شذرة من تاريخنا التليد               

 

المغرب المجهول           Le Maroc inconnu

ترجمها إلى اللغة العربية الأستاذ عبدالكريم موجاوي
يرى أوكست مولييراس  "
Auguste Mouliéras " مؤلف كتاب المغرب المجهول أن النجاح في استكشاف منطقة ما يتطلب إلماما تاما بلغتها، وقد بذل قصارى جهده في تعلم اللغة العربية الفصحى وتعليمها ،كما أتقن لغة التخاطب العامة، واستغرق في ذلك مدة طويلة.
وكان له بعد ذلك أن يعتمد على مشاهدات طالب جزائري سيرحل إلى المغرب، يرويها له بعد عودته إلى الجزائر ،وقد استغرقت تلك الرحلة اثنتين وعشرين سنة(1872-1893)جاب خلالها محمد بن الطيب مختلف جهات المغرب، متنكرا في عباءة طالب درويش مغربي ،معرضا نفسه لشتى  المخاطر، غير مبال بسوء العيش ولا بقساوة الطبيعة والبشر أحيانا، ولعل ما أنجاه من الهلاك هو إتقانه للغة العربية في شقيها الفصيح والدارج ومعرفته لكتاب الله وما يرافقه من أمور الدين، ورغم التناحر الذي كان قائما بين القبائل فقد تنقل بينها واستقر يبعضها لكونه طالبا وفقيها.  وهذا يؤكد تقدير واحترام المغاربة لطلاب العلم وملقنيه.
ويعتبر كتابه "المغرب المجهول" بجزأيه ، وثيقة تاريخية هامة ، رغم ما قد يخالط رؤية الكاتب للأمور من استعلاء أو مجانبة للصواب ، وهو الأمر المعروف في كل الكتابات الكولونيالية. وللقارئ أن يتجاوز تلك الهَنَات ويكتفي بما روي من أخبار ومشاهدات ووقائع مجردة ولا لتلك النظرة الاستعمارية فيها. وتجدر الإشارة إلى أن مرويات محمد بن الطيب لم ترتكز على منهجية واضحة المعالم أو رؤية مخطط لها ولذا يرى ترحاله خاضعا لما كان قادرا عليه ، وأسوق على سبيل المثال مروياته عن قبائل بني يزناسن ،فقد جاب صاحبنا سهل تريفة فاجتنب أو لم يستطع زيارة الجبال حيث كانت الكثافة السكانية للأمازيغ وكانت أنشطتهم متميزة عن سكان السهول على جميع الأصعدة.

لابد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد حاز قيمة استخباراتية في زمنه ، ولاشك أن المحتل الفرنسي كان قد اعتمده في معرفة بعض خصائص البقاع التي ينوي غزوها ، وقد أثنى مولييراس على محمد بن الطيب كثيرا وشكره على ما قدم لوطنه من معروف.

وقد استغرق محمد بن الطيب بعد عودته ، مدة لازم فيها "مولييراس" يروي له تلك المشاهدات والوقائع معتمدا على الذاكرة الشفوية فقط ، ويرى الكاتب في تلك الذاكرة ودقتها ما يثير الدهشة والإعجاب ،فالراوي لم يكن يلم بالوقائع والأحداث فحسب وإنما كان يروي بدقة المعطيات الجغرافية والطبيعية للأماكن التي مر بها. وقد دون الكاتب مرويات ملازمه باللغة العربية أولا، ثم تفرغ بعد ذلك لكتابتها باللغة الفرنسية. وقد أخرجها في جزأين يحملان نفس العنوان الرئيس " المغرب المجهول" خص أولهما باستكشاف جهة الريف ،والثاني باستكشاف منطقة جبالة.
في ما يلي سأورد ما كتبه عن قبائل "تريفة" أولا ثم قبيلتي "كبدانة " و" بني ستوت "ثانيا ،لكونها تقع على الحدود المغربية الجزائرية على التوالي.

************************

قبيلة تريفــة *
غادر محمد منطقة سيدي ابراهيم ، وسط كبدانة ، في الصباح الباكر ، ليصل عشية يومه إلى ضفة نهر ملوية . نظرا لكونه لا يعرف السباحة ، فقد عبر النهر على ظهر جــواد وضع رهن إشارته بكل أريحية من طرف مرافقيه من أولاد الحاج، وقد عادوا إلى ديارهم على الضفة المقابلة. قبل أن يفارق أولئك الأهالي الدَّرْويش أوصوه باتخاذ الحيطة والحذر، وباجتناب هوارة الذين يجوبون المنطقة جهد المستطاع، وكانوا قد أعلنوا الحرب على جيرانهم في الغرب قبل أيام قليلة. قال الدَّرْويش في ارتياح، مومئا إلى أسماله البالية: العريان في الڴافلة عليه أمان الله.
أوغل في الهضبة، دون خوف ، غير قلق، وحيدا ، وهو يعلم مقدما أن لن يلحق شــر بمخلوق فقير مثله  . بعد نصف ساعة مشي ، سقط في كمين بين يدي هوارة.
-
إيه ..يا طالب ..من أي بلد أنت؟ هكذا صاح به جماعة من الڴوم، وقد اندفعوا صوبه بقوة.
-
أنا مغربي أجاب الدَّرْويش ،وقد وقف منتظرا ما سيحدث.
كان فرسان هوارة يمتطون جيادا مُطَهّمة، أحاطت في لحظات بالمسافر، حبسته في طوق من الصدور الحية ، ترهبه بجعل الخيل تتعالى  واقفة، مستقيمة، على قوائمها الخلفية ، ضاربة الفضاء بنظيرتها الأمامية ، غير بعيد عن رأس محمد.
-
قل لنا كم عدد رجال "لمغاربة" – يقصدون جيرانهم غربا وهم أولاد الحاج- المجندون ضدنا ونحن نؤمنك على حياتك.
-
أنا مدرس بزاوية سيدي رمضان(*) ..رد الدَّرْويش ببساطة ، وهو يعلم الأثر السحري الذي ستحدثه كلماته القليلة في نفوس أولئك العرب.
صدق توقعه، تقهقرت الخيل ، موسعة دائرتها حول الرجل وقد صار قويا بضعفه. نزل بعضهم عن خيلهم، تقدموا في احترام نحوه ليقبلوا رأسه وقد أمالوه قليلا نحوهم قائلين:
-
عفوا فقيه، قد حسبناك من الغرب ، ولكن بما أنك من الزاوية ، اركب الحصان وتعال معنا.
ولتشريف هذا الغريب المتميز، وضعوا رهن إشارته جوادا سريعا، حركا، يقف على قوائمه دوما .رغم إطراء محمد، فانه لم يجسر على الجهر بأنه يريد مطية أقل خطورة. امتطى الحصان بمساعدة رجلين من هوارة، وضعاه على سرجه بصعوبة، أحس وكأنه ريشة على متن ذلك الجواد الهائج، الذي يريد أن يلتهم الفضاء. فجأة ، بصيحة خاصة من القائد ، انطلقت الكتيبة بسرعة كبيــــــــٍرة عائدة إلى الدوار.
ما إن وصل الجمع ،حتى أشعلت النار لأعداد الشاي، وأعد كبش بكامله شواء، على سيخ طويل فوق الجمر، ثم التهم إلى آخر عظم منه من طرف المحاربين الجياع .في الغد ، قضى الدرويش ليلته بقصبة" شراعة". وكان شائعا لدى أهل البلد أن "مول الساعة
" المسيح الغريب لدى المسلمين، المنتظر منذ قرون سيخرج من "شراعة". لم يمكث المسافر في هذه القرية إلا أربعا وعشرين ساعة، توجه بعدها إلى "القلعة"، بلدة قريبة من السوق الواقعة على الحدود الفرنسية، قريبا جدا من وادي كيس .كان من حسن حظه أن استقبل كصديق من طرف قاضي" تريفة" السي عبد الرحمان، وعامله
معاملة حسنة.
"
تريفة" القبيلة البحرية الواقعة أقصى شرق الريف، ليس لها إلا حوالي عشرين كيلومترا من الطول ومن العرض. يحدها البحر الأبيض المتوسط من الشمال، وكبدانة من الغرب، وبني يزناسن من الجنوب، وإقليم وهران من الشرق. تتكون من خمسة قبائل: أولاد الحاج، وهوارة ،وأولاد الصغير ،وأولاد منصور، وبني منڴوش لكل من الأربعة الأوائل 1500 فارس، بينما لا تتوفر الأخيرة إلا على 50 فارسا.
تقع "تريفة" كلها على هضبة ، تنتج القمح والشعير بوفرة، تغذي قطعان الماعز والبقر والغنم والخيل والبغال. يبقى جزء كبير منها دون استغلال ، يغطيه السدر. نهر صغير واحد ،غير وادي كيس، بالكاد يمد هذه المنطقة الجافة بقليل من الماء، إنه وادي" شراعة" الذي يوجد نبعه عند بني يزناسن، والمعروف باسم واد بني وكلان.
أهل تريفة عرب رحل، يعيشون تحت الخيام ،ولا يخرجون عن حدود القبيلة. هذه القبيلة –كما يظهر- قد قسمت إلى جزأين بالحدود الوهرانية. أساس معيشتهم الكسكس والخبز "الفطير" مثل كبدانة. يستهلكون كثيرا من الشاي المفرط الحلاوة. حراثة الأرض تتم بالخيول بعد أول أمطار الخريف.
تمثل تريفة جزءا من مجموعة أنڴاد ، تتلقى اختراقات بني يزناسن  والمهايا على حدودها الجنوبية أما الجهة الشمالية فتقع تحت نفوذ قائد "سعيدة"*

قصبة "سعيدة " كما يدل على ذلك اسمها، عبارة عن حصن على البحر، عند مصب النهر الذي  يمثل الحدود مع المستعمرة الفرنسية. في زمن مرور محمد بن الطيب* بها ،كان هذا الحصن يأوي العديد من جند المشاة والخيالة. القائد البخاري العجوز كان هناك منذ عشرين سنة، بصفته باشا، يعيش حياة رتيبة في معقله المغلق، ليس له من فسحة إلا منظر الأراضي المستوية جنوبا ،والهضبة المنسكبة شمالا.
هناك سوقان في القبيلة :سوق الخميس وسوق الأحد.
الأول قريب من "شراعة"، يقام مرتين في الأسبوع ، الخميس والاثنين .والثاني كما يعني اسمه يقام يوم الأحد، خصص له مكان عند سافلة بلدة "القلعة"، قسم إلى شطرين بواسطة وادي كيس، نصف يقع في الأراضي المغربية ،والآخر في الأراضي الفرنسية. كان غريبا أن يرى الأهالي بأسلحتهم
في القسم الغربي، وعزلا في القسم الشرقي. من جهة أخرى، الحرية بلا حدود ،في غياب سلطة، يسود قانون الحق للأقوى، فوضى على الأرجح، لدى ملايين الناس لا يوحدهم إلا كونهم مسلمين .
في الجهة المقابلة، الحضارة الأوروبية ممثلة في سلطة فطنة، قوية، تساوي بين القوي والضعيف وبين الغني والفقير، تعمل على نشر الوئام بين أربعين مليونا من محكوميها، على اختلاف معتقداتهم بالفكر و بالإيمان  الجديد : إيمان الوطن الفرنسي.


تقع تريفة في أقصى شرق "ڴريت" ، منطقة فقيرة جافة، توفر في الشتاء وبداية الربيع مراعي جميلة ضرورية لقطعان مواشي القبائل المجاورة، هذه الأخيرة، ورغم تنافسيتها الضعيفة فإنها تغزو المراعي حاملة لأسلحتها ، مسوية  بالأرض، الأعشاب السامقة لتلك المراعي الجميلة، تلك المراعي التي لابد أن تزول مع بوادر الحر الأولى، ليصبح مكان الخضرة أرض جرداء، محفرة ولن تنبت شيئا طيلة ثمانية شهور ، من أبريل إلى نونبر. "الڴريت " كله جحيم تؤججه شمس محرقة.
يقال أن أهالي "تريفة " ليسوا كرماء ، لا يحبون الاستضافة، نساؤهم ذوات غنج، يخرجن بكامل حليهن، عاداتهن غير مشينة. الرجال يرتدون البرنس في الشتاء والحايك في الصيف، ينتعلون بلغات (ج بلغة) تجلب من تلمسان. نشاهد في الأسواق الرجال مسلحين، والنساء كاشفات ،الكل يهرول لقضاء مآربه، يتكلمون بصوت عال، يتنازعون، يتساومون الدواب والصوف والأقمشة.
بحكم القرب من التراب الفرنسي، فإن عملتنا تتداول أكثر من نظيرتيها الإسبانية والشريفة . جوارنا جعلها (العملة الفرنسية) تسعر بها كل منتجات القبيلة،  تصدر إلينا كل ما تستطيع: المواشي صغيرها وكبيرها، الأصواف، الزبدة ،والبيض.
يطلق أهل تريفة مرسى ملوية على الخليج المشكل عند مصب النهر الكبير، بين نقطتي رأس الماء والنتوء الصخري الواقع قليلا غرب قصبة سعيدة. مصب ملوية ربما صار يوما ميناء حربيا أو تجاريا جميلا.

أهم قرى تريفة
قصبة شراعة : تقع على الوادي الذي يحمل نفس الاسم، قرية صغيرة ،يقصدها الكثير من الزوار للتبرك بضريحي الوليين، سيدي ميمون وسيدي منصور. بيوت هشة واطئة، سيئة البناء.
قصبة هوارة: قلعة تأوي بعض الجنود المغاربة القابعين خلف الأسوار، تبدو مهجورة منذ سنين.
زرايب : خمسون منزلا صغيرا.
القلعة : قرية على الحدود الفرنسية ، بها ستة آلاف فارس، تعداد سكانها حوالي 30000 نسمة.
هضبة، بها مداشر هنا وهناك، الأمية تكاد تكون عامة.
--------------------------------------------------------
*
تريفة : تعني تلك التي تعيش في بحبوحة أو وفرة
*
زاوية سيدي رمضان ، تقع شرق سافلة جبال بني يزناسن ما بين أحفير وبركان.
*
سعيدة : هي المسماة حاليا السعيدية 
*
محمد بن الطيب هو الرحالة ،المغامر، الجزائري الأصل ، وقد استغرق ترحاله ومقامه في المغرب زهاء اثنتين وعشرين سنة. حين عاد إلى الجزائر روى شفويا ما عاشه طيلة تلك المدة على مسمع الكاتب. وتجدر الإشارة إلى تنويه الكاتب بذاكرة صاحبه في مقدمة الكتاب
.

                                       

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط هنا

 

.........................................

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

Compteur Global gratuit sans inscription