بسم الله الرحمن الرحيم

         

موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                            مواضيع مختلفة                         

 

5

 

الثقافة القرآنية في البادية المغربية، قبائل بني يزناسن نموذجاً

نقلا عن موقع " أقطاب ، بوابة التصوف المغربي "

ثمة ملاحظة لا تخطئها عين الفاحص لمنهج كتابة التاريخ المغربي الحديث -وقد لا تكون خاصة بالمغرب أو بتاريخه الحديث، ولكن يهمنا في هذا المقال أن نؤشر عليها في هذا المجال الزمكاني- تلكم الملاحظة هي انطباع الكتابة التاريخية بالطابع السياسي/الرسمي الذي يركز على الأحداث السياسية العامة و الشخصيات الوازنة و العلاقات الرسمية, فيكون بذلك تاريخ الملوك و الدبلوماسيات أو تاريخ السلم والحرب...ولكنه أبدا ليس تاريخ المجتمع بآماله وآلامه وحركيته الدائبة، وأبعد من أن يكون تاريخ الأفراد، يعكس سيرورة حياتهم، وظروف معيشتهم...

ويتأسس على ذلك أن الكثير من التفاعلات الاجتماعية والأنماط السلوكية للأفراد لانجد تفسيرا لها أو نعرف أسبابها بالرجوع إلى التاريخ السياسي المدون، مما يضطر الباحث إلى استنطاق الشواهد التاريخية غير المكتوبة غالبا

وهذا العرض المتواضع، الذي أضعه بين يدي القارئ الكريم، إنما هو محاولة أولية لإخراج ثقافة شعبية، متداولة شفاهيا، إلى الضبط التاريخي، بما يقتضيه من رصد للمعلومات والأخبار، وضبط للأماكن والأحداث، ومعرفة للمعجم اللغوي المستعمل...إنها الثقافة القرآنية في البادية المغربية، خلال المرحلة الاستعمارية، والتي كان لها أكبر الأثر في النظام الأسري والاجتماعي والأخلاقي، ولا يزال ذلك ممتدا أو مؤثرا إلى الوقت الحاضر، وإن كان لهذا العرض من فضيلة، فإنما هي توثيق شهادة حية لرجل عاش الكثير من الأحداث في المرحلة الاستعمارية، ويرويها بتفاصيلها دون أي داع أو مصلحة في تغيير الخبر أو إخفائه. كما أنه عايش نمطين من أنماط الدراسة والثقافة، الأولى الثقافة الشعبية التي يعنى بها المجتمع الأهلي وأساسها تعلم القرآن الكريم، والثاني الدراسة النظامية التي تعنى بها الدولة القطرية التي ورثت أسس النظام التربوي عن الاستعمار

طريقة البحث التاريخي

هذا الرصد التاريخي عبارة عن شهادات حية، أفادني بها والدي السيد الفقيه منور صادقي في جلسة عائلية يوم الخميس 30 دجنبر 2004، حيث حددت محاور البحث الذي أزمعت إجراءه معه، ووضعت لكل محور أسئلة دقيقة، ثم سجلت إجاباته التي يتخللها الاستطراد والتفصيل الذي قد أغفل بعضه لعدم صلته بالموضوع

التعريف بالشاهد التاريخي

ولد منور صادقي سنة 1929 بدوار الصوادق، الذي يبعد عن أحفير بحوالي 2،5 كلم باتجاه العثامنة (كافي مور). والده الفقيه السيد محمد بن أحمد، كان مسموع الكلمة ويحظى بمكانة مرموقة وسط القبيلة. وقد كان حريصا على أن ينهج أبناؤه الستة وكلهم ذكور- نهج أجدادهم الذين كانوا علماء وحفظة للقرآن الكريم، خصوصا جدهم الأقرب الفقيه السيد أحمد بن صادق الذي كان قاضيا لقبائل بني يزناسن على عهد المولى الحسن الأول. وقد حفظ الإخوة القرآن الكريم كله، وعجز أحدهم عن إتمامه، فوجهه الأب إلى أن يكون "فقيرا" يسلك مسلك الصوفية على طريقة سيدي الهبري، ذلك بأن التوجه الثقافي الذي كان متاحا في القرى خلال تلك المرحلة إما أن يكون الشخص "طالب"، أي حافظا للقرآن الكريم، وإما أن يكون "فقير" أي مريدا لأحد شيوخ الزوايا، وإلا سيكون من عامة الناس "قبان". 

توفي والد الشاهد التاريخي وهو لا يزال يافعا، فأتم دراسته عند أخيه الأكبر، وفي أماكن كبرى سيتم ذكرها لاحقا. واضطرته ظروف الاستعمار خلال الحرب العالمية الثانية- إلى التنقل كثيرا بين شرق المغرب وغرب الجزائر، حيث لم يكن للحدود بين الدولتين أي معنى، وكان ذلك السفر للدراسة ثم للعمل في التجارة أو في أوراش مد السكة الحديدية أو تحميل بضائع الحلفاء الأمريكيين في ميناء وهران، وفي بداية استقلال المغرب اشتغل في التعليم الابتدائي مع أوائل أجيال المعلمين المغاربة. وقد كان ولوج مراكز تكوين المعلمين مرهونا باجتياز امتحان يترشح له حفظة القرآن الكريم فقط. دامت مسيرته العملية بالتعليم من سنة 1960 إلى 1995، وبعد التقاعد لم يجد مكانا أنسب له من المسجد، ولم يجد عملا أفضل من تعاهد القرآن في أكثر ساعات اليوم

تحديد مجالات البحث

جغرافيا: يتناول هذا الموضوع الثقافة القرآنية في البادية المغربية، ويتخذ لذلك نموذجا هو البادية الشرقية للمغرب، خصوصا شمال مدينة وجدة، وبشكل أخص البادية التي تسكنها قبائل بني يزناسن، وحدودها حسب إفادة الشاهد- كالآتي

ـ شرقا الحدود الجزائرية

ـ شمالا السعيدية وقرية العثامنة

غربا نهر ملوية

ـ وجنوبا قرية بني درار

وتقطن قبائل بني يزناسن في المدن والقرى المشهورة التالية: بني درار، أحفير، عين الركادة، بركان، أكليم، تافوغالت، زكزل، لبصارة، سيدي بوهرية، شراعة، لخميس، تريفة، (ولا يدخل فيها السعيدية، العثامنة، زايو.

تاريخيا: يدلي السيد منور بشهادته التاريخية المتعلقة بفترة شبابه التي قضاها في تعلم القرآن الكريم وتعليمه، وهي تصادف العقدين الأخيرين من المرحلة الاستعمارية، تقريبا المدة الزمنية الممتدة بين 1939 و 1958

بشريا: تنقسم قبائل بني يزناسن إلى أربع مجموعات كبير يتكلم أكثرها اللهجة الأمازيغية، وأقلهم اللغة العربية

بني خالد، تشمل بني درار، أحفير، تريفة، وتنتهي عند الركادة

بني منكَوش، تشمل الركادة بركان، مداغ، بوغريبة، الشويحية

بني حتيك (عتيق)، تشمل تافوغالت، لبصارة، نني موسي، بوهرية

بني وريميش، تشمل غرب بركان في اتجاه زايو

موضوعيا: نعني بالثقافة القرآنية ذلك الاشتغال الثقافي الذي ينشأ عند سكان البادية من حلال حفظ القرآن الكريم والاهتمام به، وبما يستلزمه من تهييء أماكن الدراسة، وتوفير ترتيبات خاصة بالتعليم والتعلم، ثم الأدوار العلمية والعملية التي ينتهض بها حفظة القرآن في القبيلة

بناء على ما سبق فإن الثقافة القرآنية لا تعني مجرد الحفظ الاختياري للقرآن الذي يعتني به بعض الإفراد فقط، وإنما هي ثقافة اجتماعية عامة، تحدد كل أنماسط الشلوك الشعبي وينخرط فيها المجتمع بكل فئاته، ومستوياته العمرية 

مراكز الدراسة القرآنية عند بني بزناسن

كان حفظ القرأن الكريم عند قبائل بني يزناسن في المرحلة الاستعمارية يتم إما في المساجد الجامعة التي تكون في دواوير سكانية عامرة، ومحاطة ببطون القبائل، أو في المساجد في الصغيرة التي تكون في تجمعات سكانية صغيرة، وهي خاصة ببطن واحد من القبيلة، أوقد تتم الدراسة في بعض البيوت السكنية الخاصة، وقد كان الطلبة يتنقلون بين هذه المدارس باحثين عن المعلمين الأكفاء والأكثر ضبطا لإلفاظ القرآن ورسمه

من أهم المراكز التي عرفت بمساجد جامعة أي تقام فيها صلاة الجمعة ويقصدها الطلاب للدراسة من جميع القبائل وحتى من خارج بني يزناسن ما يلي

ـ تينسان: قرية في جبال فوغال، فيها مسجد للصلوات الخمس والجمعة وقراءة القرآن، يؤوي الطلبة الآفاقيين

ـ تيزي: في عين أغبال، قرية جبلية خارج أحفير باتجاه بركان على اليسار قرب قبيلة بوعمالة، وقد عرف الفقيه السيد الطيب لسنوات عديدة بمسجد تيزي، يقصده الطلبة من كل الآفاق

ـ تغجيرت: أرض منبسطة بين تيزي وتينسان، دوار سكني تحيط به دوار الرحامنة، ولاد حمدان، لعظامة، بنهارن، تَغَرَّابْت، بوحسان، الصوادق، مهديين... 

ـ سيدي علي البكاي: قبر لولي صالح قرب بركان فيه مسجد للصلاة، وإقامة الجمعة، والدراسة، يحيط به ورطاس، أولاد بويعقوب، كَدفان، تمزيرت، خلاد

ـ عين أغبال: خارج أحفير في اتجاه بركان على اليسار، وقد كانت قبل دخول الاستعمار هي مركز السوق والتوثيق، والقضاء بين كل القبائل المحيطة، وبعد دخول الاستعمار الفرنسي حول المركز إلى أحفير الذي كان أرضا منبسطة تغلب عليها الحفر، فأنشئت القرية وسميت أحفير، وأصبحت مركزا حضريا

ـ أم الزهرة: بعد بني درار في اتجاه أحفير يسارا في مرتفعات الكَربوز، فيه مسجد كبير بنته امرأة صالحة تسمى الزهرة.

هذه من أهم مراكز حفظ القرآن الكريم نظرا للمساجد الكبيرة الموجودة بها وتقام بهذ صلاة الجمعة، وكانت تستقبل الطلبة المسافرين. إضافة إلى ذلك هناك عشرات المساجد الصغيرة في كل دشرة للصلاة والحفظ، لم تكن لها مآذن، ولا تقام فيها الجمع غالبا

كما كان بعض المدرسين يدرسون القرآن في بيوتهم الخاصة، وقد كان الفقيه السيد محمد والد منور يدرِّس في بيته الكائن بدوار الصوادق أبناءه الستة وكل من يرغب في الحفظ من عموم الناس متطوعا لوجه الله، حيث لم يكن في الدشرة مسجد، وقد كان يجتمع إليه في البيت من الرجال حوالي الثلاثين رجلا يتوافدون من مختلف المناطق القريبة

بالنسبة للشاهد فإن أماكن الدراسة التي تردد عليها تنوعت بدءا بالحفظ على يدي والده في البيت، ثم عند أخيه الأكبر الذي اصطحبه إلى قبيلة العنابرة في التراب الجزائري، حيث كان إماما للصلاة هناك ومدرسا للقرآن لمدة سنتين، وتوجد العنابرة قرب وادي كيس الذي يفصل بينها وبين زاوية سيدي الهبري (هذه الزاوية توجد في التراب المغربي قرب بين لجراف في طرق السعيدية)، ومعلوم أن وادي كيس هو الحد الفاصل بين المغرب والجزائر. ولم يكن في ذلك الوقت أية حدود معلومة بين البلدين

كما درس في بعض المداشر الأخرى، وأخيرا درس في زاوية الميرة في سيدي لحسن الكائنة بين ندرومة والغزوات في الغرب الجزائري، وفيها ختم حفظ القرآن الكريم

ملامح النظام الدراسي

يكون المدرس غالبا من بني يزناسن، إما من نفس القبيلة أو من قبيلة قريبة، وقليلا ما يكون المدرسون من الريف، لأن الحفظة من بني يزناسن كانوا كثيرين

المهام التي يضطلع بها الفقيه (لَمْشارَط) في الدشرة أو القبيلة، هي الصلاة الراتبة، وتعليم الطلبة القرآن الكريم، وتعليم الجماعة أحكام العبادات، والإجابة عن أسئلة الجماعة في العشور (الزكاة) وتعليم مناسك الحج، وإذا كان على قدر من العلم يخطب الجمعة، كما يقوم بتغسيل الأموات وتكفينهم وصلاة الجنازة عليهم، كما يحيي حفلات الجماعة بقراءة القرآن والأمداح وإلقاء المواعظ والتذكير والدعاء

نظام الشرط: تكتب نسخة/وثيقة يحتفظ بها مقدم الجماعة (كبير الجماعة)، يلتزم بموجبها كل واحد من الجماعة بدفع أجرة الفقيه سنويا إما بالنقد أو الحبوب (مرة في السنة بعد الحصاد)، ويوثق مقدار التزام كل واحد (يسجل التزام فلان بكذا مد أو قردية أو تليس) ويحاسبهم المقدم على تأخير الأداء، وقد يفرض غرامة/خْطَيَّة على المتأخرين

إضافة إلى الشرط يوفر السكان للفقيه مؤونته اليومية، حيث يلتزمون بتوفير التغذية له يوميا بالتناوب، كما يوفرون له السكن الذي غالبا ما يكون وقفا تابعا للمسجد

ويدفع الطالب للفقيه الرَّبْعِية، وهي عبارة عن إكرام غير محدد يدفع صباح يوم الأربعاء، مثل بيضتين أو بعض النقود... هذا بالإضافة إلى الإكرام التطوعي بالحليب واللبن

 

 

ا

 

لإضافة تعليق رجاء الضغط  هنا

.........................................

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

 

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription