بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                            المجال الاجتماعي                        

بقلم الأستاذ محمد ستي

 

عاش الناس في الماضي القريب على البساطة و القناعة و الايثار و تقبل الآخر و خدمته عند الحاجة، حيث كان الانسان يحتكم إلى إنسانيته ليقدم ما عنده من خدمات ينتفع بها الناس، على أن تتخذ نسقا آخر لتتطور من مبادرات فردية، إلى عمل جماعي من خلال تشكيل فريق تعاوني يقوم بمساعدة من يحتاج إلى دعم باعتماد مبدأ التناوب، و تشترك في هذا الفعل التضامني جميع الفئات العمرية من الأطفال و النساء و الرجال بكل تلقائية و دون تعويض، و ذلك بهدف إنهاء الأشغال في وقت قياسي وجيز، بغية التفرغ لمهام أخرى تكون لها صبغة اجتماعية أو غيرها، تدخل في إطار المنفعة العامة و الخاصة للأفراد أو الجماعة، و يبقى لهذا العمل التطوعي دلالات عميقة ذات بعد اجتماعي و اقتصادي، من حيث توفير الاكتفاء الذاتي من المنتوج المحلي، و نشر الحس التعاوني بين مكونات المجتمع العائلي و القبلي، و تعزيز الروابط بينها، بتفتيت الخلافات التي قد تنشب بينها في محاولة لرأب الصدع الذي قد ينتابها، ليحتكم الجميع إلى الجماعة التي يتصدرها (مقدم) محنك يتسم بالرصانة في تقديره للأشياء، و الرجاحة في تمييزه لمشورة الجماعة قبل إبداء الحكم، كما كانت فرصة للتقارب بين الشباب و تزويجهم حسب المتعارف بينهم، و هذا النظام التكافلي و التعاوني هو ما سمي في الاصطلاح الشعبي ب: "التويزة" و هي موروث ثقافي أمازيغي، ارتبط أساسا بالعمل الفلاحي ليتعداه أحيانا إلى أشغال البناء و جني الزيتون، و غيرها من الأعمال التي تحتاج إلى تكتل جماعي، يستوجب التخطيط و التدبير المحكم، من قبيل توزيع الأدوار و استحضار وسائل العمل و الاتفاق على كيفية أداءه، و نحن أطفال صغار كنا نتوق إلى تلك المواسم و المناسبات التي يلتم فيها الجميع لممارسة طقوس التويزة، و قد كان لنا فيها دور يقتصر على جمع بقايا الحبوب، التي كانت تجد لدينا ترحابا بهذه المهمة، لأنها تجعلنا قريبين من جماعة الكبار، الذين كان يلفهم جو من التسامر و الحكي عن مغامراتهم و سفرياتهم، الممتزج بأسلوب فكاهي مرح يضفي الحيوية على الجميع و يدب فيهم حركة تعينهم على استكمال الأشغال دون شعور بالملل، و في غمرة احتكاكنا بالكبار و نحن نسترق السمع إلى حكاياتهم الفكاهية، كنا نقوم بحركات استفزازية للنساء و هن منهمكات في وظيفتهن، و ذلك بسرقة حاجياتهن من باب الدعابة و الاثارة أو إتلاف ما أنجزن، فكن يقابلن تصرفاتنا الصبيانية بابتسامة ورضى خاليان من أي أسلوب تعنيفي، فيستمررن في أشغالهن بكل مرح وهن يرددن أغاني تحفيزية و معبرة، ليرد عليهن الرجال بالمثل، فتشعر و أنت تراقب هذه الطقوس بعين طفل صغير أنك في عرس، لما كان يسود من أجواء المرح و الفكاهة اللتان تحسانك بالزهو و النخوة اللتين تستبدان بالنفوس لتهيم بالعقول إلى نسج أغاني و ترانيم نابعة من خيال واسع، و يستمر الحال بهذه الوتيرة ليأخذ منعطفا آخر حين يستدير الجميع على مائدة الطعام مفترشين الأرض دون تذمر أو انزعاج، مستقبلين ما يقدم لهم برضى و قناعة، و هم منشغلين بسد رمقهم إذ يتجاذبون أطراف الحديث حول من سيشمله الدور، فيخططون و يوزعون المهام من جديد، دون إغفال لمشاركة النساء في المشورة، و بعد أخذهم قسطا من الراحة يعاودون الأشغال، إلى أن يأتي المساء فيفترق الجميع و هم في نشوة أغنتهم عما عانوه من الكد و التعب، و لكن ماذا عن اليوم؟

لقد بدأت الطقوس الجميلة التي أحبها و حن إليها من عاش فصولها، تندثر و تتقلص لتقتصر على أفراد العائلة في تنظيم الولائم و المآتم، ليتم فيما بعد إسناد هذه المهمة لمنظم الحفلات الذي يقوم بكل المستلزمات و التدابير اللازمة لإحياء المناسبة المطلوبة، في غياب تدخل أطراف من العائلة أو الجيران الذي اقتصر حضورهم على التصرف كمدعوين فقط و ليس إلا، و هو الأمر الذي أفقد الكثير من تلك اللسمات و الطقوس المتعلقة بنظام التويزة، و على نفس النهج و بطرق مختلفة يتم فيها تدبير المجال الفلاحي، حيث بات يعتمد تكنولوجيا متطورة، تيسر الأشغال و تنجزها في زمن وجيز و بأريحية، استحسنها الناس لأفضالها عليهم، و لكنهم في مقابل ذلك فقد فقدوا التلاحم الذي كان يشدهم إلى بعض، و الشعور بالانتشاء و هم يرددون أغاني محلية تحمسهم و تستزيد من رغبتهم في التواجد وسط الجماعة بكل همة و نشاط، كما فقدوا تلك الجلسة التي تأتي بعد عمل مضن يتجاذبون خلالها أطراف الحديث حول مغامراتهم و سفرياتهم، و تلك اللمة حول الغذاء عندما يستبد بهم الجوع، فيخططون خلالها لمشاريع يستفيد منها أهل القبيلة، فيقدمون تصوراتهم عن كيفية إنجازها و هكذا، ولما صارت الأشغال تنجز بمقابل، ضاعت طقوس التويزة و ما تحمله من معاني و دلالات كانت تسمو بدرجة الانسان ليدرك قمة ما بداخله من مشاعر و طاقات يوظفها لخدمة من حوله، أليس حري بنا أن نحافظ على ما تعلمناه من طقوس رغم تأثيرات التكنولوجيا و متطلبات الحياة، التي استدعت منا التخلي على نظام التويزة بطواعية و نحن عاجزون عن الابقاء عليه? ألم يكن فينا من يدعو إلى استحضاره بين الفينة و الأخرى قصد إنباته و التشبث بطقوسه، و نحن في حاجة إلى من يعيدنا إلى زمن التكتل و التعاون? إنها دواعي تستدعي الوقوف عندها لأجل شيئ نحن نستحبه و نريده أن ينتشر بيننا.

 

اتويزة : ....." ضريب اتبن " نموذجا
 
" اتويزة " :- عمل تطوعي مجاني جماعي , يهدف الى التكافل والتعاضد لتحقيق هدف نبيل من اجل مصلحة فرد اوجماعة : كشق طريق او حفر بئر او بناء مسجد الخ....
وتويزة " اضريب اتبن " عادة كانت متجدرة عند اليزناسنيين , حيث يعهد برئاسة بناء النادر الى خبير , يسمى " الرايس " الدي يشرف على عملية بناء النادر ( عربي او فرنسي ) بقصبته التي يحك بها التبن لاعطاء الشكل المرغوب . بينما يتكفل باقي اعضاء المجموعة بمد الرايس بالتبن او الاحجار والضفائر ....وعند انتهاء بنا ء النادر, يجتمع التوازة عند صاحب النادر الدي يولمهم وجبة عشاء من لحم " السوق " او ارنب او دجاج او غيره ....وحاليا , نادرا ما نسمع عن " اتويزة "...فكل شيء صار بالمقابل : - ( خلص تاكل .....خلص تبات ) ....!

 

صورة وتعليق الأستاذ الناصري

 

 

 

 

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط  هنا

.........................................

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription