من ذاكرة أبركان                                                

 

سنيما الأندلس في زمن" مولاي احمد"
بقلم ذ. محمد ستي

 

سينما الأندلس التي كانت بدايتها موفقة لما كان يسيرها" مولاي احمد" رجل تعليم سابقا، عُرف بالحزم في إدارتها، و تطبيق القانون بصرامة على المخالفين لنظامها الداخلي، لقد أرسى ثقافة سينمائية بامتياز، لما كان اهتمامه ينصب في اختيار نوعية الأفلام المفيدة بدل الرديئة منها، كما تمكن من خلال تأثره بالتدريس، من إثارة روح التباري و التنافسية بين الجمهور، لما كان يُفاجئهم بين الفينة و الأخرى بأسئلة مبسطة في صلب أحداث الفيلم، في مقابل جائزة تشجيعية تكون من نصيب المتوفق في الإجابة، لقد عرف كيف يخلق الهدوء و الانضباط داخل القاعة، بطرد كل مشاغب توانى في غيه و لم يُنتصح، مما حمل الجميع على الانهماك في مجريات الأحداث التي يتضمنها الفيلم و استيعاب مضامينه، رغم التباين الثقافي بين مختلف المشاهدين، إلا أن استعادة أحداثه خارجا، و مناقشتها بتفاصيلها بين الأقران، من شأنها أن تبسط الغامض فيها، و تُزيل اللبس عنها، كما كان صارما في تنظيم عملية بيع التذاكر، بتقنين و ضبط عددها بالنسبة للذين يعيدون بيعها بربح مضاعف، للعشاق الذين يتفادون الازدحام، و التهافت من أجل الحصول على تذكرة، لكن إصراره على تنظيم الصفوف، و احترام الأدوار بتراتبية، مكنه من الصد للخروقات التي كان يحدثها الفتوات" الحكَارة"، الذين يحاولون خرق الصفوف بهنجعية و قوة، و افتعال فوضى عارمة لتشتيت المصطفين، و إخراجهم من الصف تحت التهديد، سلوكات عدوانية لم تكن ترُقْهُ و هو المحب للنظام، و احترام الغير الذي يستحق الاحترام، فلم يتردد لحظتها في طردهم من الصفوف، و حرمانهم من اقتناء نصيبهم من التذاكر التي كانت ستدر عليهم أرباحا، حتى صار الجميع ينضبط بمجرد أن يخالوه آت من بعيد، فلا يستطيع أحد أن يبدي حركة يُقصد بها الفوضى، أو ينبس بكلمة فيها تشجيع على تأجيجها، كانت الفرحة تغمرهم لما يغيب من أجل جلب أفلام جديدة، حيث تحدث" السِّيبَا"، و تعود العنترية إلى الواجهة، و القوي من يسيطر على كمية كبيرة من التذاكر بتهديد موظف الشباك، لكن بعودته يستخبر عما حدث في غيابه ليستحضر صرامته المعهودة، فيعمد إلى معاقبة المعتدين بعدم تمكينهم من حصصهم المعتادة، و إخراجهم من الصف، سعيا منه في إرساء نظام يعدل في توزيع التذاكر بين القوي و الضعيف، في التفاتة منه كانت تستدعي دائما حضوره لخلق الانضباط، لكن الفُتُوّات كانوا يتحايلون بتسخير شباب تحت التهديد، ليقتنوا لهم التذاكر مخافة الأذية، حتى يجتمع لديهم عدد لا يستهان به، فيبيعونها بأثمان مضاعفة، و إذا حدث كساد و بوار فإنهم يقومون بتصريفها بأبخس ثمن، و أحيانا لما تعرف الرحمة قلوبهم، فإنهم يتصدقون بها على أولئك المستضعفين المتجمهرين في الساحة المقابلة للسينما، التي تجمع شبابا لا يمتلكون فلسا في جيوبهم يسمح لهم بالدخول إلى السينما، للاستمتاع بمشاهدة فيلم راقهم من كثرة ما سمعوه عن أحداثه الشيقة، فتجدهم يتصيدون تلك الفرصة التي يحدث فيها بوار، ليقتنوها بأقل ثمنها أو تٌعطى لهم بالمجان، أما الأطفال الصغار فإن" مولاي احمد" يكون لهم بالمرصاد، يمنعهم من الدخول، و يحثهم على العودة إلى منازلهم، و تصفح كتبهم الدراسية بدل التسكع في الطرقات و المقاهي، قد يضطر أحيانا إلى تعنيفهم، و هو الرجل المتشبع بالتربية، ينقلها إلى حيث أتى، و يمارسها على من يحتاجها، يعشق النظام، و يكره" الحكَرة"، منذ تخليه عن إدارة السينما و هي في تأخر مستمر، حتى أضحت مطرحا للنفايات بعد تخريبها، و لم يبقى منها إلا الاسم على يافطة طالتها أيادي عابث.

                                                                                                                                                 محمد ستي

 

 

 

 

 

 

                                                                                           

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription