بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                المجال الاجتماعي                    

 

 

بقلم الأستاذ محمد ستي

 

تصادفنا أحيانا مواقف تستفز ذاكرتنا فتجعلنا نستعيد أشرطة تحكي عن ماض كنا أحد صانعيه ببراءة طفولتنا، فنستحضر منها ما كان موشوما في أعماقنا، من أطياف صور لحياة عشناها بكل تفاصيلها، حتى تركت بصماتها منقوشة في ذاكرتنا التي تأبى النسيان، و لم يكن من بد غير ترجمتها إلى حروف و كلمات تليق بها، و لعل ذلك يتطلب منا التغلغل أكثر في المخزون الوافر بذاكرتنا، لتستوقفنا فيه تلك الذكريات التي عشنا فصولها بالبيت الكبير الذي تشهد جدرانه على ما لم بينها من أفراد عائلة كانت تربطهم أواصر محبة صادقة، تقاسموها فيما بينهم بقلب نقي و غير متكدر، حتى أن ابتسامتهم لم تكن تفارق محياهم، ليوزعوها بين الكبير و الصغير، فالكل تغمره نشوة و رضا و هو يتوسط المجلس بين الأحباب في حضرة الجد الذي يسع قلبه الجميع، فتراه يحادث الكبار أحيانا و يلاعب الصغار أحيانا أخرى، و حتى إذا جنى الليل و انبعث السكون من ظلمته، افترشت النساء البيوت بما توفر من حصير و لحاف و غطاء صوفي يسمى" بورابح" و آخر يسمى" بوشراوط" يلتحفه الجميع، و يشتركون دفأه و هم على جنب بعضهم يتسامرون و يستمتعون بمستملحات يرويها أحدهم إلى أن تأخذهم غفوة النوم.

و نحن صغار إذ كنا نتسابق إلى من يتوسد فخد الجدة التي كانت تتحفنا بما لديها من أحاج(امقيدش، و ثامزا ووو) و ألغاز لا زالت عالقة في أذهاننا، و كان إذا استبد النوم بأحدنا جعلوا له مكانا بجانب الأطفال الذين صاروا نياما، و تستمر الجدة في سرد ما لديها في مخزونها من حكايات تمتع السمع و ترهف الحس لتفننها في طريقة الحكي، فنستمع إليها بشغف و نطالبها بالمزيد، و هي في ذلك غير متذمرة، بل تراها توزع حنانها بين أحفادها بكل رضا و أريحية، و يشاركها أحيانا بعض النسوة في تبادل الألغاز و البحث عن حلول لها، و نحن في غمرة هذا السجال إذ نتدافع حول من يأتيه الدور لينال شرف توسد فخد الجدة، لتهرش فرو رأسه بأناملها الحنونة و هي تردد ترانيم و أدعية، و إذا أطبق النوم جفوننا صرنا إلى أماكننا بين الأطفال نفترش فراشا و غطاء واحدا نتشاركه جميعا، و عند انبلاج الصبح نستفيق على رائحة الشاي المنعنع و الفطير المصنوع بالشعير" راخصاص" و كل ما جادت به البادية من منتوجاتها من عسل و سمن و حليب، أما الجدة بعد أن تنهي ما في عهدتها من أشغال تجدها تتسحب ألى غرفتنا، فتهمس في أذن هذا ثم تعاود الآخر إلى أن توقظنا جميعا لنشاركهم فطور الصباح، و لعل ما ميز ذلك التقاسم في كل خاصتنا ليشمل اشتراكنا لفراش و غطاء واحد، هو ذلك التلاحم الذي استشعرناه في طفولتنا فولد لدينا انسجاما و تلاقيا في المشاعر و الأفكار نتيجة ما تشربناه من تقاليد في بيت الأجداد، و إذ نتحدث عن هذا الماضي الجميل نتمنى أن يعاودنا ما افتقدناه فيه بفقدان من كان يلمنا في البيت الكبير الذي تحول إلى أطلال بتنا نتباكاه كلما تذكرنا أنه كان لنا فيه ذكريات خلت.

و تبقى الجدة مثالا للمرأة اليزناسنية التي أعطت الشيئ الكثير من أجل الابقاء على تلاحم أفراد عائلتها، و قد كانت العفوية و الطيبة و المحبة من السمات التي طبعت شخصيتها، فجعلتها قريبة من قلوب الجميع، و لها من العطف و الحنان ما كانت توزعه على الكبير و الصغير، حتى إذا صرت إليها و أنت في حالة من الضجر و التكدر بسبب تعقيدات الحياة، هونت عليك بكلمات تجعلك تنتشي نشاطا يغير من حالتك المكتئبة، أما إذا استشعر أحد أفرادها مرضا فإنها تستزيد من اهتمامها و عنايتها به، و لن يغمض لها جفن إلا إذا تحسنت حاله، و هي في كل هذا تقدم خدماتها بالبيت دون أن تشعر أحدا بانشغالها عنه، فمثل هذا النموذج للمرأة ذات القلب الكببر و العقل المدبر تحتاج منا كل التقدير و الاحترام، باعتبارها مدرسة فريدة منطلقها العفوية و الطيبة و المحبة الصادقة.

 

 

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط  هنا

.........................................

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription