موقع قبائل بني يزناسن يرحب بزواره الكرام

 

 

                                                           

 

أمثال بالدارجة المغربية

 

                                                           

الأستاذ الجامعي عبدالمالك المومني

 

 

12

لَالَّا خضرا الرَّكَّادة

 

ما قبل الحكي

جلست يوما مع أحد معارفي وأقاربي في مقهى يمتلكها بالقنيطرة،فتجاذبنا أطراف الحديث عن "البلاد" و"الطرشة" التي ينحدر منها وعن "الركادة" مسقط رأسي.. وقال لي إنه رُوي له أن الذي اكتشف عين الركادة هو راع لأحد الأعيان كان يرعى بقرا وغنما،فضاع له ثور فأخذ يبحث عنه. فبينما كان يذرع السهل الكثيف النبات والأشجار طولا وعرضا، إذ وجد الثور قائلا تحت شجرة بجوار عين ماء.. هذا ما سمعته من قريبي.. فتفاعل هذا الخبر في نفسي... وكنت أسمع من أمهاتنا خاصة أن العين تسمى لاله خضرا لاعتقاد الناس بأنها ولية أوتسكنها ولية.. وبعض العامة كان يعتقد أن مولاة العين "روحانية" سكنت أو تزوجت بعض الرجال من الأهالي.. وأنه كانت تعقد "وعدة" كل سنة يذبح فيها ثور... اعتقد شخصيا أن ذلك عائد إلى أن العين كانت نعمة على أهلها لأن ما حولها كان ما يزال إلى الآن عبارة عن حدائق وجنان.. 
وللركادة العين حكاية شعبية أخرى قصيرة رواها عن السكان المحليين أحد الفرنسيين في كتابه حول اللهجات البربرية لبني يزناسن ( انظر كتاب عين الركادة :القصبة والتأسيس للأستاذ عبد الله الزغلي،مطبعة عين، وجدة،2016 :ص،19).وقد تسلط خبر قريبي مع التسمية الشعبية للعين لدرجة الهوس علي.. مع ما للركادة العين من حب حتى الجنون بقلوب أبنائها،فكان من هذا الهوس وهذا الحب أن ولدت رواية الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنان عام 1996.. وبعدها ديواني الزجلي " ريحة لبلاد خضرا" وأخيرا روايتي "خضرا والمجذوب".
أضفت إلى الخبر الأول الذي سمعته من قريبي من الشخوص والأحداث ما حوله حكاية شعبية أو أحجية. وحاولت تبسيط لغتها في هذه النسخة التي سأعممها إن شاء الله في المواقع الصديقة لتعرف وتحكى أحجية للأجيال لتبقى على مر 
الزمان حية.

**********

"حجاية " لالا خضرا الرﮔـادة

" جيتكم يا اهلي ياخلاني ..يا حضره! على جناح الشوق جيتكم، جايبني هوى عين "خضرا" المصونه محبوبة كل الناس، بنتكم، وجايب معايا حكايا حجايا.. سمعوا مليح وﮔولوا ليَ كيف جاتكم!
حاجيتكم :
كان ياما كان..في سالف العصر والأوان،كان أحد الفتيان يسمى "دحمان"،من أبناء المنطقة الشرقية للوطن الفرسان، عينه سلطان البلاد قائدا على المنطقة من حدود سهل أنكاد شرقا إلى نهر ملوية شمالا، وما بين قمم جبال بني يزناسن جنوبا إلى شاطئ المتوسط ومصب نهر ملوية وشاطئ المتوسط غربا...
وكان القائد "دحمان" أبلى البلاء الحسن حين قاد جيشا جرارا، جنوده أبناء المنطقة الأحرار الشجعان، الأمازيغ والعربان، لصد هجمات حفدة البزنطيين والصليبيين والرومان، بعد أن استولوا على فردوس الأندلس، وقتلوا رجاله ونصَّروا ما تبقى منهم وهرب من هرب إلى المغرب أرض الكرم والهمم، فطمعوا في ما وراء البحر، وزحفوا إلى البلد الأمين طامعين فيه .. إلا أن القائد "دحمان" ورجاله الشجعان وقفوا للعدو بالمرصاد فأغرقوا مقدمة جيشه في النهر وهرب الباقي يجر أذيال الخذلان.
وكان مما تفضل به السلطان على الفارس "دحمان" أن بنى له قصرا على هضبة في سفح الجبل، وبعث إليه بجارية سمراء مليحة تدعى "خضرا"، فاعتقها وتزوجها على سنة الله ورسوله، فعاشا قريري العين زمنا راجيين أن يرزقهما الكريم المنان ذرية صالحة تكون لهما أنيسا ووريثا..
وطال انتظار الزوجين السعيدين.والتفَّ حول القائد الهمام حاشية منها ناصح صادق،ومنها ماكر منافق. فقالوا:
"أنت يا مولانا ذو مجد وسؤدد،وفي خير وخمير..لكن ينقص قصرك العامر ذرية نرجوها لك صالحة مثلك، وقد قضت حكمة الرحمان،واهب المال والوِلْدان أن يكون للرجل من النساء مثنى وثلاث ورباع، لتكثير النسل وعمارة البلاد، وزينة لك ومباهاة أمام الأمثال الأنداد .. وما نظن لالاَّنا "خضرا"على ما نعلم منها من ورع وعقل، وخلق ودين إلا أن تكون قد فطنت إلى حاجتك الطبيعية للبنين والبنات، لما أعطاك الله من جاه ومال وسلطان.. وقد عهدناك فينا عادلا صالحا، وبنا برا رحيما.. ولن نرضى بغير ولدك وريثا لولايتك.."
قاطعهم القائد قائلا: " لقد فهمت ما قلتم ونصحتم به مخلصين صادقين، فبارك الله فيكم، فانصرفوا إلى دياركم وشؤونكم، وأنا إن شاء الله ناظر في الأمر.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.. وهو المستعان والمستخار."
كان القائد "دحمان" مؤمنا محسنا،راضيا بقضاء الله وقدره،لا ييأس من رحمته،وكانت"خضرا"ريحانة العين والأنف والنفس،لايبغي بها بديلا،فكيف يؤذيها بضرة؟ 
ومرت أعوام.. وبدا الشيب على الزوجين الودودين.. ثم ما لبث أن علت غُلالة من حزن من حرمانهما من الولد. حتى كانت ذات ليلة جاشت النفس بما تعاني وتجد. قالت "خضرا"ورأس المحبوب في الأحضان:
"صاحبي: قد بلغت مرحلة من العمرلا ينجب فيها النساء. وما أريد أن يتحدث الناس عني وعنك بسوء.. وقد أمضيت معك عمرا هنيئا، ولا ندري أهذا العقم منك أم مني، ولكن لا أريد أن نعطل سنة الله في خلقه.. فناشدتك الله أن تتزوج عسى أن يهبك رب المال والولد ما تأنس به نفسك، وتعمر به دارك... ولك علي أن أرعى ودك،وأعز ولدك، وأشكر لك وفاءك.." ونقطع حديث الولاة والوشاة...
صمتت "خضرا" قليلا ثم أردفت : "ولكن عندي لك رجاء يا محبوب ما أظنك تبخل علي بتحقيقه.."
أطرق الفارس دحمان طويلا، وبدت عليه حيرة وتردد.. وأخيرا قال: " ما هي يا عزيزتي؟ اسألي تجابي".
عندها قالت "خضرا" : " لك في حجر الجبل عند بدء السهل بين فرعي وادي بوروللو أرضا واسعة، وأريد أن تستصلح لي منها قليلا من أمتار وتبني لي بها دارا آوي إليها وأخلو فيها بقية عمري لذكر ربي."
وكان للمحبوبة ما تمنت..بنى لها زوجها دارا بالمكان الذي أرادت،وأرسل معها خادما يسمى "ميمون" وزوجه "مسعودة" ليقوما بخدمتها ويرعيا أنعامها،وقد رزقا هما أيضا ذكرا سموه "رباح" وبنتا سموها "رابحة".. ولما بلغ "رباح" الحلم..كانا يرسلانه للرعي أسفل الدار بين أحراش غابة كثيفة أشجارها من عرعار وصفصاف وبلوط وعوسج شائك وغير شائك ونبات شتى أسود من خضرته لا يبلغ البصر مداه..
وفي ظهيرة يوم حار.. بينما كان "رباح" يرعى ماشيته، غلبته شمس حارة، فانتبذ ظل عرعارة وارفة، فأخذه نوم عميق لم يفق منه إلا بعد العصر وقت العودة إلى منزل مولاته... وتفقد البقر والشياه، ولما أحصاها كعادته رأسا رأسا.. لم يجد بينها ثورا أسود فحلا معروفا.. فانتابه خوف من مولاته.. وإن لم يعهد منها إلا الكلمة الطيبة.. فجمع رعيته وقادها.. وأسر إلى والديه بفقدان الثور الأسود..
هوَّن الأبوان عليه الأمر، وقرر والده أن يخرج هو و"
رابحة" معه في الغد باكرا للبحث عن الثور الضال.
وكذلك كان.. خرجا باكرا كأن لم يحصل شيء.وصعدا السهل باتجاه الجبل.. تاركين "رابحة" مع البقر والشاء.. سلك الوالد سبيلا واتبع الولد سبيلا آخر غير بعيد عن والده.. مشى الوالد مسافة. وكلما خطا خطوات كان يحس بقدميه تنغرسان في أرض رملية رطبة. وما هي إلا خطوات أخرى حتى لمح أثر أظلاف فرد من البقر تزداد انغراسا في الأرض... وتقدم قليلا بحذر، فإذا الأرض وحلة، وإذا بها مرتوية، وإذا جدول في الأرض يسيل رقيقا براقا تحت الشمس..وسار جنبه حتى أطل على قاع من الأرض به "ضاية" ماء صافية.. وعلى ضفاف "الضاية" حيوانات وطيور شتى لم يعرف منها إلا لقالق وخطاطيف ويمام وغزلان رقيقة جميلة..دنا قليلا في صمت.. طارت الطيور وتوارت الحيوانات في الغابة... تقدم في ذهول ومشى إلى أعلى الضاية فرأى نبعا منبجسا من رمل وحجر وحصى قليل.. وقف مبهورا.. جثا على ركبتيه وغرف غرفة من راحتيه ورفعها إلى فمه.. فإذا الماء زلال وبارد ثلج.. ذهل لحظة عما حوله.. لولا أن سمع خوارا ضعيفا غير بعيد.. تلفت جهة الصوت فإذا الثور في قيلولة تحت عرعارة يجتر ما رعى..
لم تسع الأرض الرجل فرحا.. ونادى ابنه "تعال.. فقد وجدنا الثور الأسود.."
ولما عادا مساء إلى دار السيدة الوقور..دخلا عليها بعيد المغرب..وقص "ميمون" عليها خبر الثور الضال والنبع الغزير..فلما سمعت القصة ركعت وسجدت سجود الشكر لله..وباتت ليلتها وبقية الليالي بعدها قائمة متبتلة تصلي حمدا وشكرا.
وسمع الناس بنبأ "لاله خضرا" وزهدها وبركتها وزكاتها.. والعين التي بأرضها، فقصدوها من الأماكن القريبة والبعيدة مهنئين وساعين إلى نيل ما أفاء الله عليها من خير عميم.. وما هي إلا أعوام حتى غدا منزلها الرحب رباطا يقصده العباد والزهاد، والفقراء والمساكين وأبناء السبيل.. حتى ضاق المنزل بالزوار، واضطرت صاحبته أن توسع من محيطه وتديره بسور بنت داخله غرفا بعيدة وخياما ومرافق أخرى حتى تفي بحق الضيافة.. وكان الناس يحلون بالمكان ويبقون فيه أياما، يعقدون خلاله مجالس لتلاوة القرآن والذكر والدرس. وهم خلال ذلك يأكلون ويشربون ويقيمون مكرمين وفي زهد من غير إسراف بفضل ما رزقته السيدة العابدة من بهيمة الأنعام وجنى الجنان، والنبع القريب دائم الجريان.. وقد أوصت المرأة الصالحة إلاَّ يصاد أو يروَّع طير ولا حيوان مما يجاور الدار أو يحوم في سمائها....وحتى يكون الناس قريبين من المنزل المبارك، هبط بعضهم من الجبل والتلال والسهول المحيطة فاقتطعوا لهم "بحاير" وسط الغابة العذراء. ففلحوها وغرسوها وسقوها مناوبة بينهم من ماء العين، فكانت كل "بحيرة" تؤتي أكلها بإذن ربها كل حين..
لكن الأولياء والصالحين كان لهم دائما أعداء وحساد. وقد بلغت شهرة رباط "خضرا" الأفاق، و سمع به القاصي والداني من داخل البلد و خارجه، وكان فيهم الصديق الوفي والعدو الظاهر والخفي.. ولم يكن العدو منذ زمن بعيد المترصد وراء البحر القريب لينسى هزيمته النكراء على ضفة النهر،فأخذ يتربص ويتحين الفرص... وجاء "الرقاصون" إلى السلطان، يحثونه على أن يتدارك طرفا من مملكته الواسعة أخذ يشق عصا الطاعة، وصوروا له الفارس "دحمان" شيخا كبيرا أصابه الخرف، فترك أمر ولايته لزوجته العبدة "خضرا" التي ما فتئت تجمع حولها الرعاع والصعاليك و"الأفاقين"... لتزحف بهم على بقية البلاد لتكون ملكة متوجة عليهم وعلى سائر العباد.. وعلى عادة الأعداء في بث الفرقة وإثارة الفتنة بين أهل البلد، ذكروا له فعل الملكة الكاهنة "ديهيا" التي حاربت الدين، والفاتحين الغازين، سعيا منهم في بث الشقاق والحرب بين الأمازيغ والعربان..
وألح الوشاة في السعاية... وصدق السلطان ما سمع بعد أنكاره ثم تردده.. فأرسل إلى الرباط جيشا عرمرما، ودخله، فأقتيدت صاحبته مصفدة في الأغلال.. ولم يعلم أحد بخبرها بعد ذلك الزمان.. إلا إشاعات متضاربة حول مصيرها.. فمن قائل إنها ماتت رهينة الأسر في سجن السلطان.. ومن قائل إنها مازالت حية..قد حلت بقلب كل حي يمشي في الأرض أو يطير في السماء.. وسكنت كل متحرك وهامد.. أما الفارس الهمام فقد أرسلوا إلى قصره من يسجنه ويقيده ليحاكم ويعدم على رؤوس الأشهاد جزاء ضعفه وترك ولايته في يد جاريته السوداء الشمطاء كما قالوا ونمموا.. لكنهم لم يجدوه في قصره على التلة في الجبل.. وجدُّوا في البحث عنه، لكن خاب مسعاهم.. وقد رويت أخبار غريبة حول اختفائه وأماكن حله وارتحاله..واتفق روايات بعضهم على أن القائد "دحمان" قد رآه بعض السارين ليلا وفجرا يخرج من كهف في قمة الجبل عميق ومرهوب، وعليه عباءة صوف مخططة الجانبين بخطوط سود وحمر يبدو فيها كبلارج كبير العمر،ثم يهبط الأودية طائرا محلقا، وينزل باكرا إلى حجر الجبل حيث كان الرباط، فيهتف بزوجته السمراء المليحة مناديا حتى يبح صوته..."خضرررا ...! خضرررا..!" فلا يجيبه غير صدى صوته المبحوح يتردد في جوانب الجبل والوهاد والتلال..
أما مصير الرباط الذي كان زمانا مقصد العباد والزهاد، فيروى أن السلطان قد أبقى به كتيبة من الجند عليها قائد فظ غليظ ليرعى أمنه، فعاث فيه فسادا، واستأثر بالنبع وما جاوره من أرض خصبة لنفسه وحرسه.. وروَّع طيره ووحشه، وشرد إنسه إلا من طوَّحه الحب وكبله الغرام بالمكان، فإنه بقي صامدا رغم الهوان.. وبعضهم توارى عن الأنظار وانجحر مغمورا في كهف أو غار، ينتظر ويرجو كشف الغمة من الرحيم الرحمان ..
ومر زمان.. وجاء شتاء لم يعرف الناس مثله في العواصف والأمطار... وفي ليلة ليلاء طلع سحاب متراكم كالجبل آت من البحر، فابرق وأرعد، وانصب على الجبل ونزل سيلا دفاقا على الشعاب والوهاد والبطاح.. ولما لاح الصباح، كان الرباط قد اختفى بما فيه ومن فيه. عقابا -.قال الناس- من السماء للظالمين الغاشمين..
مرت يا احباب وياخلان على الرباط دهور وأزمان.. أتت على معالم الرباط وما حوله غير طلل يسقط حجره وترابه كل آن، ولا من يعيده أمام العيان... وعين غزيرة تصيبها من آن لآن أحوال من النضوب والفيضان.. بطحاؤها كثيفة الشجر، وما حولها من المروج كثيرة الفواكه والخضر.. وفي أعلى صفصافة جوارها عش بلارج وزوجه يحلان به ربيعا وصيفا ويهجرانه خريفا وشتاء.. 
ووفاء لعادة قديمة لا يعرف متى بدأت، كان الأهالي الباقون بالجوار يقيمون وليمة سنوية (وعدة، موسم) ببطحاء العين يوم فيضانها، يذبحون في يومها ثورا (وزيعة) فيطهون منه ويأكلون، ويوزعون بعضه على الفقير وابن السبيل، ويلعبون سباق الخيل والبارود، ويقرؤون ويذكرون، ويغنون ويرقصون... ،... وقد سمى عامة الناس عين الماء عين"الرﮔادة" وسماها العارفون بأسرارها عين"لاله خضرا".
"هكذا يااحباب..وياخلان.. ويا حضرة، نهيت " حجاية لالاَّ خضرا... والله يخلي "لاله خضرا" لمَّاليها ديما خضرا، ورمز وعز للأوطان، وذكرى حية ديما في القلوب والعقول عبرة ومثال..."

 

 

 

 

تريد أن تضيف تعليقا

اضغط هنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي المشرف على الموقع

 

 

Compteur Global gratuit sans inscription