المجال الاجتماعي                          

 

تاغونجا

 

للدكتور الباحث  بدري عزالدين

نشر هذا الموضوع بتاريخ 11 أكتوبر 2017

 

ملاحظة : معذرة.. هذه الجدارية طويلة هي للمهتمين بثقافة وأنطروبولوجيا بني يزناسن جزء لا يتجزء من الثقافة المغربية المتنوعة والغنية أحاول أن أساهم في التعريف بهذه الأطروبولوجيا المحلية والإقليمية قدر استطاعتي والله المعين .

تاغونجا

"تاغونجا" ظاهرة مختفية الآن ، هي فرجة شعبية معروفة بمدينة بركان تظهر وتختفي استجابة لعوامل المناخ ، فكلما كان الغيث منهمر والزرع وافر اختفت الدمية و تأجل حضورها وسط الناس ، وكلما كان القحط والجفاف حضرت الدمية حضورا متميزا بالحيوية . تحمل الأيادي "تاغونجا" و تعبر بها الدروب في الدواوير والفجاج في المداشر.

لهذه الدمية العجيبة علاقة بمفاهيم غامضة ودلالات أسطورية موغلة في القدم، ولها ارتباط بمعاني الخوف والتوجس والقلق الوجودي والفرح الذي له مهماز وصل بالأمل . وكل هذه العلاقات تظهر في الممارسات والأفعال التي تحضر في هذه الظاهرة ومنها :إرسال المناجاة و طلب الدعاء والاستنجاد والرقص والغناء.

لا تخلو تاغونجا بمنطقة بني يزناسن من روح وثنية تعود إلى غابر الأزمنة ،فهي - وإن غابت أمامها الإبتهالات والأدعية البشرية المعبرة عن الخضوع للوثن - من حيث الشكل والشعيرة والطقس شبيه بالألهة التي تتوسط بين الإنسان والخالق ، هي وثن ميت و صامت وجامد ولا يملك أي إحساس ولا أي مقوم من مقومات الإصغاء ولا أي قداسة ، هي وثن الإحتفال التراجيدي الذي يطلب استمرارية العيش والحياة .

 

"تاغونجا" في الموروث الزناسني هي الملعقة الكبيرة المزينة بالحبق وشعرالذرة و هي المكسوة بلباس نسائي ،وهي أيضا"الطراح ( أداة يستعملها الخباز لوضع الخبز في الفرن ) المنتصب والمزين بمنديل نسائي مشدود على رأسه ومزين بالنعناع والأقراط.

"تاغونجا" مجسم عجيب ليس له أية ملامح محددة: فلا عينين ولا شفتين ولا شعر فاتن ولا أصابع ولا أقدام ولا هيكل جسدي بتضاريس بارزة وكل ملمح يظهر أم مفاتن تبرز هي بفعل مكياج الفحم وفصالة اللباس وطريقة تثبيته فوق الهيكل.

لا يعرف متى مورست لأول مرة هذه الشعيرة الفرجوية الكرنفالية عند بني يزناسن، ولا يعرف من هي القبيلة الأولى التي مارستها، وليس هناك معلومات دامغة تبين كيفية انتقال هذه العادة الفرجوية من طابعها الوثني الأسطوري إلى صورتها المهجنة الجامعة بين المعتقد الوثني البدائي والثقافة الإسلامية، وليس هناك أي اثباتات علمية تحظى بالإجماع تؤكد ارتباط هذه الظاهرة الفرجوية الدينية بعبادات قديمة عرفها البربر في شمال افريقيا، علما أن الانسان البربري صنع "دمى للسحر صورها بشرية خالصة "( تاريخ افريقيا الشمالية شارل اندري جوليان تعريب محمد مزالي البشير بن سلامة دار التونسية للنشر -1983 الطبعة الرابعة الصفحة :77(

ما هو متداول أن مدينة بركان عرفت تاغونجا منذ العشرينات، وهذه المعرفة كانت متوارثة منذ القديم.

مع نزول القبائل الزناسنية إلي المدينة نزلت فرجة تاغونجا كذلك إليها وهذا يعني أن الفرجة قديمة الأصل مسبوقة التداول بين ساكنة الجبال الزناسنية.

لم يكن أحد يتجرأ على القيام بهذه الفرجة خلال فترة العشرينات والثلاثينات حسب ما سمعت وكان الاستعمار يشجع على القيام بها وبالفرج الشعبية المشابهة لها كفرجة "سونا" وربما مرد ذلك إلى الانتشار الواسع للثقافة الإسلامية وإمساكها بزمام المبادرة في المجالات التي لها علاقة بالقضايا الدينية وحضورها التوعوي رغما عن نسبة الجهل المرتفعة في القضايا المرتبطة بالقضاء والقدر.

تحتوي فرجة "تاغونجا" على أغاني وأدعية ترتبط بالخالق الله وهي لا تحيد عن التوجه إليه بالدعاء والصلاة ضاربة كل مقاربة تسعى إلى ربطها بابتهالات وثنية قديمة تريد ان تربطها بآلهة الماء (انظر كتاب موسوعة الفلكلور والاساطير العربية شوقي عبد الحكيم مطبعة أطلس الصفحة :602 حيث الكلام عن آلهة الماء،) وباحتفالاتها وبالقرابين المقدمة لها،فعلا "كثيرا ما كانت تقدم لها ذبائح الاستسقاء" ( علي عقلة سرحان الظواهر المسرحية عند العرب الطبعة: الثالثة 1985-منشورات اتحاد كتاب العرب الصفحة :49(

فرجة تاغونجا كما عرفتها مدينة بركان عبارة عن دمية مصنوعة من ملعقة خشبية كبيرة وملعقتين خشبيتين صغيرتين يتم جمعهما وربطهما على الملعقة الكبيرة على شكل صليب له يدين مجموعتين ، يتم إكساء هذا الهيكل العظمي الخشبي بلباس أنثوي قديم ورث،وأحيانا يتم اكساء الهيكل بالملابس الغالية الثمن خصوصا حين يكون من بين القائمين بفرجة "تاغونجا" شباب وشبات ونساء متقدمات في العمر، وتكون في مقدمتهن إمرأه حامل، ويكون المشرف على الحفل فلاح من ملاَّكي الضيعات الكبيرة وليس الأطفال اليافعين فقط وأحيانا "يستحب إكساؤها بقفطان امرأة صالحة معروفة بسخائها "( الإيروس المقدس الزهرة إبراهيم - الصفحة 251) بالإضافة إلى اللباس الذي يغطي الهيكل، تزين "تاغونجا" بالمناديل الغالية الثمن و بالنعناع والحبق والزهور و تعقد هذه النباتات العطرية بحزام ملفت للانتباه فوق رأس الدمية.

في بعض الفرجات يبني هيكل تاغونجا بقصب الخيزران، وفي بعض الفرجات تستعمل القائمات على الفرجة "الطراح" -كما سبق الذكر - ويضفن الى "الطراح " عمودا يلعب دور الساعدين ويقمن بإلباس الهيكل بالملابس النسوية، وكل هذه الاجتهادات المرتبطة بتصميم شكل الدمية تخضع لاجتهادات شخصية تستمد تصاميمها من الأشكال المتوارثة التي ترثها حفيدة عن جدة.

تقوم النساء والأطفال بالجولات على المنازل والمرور على المساجد والتوجه إلى الأضرحة من أجل شحن الكرنفال بروح لها القوة، ولها التأثير على السماء التي يرجو منها السائرات أن تجود عليهن بالمطر، فهن يتوجهن إلى الله بالدعاء والرجاء والغناء:

أ نوء صبِّيْصبي ......والليلةْ عندْ ربٍّي

أسبولةْعطشنى.... غيثْها أمولانا.

تقوم النساء بطلب النقود والدجاج والخبز والدقيق والعسل والبيض، و يلجأن إلى فلاح ذو دخل عال ويطلبن منه شاة من أجل إعداد صدقة يجتمع حولها الفقراء وسكان الحي والمساكين،ويكون الهدف من وراء هذه الصدقة هو رفع أكف الضراعة وتوسل الله عز وجل، من أجل أن يرحم عباده وبهائمه والأرض الميتة.

لا تخلو فرجة "تاغونجا" من مظاهر الاحتفال الذي يحاول التخفيف من حدة الخوف الوجودي الذي تستشعره الجماعة التي تقوم بالفرجة والذي تحمله في دواخلها، فالقحط والجوع كفر وبلاء يتطلب الأناة التي لا يقوى عليها سوى عباد الرحمان.

فرجة تاغونجا فيها غناء وأهازيج وضرب على البنادروعلى الدربكات وعلى الصحون، كما تكثر فيها الزغاريد ويعلو فيها التصفيق وأحيانا الرقص، كما أن المتفرجون والمتفرجات يشاركون في مظاهر الاحتفال برش المتجولات المحتفلات بالماء من فوق السطوح، و يصلين من أجل زواج الشبات المشاركات في فرجة تاغونجا برجال في المستوى إن أكثرية الفتيات المشاركات في الفرجة يعتقدن بهذا الفال الأسطوري .وكثيرات من لفتيات اللواتي وصلن سن الزواج يتزين أثناء أداء طقس تاغونجا مما يضيف إلى الفرجة عناصر الإغراء والجاذبية والجمال.

إن مظاهر الاحتفال في فرجة تاغونجا بمدينة بركان ،وبجغرافيا بني يزناسن قبل بناء مدينة بركان ، ربما تكون لها علاقة بالأسطورة الضاربة في القدم التي تتحدث عن تلك الفتاة التي عشقها ملك المطر وطلبها لنفسه، ولكنها خافت من أقاويل الناس، ولم تلب له طلبه ، فغضب منها ملك المطر، وأدار خاتم أصبعه فجف النهر الفضي حيث كانت تستحم، وأمام هذا التحول الخطير، خلعت الفتاة الجميلة لباسها الحريري المتلألئ و وقفت وسط النهر الجاف وظلت تناجي "أنزار: ملك المطر إلى أن عاد من السماء فضمها إليه، فعاد النهر إلى سابق عهده في الجريان، واخضرت الأرض ( طقوس الاستمطار الامازيغية (البربرية) وأساطيرها بشمال إفريقيا محمد اوسوس مجلية الثقافة العربية العدد :14 نفسه(

لم تجسد ولو مرة - وهذا استنتاج حصلت عليه من جميع الأسئلة التي طرحتها في كثير من الدواوير المحيطة بمدينة بركان وعلى كثير من المستجوبات بمدينة بركان "تاغونجا"على شكل فتاة جميلة ، و هذا التصرف من قبل المحتفلات ربما له علاقة بالأسطورة السالفة الذكر ، والتي تحدثت عن غياب الفتاة الجميلة عند النهر بعد أن أخدها أنزار ملك المطر، أمام هذا الغياب هل يمكن اعتبار المجسم الخشبي المكسو بالملابس الممزقة، وأحيانا المكسو بالملابس الزاهية والمتلألئة والمصحوبة بأدوات الزينة الذهبية رمزا لها ؟

في فرجة تاغونجا بمدينة بركان ومحيطها وظفت الملابس بالية والملابس الجميلة والجديدة وفي كلتا الحالتين ربما كانت تلك الملابس ترمز للفتاة الجميلة الغائبة التي قدمت نفسها قربانا لملك المطر انزار ، لقد خلعتها قبل غيابها الأبدي ووقفت على ضفة النهر الجاف تناجي "أنزار" الغائب والغاضب وتتوسله بالرجوع إليها، لقد عاد أنزار ملك المطر وأخذها إلى السماء وهي عارية، وترك ملابسها على الأرض ملقاة حجة على افتدائها الآخرين.

لقد عاد النهر إلى الجريان، ولكن الفتاة الجميلة لم تعد إلى الأرض، لقد افتدت قبيلتها والبشرية جمعاء من خطر العطش وتبعاته وذلك حين قررت أن تقدم نفسها قربانا بإرادتها، بليت الملابس على جانب النهر ولم تعد الفتاة .

أمام هذا المعطى الميثولوجي المرتبط بغياب الفتاة الجميلة وبقاء ملابسها على طرف الوادي ستختلف المحتفلات في طريقة توظيف اللباس، بين من يخترنه زاهيا جديدا لا يخضع لتأثير عوامل الزمن، وبين من يخترنه رثا وممزقا يخبر عن حالة الغياب التي طالت والتي لم يكن لها عودة، ويقمن بالإضافة إلى اختيار نوعية اللباس بوضع نباتات عطرية فوق رأس الدمية كرمز يدل على قيمة الافتداء، وعلى قيمة اللباس، وحين تغيب النباتات العطرية والورود الزاهية تزين الدمية بقلائد من الذهب الحقيقي إكراما للدمية وتقديرا لقيمتها الغالية وتقديرا لقيمة اللباس الرث.

اختارت مدينة بركان في أغلب الفرج المرتبطة بظاهرة "تاغونجا " التي شاهدتها والتي سمعت من نساء كيفية الإعداد لها الحالة الثانية: ملابس رثة وممزقة، واختارت أن تقصد العيون والسواقي وضفة الوادي كمكان تجرى فيه طقوس الاحتفال ، فهل يا ترى كان اللجوء إلى وادي شرعة والوقوف على طرفه تصرفا بريئا أم هو حامل في ثناياه لفكر أسطوري إنساني مشترك ضارب في القدم وحامل في ثناياه لأسطورة "أنزار" ملك المطر؟

 

                                                                                  

لإضافة تعليق المرجو الضغط هنا

 

.........................................

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

Compteur Global gratuit sans inscription