المجال الاجتماعي

الصف

للدكتور الباحث عزالدين بدري

 

"الصف" اسم يطلق على فرجة شعبية غنائية عرفتها مدينة بركان، و قبائل بين يزناسن منذ القديم في جبالها العامرة، يسمي هذا النوع من اللعب الغنائي الاحتفالي : " تشراب " وهناك من يسميه "حيدوس" إلا أن الأغلبية تعرفه باسم :"الصف"

يطلق الصف على جماعة الرجال، وعلى جماعة النساء، وعلى جماعة الرجالا والنساء المختلطة شريطة أن تكون بينهم آصرة قرابة ودم .

الصف في الحقيقة فرجة تتكون من صفين وليس من صف واحد، فرجة تؤديها النساء خلال الاحتفالات العائلية والقبلية ومنها :الأعراس والختان والعقيقية وال"وعدات ".

لا يسير الصف ولا ينتظم ولا ينقسم ولا يتقدم خطوة إلى الأمام ولا يتراجع خطوة إلى الوراء بدون بندير، فالبدير هو ركيزة الصف الأولى، والغناء هو ركيزته الثانية، هذا في الصف المرتبط بالاحتفالات السعيدة، أما في الصف المرتبط بالحضرة الصوفية فأحيانا تكون الآلة الوترية ضرورية لتنظيم الإيقاع وتتمثل في طبل كبير أو صغير يعوض البندير وينظم الإيقاع، وأحيانا يكون الصف في غنى عن الطبل الكبير والطبل الصغير، فتكتفي المصطفات والمصطفون بالبندير،وأحيانا يكتف المصطفون والمصطفات بالاهتزاز والذكر والتصفيق والحمدلة والتكبير لتحقيق الانتظام والانسجام.

في فرجة الصف المرتبطة بمتاع الدنيا وباللهو والأفراح التي تؤديها النساء- وهو غرضنا في هذه الجدارية - يلتقي صفان متوازيان كل صف مكون من ثلاثة نساء فما فوق ، وقد يصل الصف عندهن إلى ما يزيد عن العشرين وعن الثلاثين امرأة خلال الاحتفالات العائلية الكبيرة التي يسودها الحماس واستذكار مفاخر ومثالب القبائل الزناسنية ، و خلال الاحتفالات التي تتحكم فيها نعرات القبيلة، و خلال كذلك رقصات الصف التي تكون في "الوعدات"(هذه العادة انقرضت منذ ثلاثة عقود الأخيرة)  .

كلما كبر عدد المصطفات كبر عند المحتفلات المتفرجات و ومعهن المتفرجون الشعور بالذود عن تاريخ القبيلة وعن الأموات الراحلون عنها الذين هم أهل للمجد والمفخرة .

يترسخ من خلال رقصات الصف التذكير بفواجع الماضي ومآسيه ، وتتحمس النساء كذلك عبر نوافذه لتبيان معالم الوفاء والإلتزام الأخلاقي والعاطفي والوجداني اتجاه العادات و التقليد والأعراف التي هي كنوز القبيلة ، و يتنوع الإغتراف من الأنثروبوجيا (علم الإناسة ) الموغلة في الأزمنة السحيقة الزناسنية لينبثق في صور شعرية ساحرة.

كل هذه المواضيع الحاضرة في رقص وغناء الصف تزيد الفرجة وهجا وجاذبية وترقبا لما تجود به من أشعار ولما تؤديه من حركات إيمائية جميلة ومؤثرة.

يتوسط كل صف امرأة تحمل البندير، و يمكن لكل النساء أن يحملن البندير، فلا مانع في ذلك، لكن شريطة أن يتبعن "الزراعة " وهي تلك المرأة "المايسترو" التي تقوم بالإنشاد وتكون ملمة بمعلومات واسعة تنتهل من الثقافة العربية الإسلامية ومن الثقافة الأمازيغية التي "لها تقاليد شفوية عريقة" (محمد أوسوس/ كوكرا في الميثولوجيا الأمازيغية) ف"الزراعة" امرأة لها القدرة على الحكي بواسطة الغناء، ولها قدرة على رد الفعل الفوري إجابة على أي كلام واضح أو تلميح شعري- فيه انزياحات وكنايات ورموز- يمس حسب ونسب وشرف القبيلة، ولها قدرة على إتقان المهمة الدبلوماسية بالتعبير السياسي العصري ، فأي رد من "الزراعة قد لا يأخذ بمعاني الدبلوماسية الناجحة قد يفسد فرجة الصف ،ويفسد الاحتفال بجمعه، وقد يتسبب في العراك والقتال بين القبائل التي بينها عداوة خامدة.هذه العداوة التي قد يؤججها بيت شعري واحد نطقت به "الزراعة" وردده صفها.

في كل صف من الصفين المتقابلين "زراعة " تتميز بالذكاء والعلم والمعرفة والبديهة، وهي المخولة بالرد على ما تسمعه من كلام وأشعار تقولها "زراعة" الصف المقابل لصفها، ف"الزرعتان" هما رئيستا الصفان ولا تتدخل أي واحدة لمساعداتهما إلا في حالة عجز إحداهما عن إيجاد الجواب المناسب على بيت أنشد وكان حاملا لدلالات رمزية معقدة.

بين عملية زرع البدور التي يقوم بها الزراع في الحقل و رقصة الصف تشابه في المخيال الشعبي، لهذا سميت المغنية التي تتوسط الصف ب "الزراعة "، فنثرها للشعر شبيه بنثر الزراع للبدور ، هذا التشابه رمزي ودلالي وانزياحي ، فكما تتحول البذرة إلى شجرة والى غابة ، وكما تتحول الحبة إلى سنبلة والى حقل، كذلك يتحول البيت الشعري الحامل لمقصدية مرموزة واضحة إلى حرب مدمرة بين القبائل، ألم يشهد التاريخ الإنساني كثيرا من الوقائع الدموية التراجيدية بسبب قول بيت شعر، ألم يحذر القرآن الكريم من خطورة الشعراء الزائغين ،ألم تحتفل القبائل العربية بالصبي الذي تظهر فيه علامات التفوق الشعري ، هذا من جهة ،ومن جهة أخرى يمكن لبيت شعري تغنيه "الزراعة " أن يحتم على السواعد أن تدثر السيوف في الأغماد، وعلى حبة البارود أن تبقى في ظلمة "الكموسة"

 

إن الأبيات الشعرية التي تقولها المغنية التي تسمى الزراعة رغم قصرها هي تختزل في ثناياها كلاما قد تكون له عواقب وخيمة جدا، وكلاما يلعب دور المفاتيح التي تحل كثير من القضايا العالقة بين القبائل، وقد تؤجل الخصومات بين القبائل، وهذا ما يجعل فرجة الصف فرجة مثيرة ومهمة وتحضي بمتابعة متأنية وفاحصة .

تقوم "الزراعة" من داخل "الصف" بتردين مجموعة من الأشعار المختلفة، كأن تمدح العروس في العرس وتصف جمالها وبياض سنانها وسواد شعرها وجمال قدها فتردد النساء اللواتي هن في فريقها و"صفها" ما زرع من كلام شعري عاطفي ارتبط بالمدح والافتخار، ثم يسكتن إصغاء لأشعار"الزراعة" الثانية في "الصف" المقابل لهن وهي تردد أبيات ترتبط بامتداح خصال العريس والافتخار برجولته وشجاعته وكرمه ، ثم تكرر النساء الموجودات في صفها شعرها ، وفي هذا النوع من فرجة الصف تسعى قريبات العروس لإثبات جدارتهن وموهبتهن ودرايتهن في تقاليد الصف وأساليبه خصوصا حين يكن في بيت ضيافة العريس، كما تسعى قريبات العريس أيضا نحو تأكيد تفوقهن وقوة حفظهن للأشعار، وهذا التنافس بين الصفين وبين العائلتين وبين العائلات والبطون والمداشر يقوي درامية الفرجة ويشد المتفرجات والمتفرجين إلى ترقب ذروتها.

تجري الفرجة صف حسب قواعد زمنية مضبوطة يحترمها كل طرف من مكون الصفين، فمدة تريد الأشعار تقسم بالتساوي بين الصفين، وفي حالة عجز أحد الصفين عن إيجاد جواب على بيت شعري قاله الصف المقابل له يستأنف نفس الصف الغناء وقول الأشعار مستفيدا من المدة الزمنية المخصصة للصف المقابل له.

إن الغناء الشعبي الذي يذكر بخصال العروسين في غالبه محفوظ ومعروف وقد يكرره كذلك الجالسون والجالسات والمستمتعات المستمتعون برقصات الصف، لكن عندما تتحول رقصات الصف وغناءه إلى وسيلة من وسائل الدفاع عن الأنساب والأحساب، وسيلة من وسائل الهجوم والهجاء المقنع ، و كلام مرموز لا يمكن تجريده من توريته وانزياحاته وكنايته وتشابهه البليغة التي لها دلالات هجومية مؤلمة ، فإن الصراع الدرامي في هذه الفرجة الغنائية يبلغ الذروة، وينجح في شد المتفرجين والمتفرجات والراصدات و الراصدين الذين لهم دراية بالمعاني وبالتلميحات التي تنشد أثناء فرجة الصف .

إن براعة كل "زراعة" وقدرتها على الرد بالأسلوب المؤدب ولكنه مؤلم ودبلوماسي ويصيب في مقتل يساهم في استمرارية الفرجة،وفي تنمية رصيدها الدامي، ويشد كل المتتبعون والمتتبعات الذين يترقبون منْ منَ الصفين سوف ينهزم أمام قوة ودراية وبراعة الصف المقابل له.

"زراعة الصف " الزناسنية ليست البطلة الوحيدة التي تقود الدراما الغنائية وتنوع تحولاتها وتتحكم في ضبط حركات الراقصات، بل كل النساء معها في الصف يتعاون معها من أجل إلحاق الهزيمة المعنوية بالصف المقابل لهن، ولكن يبقى ل "لزراعة الصف " دور القيادة.

يتغير الإيقاع الغنائي والإيقاع الموسيقي والإيقاع المرتبط بالجمهور المتفرج عندما يتناول الصف القضايا الحساسة التي لها ارتباط بنعرات الماضي وبالصراع الموجود بين العائلات الكبيرة ذات النفوذ القبلي لا سيما عندما تستمد الزراعة الجرأة للكلام بأسلوب مرموز ومشفر عن الأعمال المشينة والقبيحة التي لها علاقة بالشرف والنسب وبالحسب والعار والثأر.

إن الجمهور المتتبع وليس المتفرج على فرجة الصف، هو جمهور عضوي وغير عادي ، بل هو من نوع جمهور النخبة ،وأحيانا يصبح من جمهور نخبة النخبة ، خصوصا إذا كانت "الزراعة" التي تلقي الشعر لها دراية ولها علم وممارسة ودربة في مجال هذا الفن الفرجوي الشعبي القديم الذي يمتح من مختلف المرجعيات القبائلية الزناسنية ، فالحوار بين الصفين المتقابلين هو حوار فني شعري انزياحي لا يقبل الكلام العادي السطحي ولا الكلام اليومي المتداول إلا في القضايا المرتبطة بالغزل العذري وبالتغني بالجمال والحسن والكمال الذي يتمتع به العروسين وبالقضايا الاجتماعية التي هي في متناول جميع الناس، وعلى العكس هو يتعمق في الكلام المملوء بالألغاز والغموض وليس الإبهام ، والكلام الذي يقود إلى إحالات لها معاني واضحة ولها شواهد تاريخية وقصص تاريخية تؤكدها عندما يتعلق الأمر بالقضايا المؤججة للصراعات والفتن وما أكثرها بين القبائل والعائلات والأسر.

رقصة الصف رقصة فرجوية تمثيلية لا تكتفي بالإنشاد والغناء و الرقص والضرب على البنادير، بل لها مكونات جمالية إضافية ترتبط باللباس ومستلزماته وبالمكياج الطبيعي التي تتزين به المرأة التي تشارك في الصف ، ومن الأشياء المستحبة في رقصة وغناء الصف أن تكون المرأة لابسة لبلوزة تقليدية وأن يكون رأسها مغطى بمنديل مزركش ولا يشترط اللون الموحد في رقصات الصف، ويستحب أن يكون في الصف اللون الأبيض هو المهيمن على اللباس ،كما يستحب أن تكون المغنيات متمتعات براحتهن الجسدية والنفسية حين يؤدين أغاني الصف ، فمن الضروريات الأساسية أن تكون الأرض مفروشة ، وأن تكون السماء مظللة ،وأن يكون إناء الماء وطبق العسل على الطاولة ،لأن ذلك يرفع من القيمة المعنوية للمصطفات في الصف ،كما أن طلقات البنادق التي تصاحب غناء النساء المصطفات المغنيات الراقصات لها دورها في تحفيزهن على تناول مواضيع ترتبط بالفروسية والشجاعة فلا يكتفين فقط بمواضيع الغزل.

للأسف الشديد أن أكثر من خمسة آلاف بيت ويزيد من هذا التراث الشعبي المنطوق بالأمازيغية وبالدارجة العربية معرض للضياع بفعل النسيان، وللأسف الشديد أن كل أنواع الملابس القديمة التي كانت ترتديها المرأة الزناسنية ، والمرأة البركانية وهي تغني وتؤدي رقصة الصف ضاعت فصالتها وزووقها ، فلا يجود متحف واحد بمدينة بركان يعتني بالزي زناسني النسائي وبالذاكرة الشعبية وبمكوناتها الحضارية والثقافية .

إن النظرة الاحتقارية لثقافة الصف ولغيره من الفرج الشعبية لا تزال مستمرة ، و اللامبالاة اتجاه هذا الموروث للامادي لا تزال مستمرة ، فلا أحد منذ أكثر من عقدين أصغى الإصغاء العلمي لما كان يردده الدكتور مصطفى رمضاني أستاذي وشيخي أطال الله عمره وحفظ صحته غيرة على الأطروبولوجيا و الموروث الثقافي الشعبي بمدينة بركان و بجبال بني يزناسن.

تقبلوا مني ساداتي هذه الجدارية وأرجوا أن أنال تنويهاتكم وملاحظاتكم وتشجيعاتكم،إن احترامي لكم ولثقافتكم ولغيرتكم هو الذي يدفعني إلى هذا الاجتهاد، والله المعين


 

                                        

 

 

لإضافة تعليق المرجو الضغط هنا

 

.........................................

 

محمد البقالي :

هل لا زال بالإمكان رؤية مثل هده الفرق الفلكلوية وبزيها وطابعها التقليدي إن كان ذلك سيكون أكثر من رائع. في كبداية التفكير في التحضير لتنظيم مهرجان يربط الماضي بالحاضر ويطلع الأجيال الحالية على تاريخ أجدادهم بعيدا عن الأفكار الشوفينية للبعض الذي يرى في دلك مضيعة للوقت والمال.

ادريس زركيط :

اشكرك جزيل الشكر أخي الكريم على التفاتاتك من حين لآخر للمروث اليزناسني الدافئ. .وكما اشكر أيضا وأبارك التفاتات رحالة بني يزناسن إلى هذا الكنز الثمين بنشر صور لمداشير ودواوير بني يزناسن ...

 :ادريس حبنون

فقط التشراب أو اشربن داخل الصف يكون خاص بالنساء فقط أما حيدوس فهو مختلط بين النساء والرجال داخل صفين متقابلين كما أن الإيقاعات والغناء تختلف حيث أن التشراب يتناول موضوعات عامة أما حيدوس فيتضمن فقط الكلمات الدالة على الغزل ... والله اعلم

تحياتي

عزالدين بدري :

إضافة مهمة من رجل فنان يعرف الموسيقى ثقافة وممارسة شكرا لك خويا دريس

 

عبدالقادر الإدريس :

الصف كان موجودا عند كل قبائل الجهة الشرقية عايشنا امهاتنا وهن يقمن بترديد امداح بصوت جماعي في مناسبات اعياد المولد النبوي وفي الاعراس والختان الخ ...ومن الذكريات الجميلة التي اسجلها عن هذا النوع وانا صغير اتابع هذه الطقوس .صادف ان كان كل من في صفوف الأمداح والبندير عربيات يؤدون أمداحهن النبوية . وهن على حالهن مواصلين ما هم عليه قامت سيدة من بينهن وهي يزناسنية وأدت لوحدها أمداحها باللهجة الامازيغية الشلحة حتى أشبعت ما بداخلها .. وأثارت الجميع وكثرت الابتسامات .وبقيت ذكرى هذه السيدة الفقيرة فاطنة رحمها الله عالقة في ذهني حتى اليوم ما احلى ذكريات ايام زمن الصف النسائي في كل جهات الجهة الشرقية ....

مصطفى الهامل :

شكرا السي عزالدين على هذه المواضيع، للمزيد منها، تحياتي الحارة.

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription