بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                 شذرة من تاريخنا التليد         

 

كيفية استيلاء المعمرين على أراضي بني منقوش

 

بعدما أحكمت فرنسا سيطرتها على منطقة بني يزناسن، شرعت في إقامة أدوات وعناصر البقاء، والاستمرار، والاستغلال، وهكذا بدأت في تاسيس مدينة أبركان، انطلاقا من المكان الذي نزلت به أمام قبة الولي الصالح، سيدي امحند أبركان، أواخر العشرية الأولى، وبداية العشرية الثانية من القرن العشرين.

شرعت فرنسا أيضا في تشجيع المعمرين على الاستيلاء على أراضي أصحابها، وتملكها، وإقامة ضيعات كبرى، حيث أصدرت سنة 1914 م ظهيرا يعطي الحق للإدارة الفرنسية في انتزاع الأراضي من أصحابها...

أ ضيعات المعمرين بعين الركادة:

أصبحت عين الركادة كغيرها من مناطق بني يزناسن، مركز اهتمام المعمرين، نظرا لانبساط أراضيها، وامتداد سهولها، وخصوبة تربتها، ووفرة مياه العين سنوات الخصب.

كانت أول ضيعة تعرفها عين الركادة هي : " ضيعة الكبّانية " التي أقيمت إلى الغرب من العين، وقريبا منها خلال العشرية الثانية من القرن العشرين.

اشترك خمسة معمرين في تأسيسها ، ذكر لي ثلاثة منهم، وهم كالتالي :

-          تِبْنو

-          دوني

-          بيغو

-          ويساعدهم  " خْوانْ " الذي عرف عند الناس باسم " خْوان لَعْوَرْ "

استحوذوا على ما شاؤوا من الأراضي التي كانت في ملك بني منقوش الشمالية، وكانوا يزرعونها بالحبوب و الفول والحمص....شغّلوا عددا من ابناء المنطقة في بداية انطلاقها ( من العمال الأوائل : البشير أوزيرار البوعزاوي ، أحمد الزاوية النكاوي ، محند وشريف الميلتي....).

بعد مدة انتقلت الضيعة إلى المعمر " مرتنيس " الذي استغلها لمدة طويلة ثم حل محله لمدة قصيرة ، المعمر " لاكرْوى "  لتنتقل في الأخير إلى اليهودي " شقرون " الذي عرفت الضيعة باسمه " فيرمة شقرون " وبالأمازيغية " الفيرمة انشقرون ".

 

أقيمت ضيعة ثانية بعين الركادة، بعد سنوات قليلة من إقامة الضيعة الأولى ، إلى شرق العين وأسسها المعمر " تبنو " بعد انفصاله عن " الكبانية ". اتخذ القصبة مركزا لها، استحوذ على الأراضي المحيطة بها ولم يغير أي شيئ فيها. إنجازه هذا سيكون نواة الضيعة التي ستنتقل إلى ملكية المعمر " مورلو ".

 

ب طريقة حصول المعمرين على الأراضي

-          التوقيع بالإكراه : اعتمد المعمرون على التهديد والتخويف والترهيب، من أجل توقيع المواطنين على  عقود بيع وهمية يستلم المعمرون بموجبها الأراضي التي يختارونها، وهكذا أجبر عدد كبير من سكان قبائل بني منقوش الشمالية " خلاد ، طغاغط ، أولاد بوغنم ، وغيرهم " على التوقيع ، خوفا على أرواحهم وأرواح أبنائهم.

-          البيع : تم بيع العديد من الأراضي تحت الضغط، وبأثمان بخسة يقترحها المعمر فهو البائع والمشتري قد يؤدي بعض الأجر أو يمتنع عنه ، واستغل أيضا قوانين الاستعمار الفرنسي الصادرة لحمايته، وكذا فقر الأهالي وشدة حاجاتهم.

-          المبادلة : مبادلة قطعة بأخرى ، من أجل تجميع الأرض ، و إفراغها من أصحابها ، و إبعادهم إلى الحواشي و الأحراش ، وكانت العملية تتم تحت الضغط و التهديد ، يتم فيها الاستيلاء على الأرض السهلية الخصبة ، مقابل الأرض الوعرة. حدثني جدي قال : كان لوالدي هكتار بمنطقة " الصينية " أخذه مورلو منه وعوضه بقطعة في الأحراش. ( الصينية : أرض منبسطة، خصبة تقع إلى الشمال من عين الركادة، وتمتد إلى دواوير " اينعار " كانت تستفيد من حصة ماء العين في السقي شبهت بالصينية لاستوائها ).

-          التحايل : تحايل المعمرون على المواطنين بشتى الوسائل، من أجل انتزاع الأرض منهم، منها التوقيع على أوراق قيل إنها " كوبونات إعانة " ، وهي في الحقيقة عقود بيع ، أو عقود تنازل تعطي المعمر حق التملك.

استغل المعمرون عادة " التبوريدة " لدى الأهالي ، فمنعوا عنهم البارود ، ودفعوهم إلى بيع الأرض مقابل الحصول عليه، حدثني الشيخ حماد بن الطيب أقدار قال : لقد أعطى عدد من الناس أرضهم للمعمرين، مقابل الحصول على حصة من البارود من أجل " التبوريدة " ومنهم من باع الهكتار الواحد مقابل كيلو واحد من البارود...

 

إن بعض سكان قبائل بني منقوش لم يبيعوا أراضيهم للمعمّريْن : شقرون ومورلو رغم ضغوطاتهما المتعددة، وتهديدتهما المتكررة، وبقي بعضهما على شكل جزر متناثرة، وسط الأراضي الشاسعة التي استحوذ عليها، وهكذا امتنعت عليهما بعض أراضي " اولاد هرو " الواقعة غرب عين الركادة ووادي بورولو ، وكذا أرض " إقدارن " الواقعة جنوب العين ، والقطع المسقية، و بعض أراضي الحاج ابراهيم الينعوري، الواقعة شمال العين، وبعض أرض " إعثمانن " الواقعة شمال شرق القصبة ، حدثني والدي قال : " كان مورلو يكره أفقير بوجمعة أو عثمان كرها شديدا ، لأنه رفض أن يبيعه أرضه ليضيفها إلى ضيعته، وكان كلما ذكره أ وقف جنب أرضه ، إلا ونعته ب " السّالو " ( صفة قدحية تعني : السمج ، المتسخ ، القذر ، المتخلف ، كان مورلو والمعمرون يستعملونها كثيرا لإهانة الأهالي ).

.........................................................................

وضعية الناس الاجتماعية والاقتصادية بُعيد الاستقلال عين الر ڭادة نموذجا

 

 

كان الناس يظنون أن الاستقلال يعني طرد المعمرين، واسترجاع الأراضي التي سلبوها منهم، وقطع الصلة تماما مع المستعمر، إلا أن ما أدركوه شيئا فشيئا، أن المعمرين باقون، والأراضي لم ولن تسترجع منهم، ولن ترجع إلى أصحابها الحقيقيين، بل هاهم يجددون عتادهم الفلاحي (1)، ويوسعون مغروساتهم، ويشغلون الأهالي على هواهم كما كان الحال من قبل.

كانت الوضعية لسكان الر ڭادة  بعد الاستقلال، تبعث على اليأس والشفقة، فقد استمر استغلال المعمرين، أصحاب الضيعات للأيدي العاملة بأثمان زهيدة (2)، واستمرت حياتهم الفلاحية على حالتها التقليدية البسيطة، في أراض جلها يقع في الأحراش والسفوح.

كانت وضعية المواطنين صعبة ومزرية، ويتجلى ذلك في مستوى معيشتهم، ولباسهم، وقدرتهم الشرائية في تعاملهم مع السوق.

كان جل المتسوقين من عين الر ڭادة  ونواحيها إلى مدينة أبركان، يتسوقون مشيا على الأقدام، أو على دوابهم، والقلة القليلة على دراجتهم الهوائية.

كان منظر العمال، وهو يغدون، أو يعودون من عملهم بضيعات المعمرين، يبعث على الحزن والأسى، ويستدر الشفقة والرحمة.

استمر العمل شاقا، غير محدد الزمن، ينتقل العامل غالبا على رجليه، يؤدي جميع الأعمال كيفما كان نوعها، يخضع في عمله لحاجة المعمر، مع أجرة ضعيفة وقارة.

ساعد على تأزيم وضعية العمال، سلوكات بعض مسيري ضيعات المعمرين من أبناء عين الر ڭادة  " الكوميسات Les commis  " الذين كانوا في بعض الأحيان أقسى من المعمر نفسه.

كلما حل فصل الصيف، وحصد المعمران ( مورلو وشقرون ) غلتهما، هبت العجائز لجمع السنابل المتساقطة، إلا أنهن كن يعانين مع " الكوميسات " ويمنعهم من ذلك، بل يؤخذ منهن ما جمع، ويقدم لأغنام المعمرين.

كانت قلوب بعضهم تحن وتشفق قليلا، ويتم التنازل أحيانا في بعض المناسبات عن هذه الممنوعات، إلا أن الوضع العام كان سيئا بالنسبة للأهالي أحسوا فيه بأن الاستعمار لا يزال جاثما فوق صدورهم.

مع ستينيات القرن العشرين، ومع توالي سنوات الاستقلال، غَيَّر بعضُ المعمرين من سلوكاتهم العدائية، وأصبحوا يتعاملون بكثير من الليونة، فقد كان " مورلو " يقدم بعض المساعدات للعمال زمن الشدة، ويتكلف بمداواة بعضهم، كما أصبح يمتع عماله بعطلة صيفية تمتد لخمسة عشر يوما، يقضونها بشاطئ السعيدية، على نفقته.

خصص لمدة طويلة قطعة أرض للعمال، يحرثها ويحصدها، ويوزع عليهم محصولها.

أصبح يشفق كثيرا على عماله المسنين، ويوصي " الكوميس " بالعناية بهم، وعدم إرهاقهم بالعمل.

نودي بعد الاستقلال، على جل الوطنيين الذين أفنوا زهرة شبابهم في الدفاع عن الوطن لمكافأتهم، وتمت المكافأة على الشكل التالي :

-          مجموعة القيادة، أعطيت لها بعض المناصب العليا نسبيا، رؤساء دوائر، قواد، وخلفاوات.

-          مجموعة عينت بالأمن الوطني، برتب حراس الأمن.

-          مجموعة " لمخازنية " وهي الوظيفة التي تم التكريم بها بسخاء على جل الوطنيين والفدائيين.

-          مجموعة استفادت من توزيع الأراضي الفلاحية، بمنطقتي " بوشاقور وبوغريبة ".

-          فئة لم تكافأ بأي شيئ، وتشكل نسبة مهمة.

 

(1)   : أضاف " مورلو " عتادا فلاحيا جديدا من بينه جرار جديد، ونفس الشيء  بالنسبة لشقرون، كما بنى معصرة الخمر داخل ضيعته.

(2)    : كانت أجرة العمل اليومي التي يؤديها المعمر في سنة 1956 هي 300 فرنك كحد أقصى، ما يساوي حاليا 3 دراهم.

 

عن كتاب " عين الر ڭادة ، القصبة والتأسيس " للأستاذ عبدالله الزغلي...بتصرف

     الصور الثلاث من ذات الكتاب                                                                                             

 

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط  هنا

.........................................

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription