شذرة من تاريخنا التليد     

 

إنسان تافوغالت ومغارة الأسرار

 

 بقلم الدكتور الباحث عزالدين بدري

 

    

في غابر الأزمان عاش "إنسان تافوغات" في المنطقة الجبلية المسماة "تافوغالت" التي تقع في سلسلة جبال بني يزناسن خلال الفترة الزمنية المسماة "الحقبة الإيبروموريزية". خلال هذه الحقبة الزمنية حضر عند هذا الإنسان الغامض الطقس والثقافة التي هي كل ما انفصل عن الطبيعة ، وحضر عنده الطب الذي هو صورة من صور هذه الثقافة داخل مغارة مجهولة الإسم سمتها الأبحاث المعاصرة : "مغارة الحمام". أيكون زعيم قوي سكنها أم هو "شامان" عظيم مارس داخلها سحرا أم هو حارس المقبرة .

ممارسات وطرائق العيش المرتبطة ب" انسان تافوغالت " طرحت كثيرا من الأسئلة والفرضيات والتصورات والرؤى، وكذلك المغارة التي سكنها وتجمعات الأكواخ المصنوعة من التراب والأخشاب التي يعتقد أنها كانت مأوى للطبقة العامة .

ربما أن الطب لم يحضر عند "إنسان تافوغالت" وحضر عنه السحر نيابة عن الطب أقام إنسان تافوغالت شعيرته داخل المغارة وأقام بها نوعا من أنواع الاحتفالات التي تمثلت في أول عملية جراحية على رأس آدمية (التربة / التربريان)، أجريت تلك العملية الجراحية ربما على رأس زعيم كبير استحق أن يدخل المغارة ويتلقى العناية الفائقة من طرف "الشامان"/ الساحر العظيم وزمرته؛ وربما أجريت على شخص غير سوي متماهي بروح شريرة .

كانت حياة "إنسان تافوغالت" في غابر الأزمنة مستقرة ووحشية ( مصطلح وحشي حسب مفهوم علم الإناسة ولا أقصد الإساءة ) وفيها صراع مع الوحوش ومع البحر ومع الغضب الطبيعي. و ربما كان فيها احتفال وعقاب وحزن ورقص حول نار مشتعلة تطرد الحيوانات المفترسة وتمنح الدفء، وربما كان فيها خشوع و صلاة وتوسل وهمهمات ولغة روحية تبحث عن السعادة والطمأنينة والأكل والتزاوج .

 

كان "إنسان تافوغلت" يردد الأغاني وهو يعبر الفجاج بين الجبال متجها نحو البحر لقد حضر عنده الغناء والتميمة والشعيرة واللوي والمكياج الطبيعي.

فهل ياترى كان "إنسان تافوغالت" في حاجة ماسة إلى مكان مقدس يجتمع عنده كل ليلة ليردد الأهازيج وليشكر الخالق على عودته سالما من البحر بعد أن قطع فجاجا مملوءة بالحيوانات المفترسة المرعبة أم أن المغارة كانت مكان لا يقف عنده إلا ساعة الشدة والقلق الوجودي ؟

.

مغارة تافوغالت واحدة من المغارات المتعددة المرتبطة ب"إنسان تافوغالت" و يصل عددها حسب بعض التخمينات والمقاربات إلى أكثر من ألف مغارة بين كبيرة وصغيرة بعضها ردم تحت التراب بفعل عوامل التعرية، من أصل ألف مغارة كما يحكى توجد مئة منها ظاهرة للعيان، فهل يا ترى هذه المغارات الصغيرة تابعة للمغارة الأم الكبيرة بتافوغالت ( المتأمل في شكل هذه المغارات الصغيرة الموجودة في بجبال بني يزناسن دون شك ستثير فضوله وملاحظاته ) لقد كان "إنسان تافوغالت" ينتقل من المغارة ومحيطها إلى البحر القريب منه مشيا على الأقدام وكان يصتاد الأسماك و يأكل حلزون البر وحلزون البحر ويقنص في الغابات الواسعة اعتمادا على لياقته البدنية وعلى حيله وشراكه.

كان انسان تافوغالت انسانا مبدعا ومتحديا للطبيعة. و ترك وراءه آثارا ضائعة دلت على موهبته الإبداعية في عدة مجالات من الطب إلى الفلاحة إلى الزينة إلى الإحتفال ولكن، للأسف الشديد أن الأبحاث الأركيولوجية المعرفية بالمنطقة لا تزال دون المستوى المطلوب. ولا تزال مغارة الحمام وغيرها من المغارات سؤالا محيرا .

 

هناك بصمات قوية موزعة بين جبال "إنسان تافوغالت " تدل على حياة قديمة غابرة في الزمن وهناك عيون مائية كان يرتشف ويشرب منها لها أسماء غامضة تحتاج الى تفكيك ودراسة لغوية مقارنة ، وهناك أحاجي وخرافات وأغاني تحمل كثيرا من الرموز الموغلة في التاريخ والتي تدلف من كهوف مظلمة وباردة تنتظر كاشف المعرفة لينيرها.

منطقة "إنسان تافوغالت " سؤال معرفي إبيستيمي كبير وعريض لا تزال تنتظر دورها في النبش الأركيولوجي المعمق ( المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث -المعهد الألماني للآثار- جامعة إكسفور..لها حضور متقطع و مجهودات بالمنطقة مشكورة ولكنها غير ملبية للطموحات) والذي يحظى بتمويل علمي سخي بحثا عن الكنوز القيمة المادية وللامادية التي قد تساعد على إعادة النظر في كثير من الآراء التاريخية في حال الوصول إلى الوثائق الوازنة والغالية التي هي مدسوسة في عمق هذه الجبال وفي عمق الكهوف وفي السهول الممتدة ناحية الركادة وفي جبل ألمو وفي منطقة "كدفان و"إفندوشن" و"تيزي" و"إيفري تافرين" و"واد الشيخ " و" أونكوط" وفي منطقة "تاقربوصت" وغيرها وغيرها التي قد تفيد البشرية جمعاء.

 

ليس من السهل أن نرى الدينصور رغم حجمه الكبير فوق الأرض لا بد من التعب والكد والنبش والمجهودات والحب والقراءة الحدسية والعلمية لنستخرج عضامه المدهشة .

 

                                        

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط هنا

 

.........................................

 عبدالله لحسايني :

مثلما قاومت أحد الباحثين الفرنسيين في ندوة التراث الدارج بشفشاون أكرر اليوم أن عملية النقب Trépanation لم تكن مجرد طقوس سحرية دينية بل ممارسة طبية استشفائية وقد تدولت في أوربا في القرون الوسطى أيضا.

صحيح أن المعتقد التفوغالتي لإنسان تفوغالت يجب أن يكون طقوسا سحرية حين كانت الأديان مجرد غرائز سحرية في تلك الفترة، لكن اﻵثار الدينية في تفوغالت تبرز في شيء آخر سأتحدث عنه لاحقا.

أما النقب في الرأس فأكرر أنها عملية طبية بدائية وإلى هذا الطرح يذهب دكاترة وبروفيسورات أوروبيين تخلصوا من عقدة الاستعلاء الأوروبي. يجب الحذر من الأحكام الجاهزة التي يلقيها بعض الباحثين والمختصين الأوربيين، لأن غريزة الاستعلاء ﻻ تختص بالجاهلين فقط.

مثال على ما أقول:  إن اسم حضارة تفوغالت هو اسم  استعلائي "Iberomaurisien" أي حضارة ايبيريا "اسبانيا" المورية "المغربية"، في حين ﻻ علاقة لإسبانيا بحضارة انسان تفوغالت.

كما أن استهزاء الباحثين الأوربيين اليوم بموضوع العملية الجراحية ﻻ يندرج إلا ضمن الاستعلاء الوقح وهذا ما حصل لي مع الباحث الفرنسي كما ذكرت أعلاه.

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription