أو عين الركادة، كل ذلك في تماه جلي وصل حد الحلول. يقول الكاتب السارد متحدثا عن عين الركادة: كانت عيني التي أنظر بها إلى العالم. ( ص121 من الراوية) ، فاعتبار العين كمصدر للماء عينا للنظر و للبصر و للرؤية وفي ما بعد للرؤيا لعمري هو قمة التماهي والانصهار . ونعثر في الصفحة 17 على قول الكاتب متحدثا عن عين الركادة :

 

كتبت حكايتك/حكايتي

وحين قرؤوك/قرؤوني قالوا :غرقت.

يتبين أن الكاتب قد اختار التعبير عن إحساس داخلي دون إقامة حدود فاصلة بين الواقع والتخييل ، وذاك ما وضعه في سرد بعيد عن التكلف. حيث كانت الغاية التعبير عن مكنون جواني متعالق جدا مع واقع خارجي. و تدعم ذلك أيضا بتدافع كثيف للأصوات، لكنها في الحقيقة صوت واحد، فالسارد هو الحاكي، وهو البطل أحمد، وهو الكاتب عبد المالك المومني، كلها أصوات لإحالة ولمرجع موحدين متحدين.

ويبدو أن الانسيابية في التعبير عن المختلجات ما كان لها أن تصل ذروتها دون أساليب راقية، عمد إليها المؤلف قصدا، من ذلك النصوص الشعرية الزجلية ، والتي كانت عميقة في مغازيها ، غائرة في مدلولاتها. وقد حفت الرواية بالكثير منها ( انظر الصفحات أرقام: 9-27-38-45-100-123 ) وردت جلها إن لم يكن كلها غنائية ملئى بتراتيل عبارة عن كلام موزون ذي نوتة موسيقية رائعة الصياغة و القول.

إن لهذه المادة واستعمالاتها القوية هنا غرض أساسي يتمثل في الاستطراد أو الاسترسال، تأتي لتورط المتلقي في لحظة السرد التي انخطف بها وإليهاالسارد/ الكاتب، حيث ما تفتأ تعود به صوب المعاني السابقة، التي وردت على لسان أحد الشخوص. فحين يقول الصوت المخاطب لأحمد البطل في الصفحة رقم 9:

 

مولاتي خضرا

الزينة العذرا

مرة زينة خضرا

ومرة خالية صحرا

هي ما تعذر

ونا من غرامها

عمري ما نبرا

 

فإنما الكلام هنا مساق للحديث عن عين الركادة، عين الماء الناعسة التي هي حينا جنة خضراء، وحينا قاحلة صحراء، أو حين تهيج المشاعر في الصفحة رقم 38 عند الوقوف على رسمِ أو طلل القسم الدراسيبها، فللحديث أيضا شجنٌ وتعريج على عين الماء:

 

يا حباب من ذاك السرجم

يا ما سهيت زمان نخمم

به عرفت سر الحكمة

وطلعت ب العلم محزم

دخلت من الباب طفل يتيم

وخرجت بيه طير يحوم.

و نفس الشعور نلمسه في نص زجلي آخر بالصفحة 123 ، حيث معاتبة العين الناعسة/الراكدة على طول جفافها أو اجتفافها، حين نضب الماء وغار ، يقول :

لْغيت ا خضرا الناعسة، فيقي

الذيب ما زال ف دارك، باقي

عنداك تّامني، عنداك تيقي

وفمي شحفونشف ريقي

آ خضرا لالّا، طال ركادك

 

إن تيمة الماء المحتفى بها في العمل الروائي ككل، موظفة هنا بشكل واعٍ يحيلنا مباشرة على كتاب الماء و الأحلام لغاستون باشلار، والمُترجَم من قبل: علي نجيب إبراهيم في طبعة 2007 حين يقول: موت الماء أكثر حُلميةً من موت التراب. لا نهائي هو عذاب الماء. وكأني بالمؤلف الكاتب يرى في هذا الجفاف عذابا وموتا، ولَعَمْري إن الأمر لكذلك !!

 

3 - بلاغة الأحلام

يستمر الحَكِيُّ في النص الروائي ويعرج بنا صوب الأحلام، وهي في الحقيقة صنفان هنا، أحلام افتراضية ( الصفحة 31 ) وأحلام يقظة (الصفحة 19)، وإن كان لهذه الأخيرة دور في ترتيب أحداث العمل الروائي و دفعها إلى سياق خاص بالسارد وهو طفل صغير متمدرس. سيتخيل شخوصا وأشباحا وامرأة في ليلة احتجاب للقمر(الصفحة 19)، إن كان ذلك، فإن الأحلام الافتراضية هي بؤرة النص ككل، إذ عليها ستقوم الفكرة المحور. فتأسيس جمعية لقدماء تلاميذ مدرسة الناعسة-الركادة بهدف إنقاذ العين وتجميل محيطها ووضع تصورات وتصاميم تليق بذكراها ذكريات الصبا والطفولة- قصد الحفظ والاعتناء والتخليد، هو الخط الرئيس الذي انبنت عليه جل الوقائع الأخرى (عوائق إدارية، طموح أجنبي للمتاجرة في مياه العين) والذي تفرعت عنه ومنه محكيات ذاتية مرتبطة بالاستدعاء الجميل للأسطورة أو للحكاية العجيبة/الغائبة، الفنطازية (حكاية للا خضرا المنقولة على لسان الكوال= القوًّال، أو المجذوب، أوالمهبول، أوالبهلول ) من الصفحة 94 الى الصفحة 98 في الحلقة الأولى، وكن الصفحة 103 إلى الصفحة 110 في الحلقة الثانية، كلها مصوغة بلغة راقية واقعةٍ بين الفصحى والعامية، ننعتها باللغة الثالثة، وهذا ما نستحسنه إيقاعاً ومضامينَ.

 

4 -  نصوص موازية

في خدمة تيمة الماء

ولعل ذاك ينقلنا مباشرة إلى استراتيجية سردٍ مستثمرةٍ للحكايا الشعبية وبالضبط لتقنية العمل على نصوص تراثية وتنميطها في قالب حكِيٍّ روائي. إن عبد المالك المومني في لحظة ما، قام بمسْرحَةِ العرض (الصفحة 142) حين تم الالتجاء إلى تنبيه المتلقي صوب مشاعر الحب الكبير المُهدى للعين الناعسة/الركادة، فكان تناوب الأصوات/ الشخصيات على إبداء هذا الإحساس في ترديد جماعي من الجوقة لِلَازمةِ القصيد المُؤدَّى.

وقد كان لافتا في النص اعتماده على مناصات أخرى، موازية للحكي، داعمة له، وهي الوثائق المختلفة و المتعددة التي أرفقها الكاتب و توزعت بين التصميم الطوبغرافي ( الصفحتان 79+ 80) وبين الوثيقة التاريخية التأريخية (الصفحة 159) وبين تضمينات مستقاة من مواقع التواصل الاجتماعي (الصفحة 34) وأيضا بين الاقتباس لنصوصٍ تاريخية: مقتطف من كتاب: مغرب الرومان le Maroc des Romains  لصاحبه  لوي شاتلان ( Louis Chatelain ) = الصفحتان 114+115.

كل ذلك يندرج في إطار خطة استدعاءٍ للتاريخ الحقيقي للمنطقة، و ما ذاك الاشتغال إلا لغرض نبيل: رد الاعتبار للعين، عين الركادة، ما يعني شعرية المكان وما يعني تماسَّ كل الخطوط والمهارات في سبيل المقام، وسيدة المقام :

للا خضرا حورية المكان و مولاتو

من شافها وشافتو لبحرها جلباتو

واللي زارتو فمنامو و عاوداتو

ملكاتو وسكناتو عمرو و حياتو .

الصفحة 27.

 

5 -  بين الخروج والعودة

إشارتان أفضل أن أُفرد لهما موقعا خاصا وردتا في الرواية، وهما معا متناغمتان؛ وإحداهما تُؤنس الأخرى، بل وتفضي إليهما.

         الأولى: علاقة شخصية خضرا الدلالة التي كان دورها دايَةً أو قابِلة ( امرأة تساعد الوالدات في الوضع وتتلقى المواليد ) حيث سيتم طردها من القرية بعد ادعاءاتٍ و افتراءات في علاقة مشبوهة وغبر شرعية ب الكوال حسب زعم بعض الأهالي. فما يستوقفني هنا هو عملية الإخراج هذه، حيث مَنْ كان سببا و مساعدا على الإخراج من الرحم، سيجد نفسه مُخْرَجاً و مطرودا من رحم القرية/الحضن، يعني إعادة إنتاج، لكن بطريقة مُشوهة ممسوخة وغير سليمة !!

 

         الثانية: وهي علاقة السارد الكاتب، والذي هو أحمد الطفل، الصغير الذي لقبه أقرانه ب بلًّارج = اللقلاق، وهذا الطائر معروف عنه وفاؤه العظيم لمكانه، إذْ رغم هجراته الموسمية، فإنه يعود صوب عشه/ موطنه الأصلي. والأمر هذا يجد صداه في العمل الروائي، حيث يعود أحمد من الرباط بعد أن كبر وكبرت عائلته إلى عين الركادة وكله شوق وحنين إلى موطنه الأول. فقد شب وترعرع ونما، وهو يطمح رفقة أصدقائه/أقرانه في إعادة ترميم المكان/المقام/الموطن/العش بشكل أبهى حفظا للذاكرة ووفاءً للذكرى.

الواقعتان كما أسلفت، متلازمتان من حيث الخروج والإياب بشكل من الأشكال. فنحن نعثر على خروج خضرا من القرية، وخروج أحمد صغيرا منها، ثم خروج الأطفال من رحم أمهاتهم، وبالمقابل نجد إياب أحمد إلى القرية وإياب الأقران / الأصحاب كذلك، وليس ثمة عودة خضرا ! إلا أنها عادت، أو أُعيدتْ بفعل استراتيجية السرد التي مارسها الكاتب بلسان خضرا الدلالة ، ما يعني رد الاعتبار لهذه الشخصية التي طالما ساهمت في إخراج حيوات إلى الوجود، حيث قامت ب إخراج الأطفال من شوقهم وعطشهم المعنوي في معرفة بقية أحداث ووقائع حكاية/حجاية للا خضرا لَوْليّة مولاة المكان = الحكاية الغائبة في فصل:

حنَّا وختم الحكاية من الصفحة 143 إلى الصفحة 149، تلك الحجاية التي بدأها الكوَّال البهلول وأنهت سرد وقائعها هي، خضرا الدلالة من خلال القصّ الشيق.

 

على سبيل الختم:

قال الاستاذ عبد المالك المومني في آخر صفحة من روايته : خضرا والمجذوب بالصفحة 208 : هذه روايتي هذه ذاكرتي و نظرتي ، لا تلزم أحدا. لعل الصيغة التي جاءت هنا ، دليل قاطع على أننا أمام عمل من جنس المحكي الذاتي حيث تَذْويتُ الكتابة وحيث الحدود ملتبسة بين الواقع والتخييل.

 

 alittihad.info منقول عن وقع 

 

 

 

خضرا والمجذوب، الحكاية الشعبية والمقاومة

قراءة لعبدالإله مهداد

موقع ثمانية

 

 


الـﮔـوال


"..
رأيناه أول مرة يدور بباحتي العين، عليه عباءة بنية مائلة إلى السواد، تغطيه إلى أسفل ساقيه الدقيقتين. يسير ببطء مطأطئ الرأس متمتما مرة وواجما أخرى. لم يكن يرفع رأسه إلا حين يقترب من صف السرو الذي يسيج بستان الذي يملكه المعمر..، فإذا حاذى السروة التي عليها عش اللقلاق أخذ في رفع عينيه إلى العش وخفضهما مرات عديدة. يستمر في الحركة لحظات ثم لا يلبث أن يستأنف دورانه حول العين، منشدا بصوت فيه بحة الشيوخ:
عْطر "خضرا" فاح
وماها خمرا ساح 
فيَّق عليَّ وحشي
 
حنيت لـ اول عشي

ولبست جناح
"
خضرا" غايتي
عْلامْها رايتي
شديت طريـﮔـي
الشوﮔ رفيـﮔي
حال بلارج
تبكار وترواح
لي فيها خيرالناس
وفاكية ولذة كاس
عقلي من هواها راح
وقلبي من رواها طاح
مجذوب؟ بهلول؟ يتطلع إليه كل من كان بساحة العين عابرا أومستقيا واردا، في عجب وفضول من حاله وغنائه. ويتبعه في دوراته بعض الصغار ممن راف المستقين ومنا نحن التلاميذ.
وينادى علينا إلى الفصل بالتصفيق-إذ لم يكن هناك جرس بعد- فنتركه على تلك الحال إلى أن نخرج فلا نجده. بعضنا كان يتابع النظر إليه من خلال نافذتي الفصل
..
- مالك يا بلارج شارد ا هكذا. نبهني يوم معلم العربية
.
ضحك الفصل كله، بينما سمعت "قويدر"، أحد يافعي الفصل مان التحق بنا مؤخرا، وكون عصيبة مشاغبة
:
- عقلو مع الـﮔوال يا معلم
!
عم الضحك ثانية
.
..."
" خضرا والمجذوب"، ص: 46 وما بعدها
..

بقلم ذ. عبدالمالك المومني

 

 

 

الأستاذ عبدالمالك المومني:

شكري وامتناني لما أحظى به في الموقع  المشع من عناية ومكانة. جعله الله نبراسا للثقافة المحلية

 والوطنية،وبارك في عمر القائم عليه!

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription